آخر خبرمقال اليوم

كيف أصبحت الصين مَصنَع العالم؟

 لُجين سليمان-الصين

لم تتخذ الصين من كلمة “التنمية” زخرفة تزيّن بها سياستها الداخلية، بل كانت “التنمية” كلمة مفتاحية طُبّقت على أرض الواقع بكل دقّة لتنتج دولة باتت تُصنّف كقوة عظمى في العالم. ابتعد النموذج الصيني في تنمية المدن عن الاستهلاك الذي غالبا ما يُفضي إلى بناء مدن فخمة تحتضن الأثرياء فقط، فتمّ تقديم نموذج متكامل لتنمية صناعية منتجة تؤدي إلى بناء مدن جديدة بالضرورة، هكذا كان التطبيق العملي والفعلي لمفردة “تنمية” التي رافقت بناء الصين الحديثة.

لو تحدّثنا بلغة الأرقام المُهمّة والمفيدة لتوضيح نتائج التنمية في الصين نجد التالي : 

  • الصين هي حاليا  ثانى أكبر اقتصاد فى العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية ومن المُرجّح أن تصبح الأولى بعد سنوات قليلة
  • وصل الناتج المحلى الإجمالى للصين الى  14.7 تريليون دولار في العام  2020.
  • الصين تبوأت مركز  أكبر دولة فى العالم في حجم التجارة الخارجية وأكبر مصدّر وثانى أكبر مستورد فى العالم.
  • بلغ مجموع صادرات وواردات الصين في العام 2020    4.65 تريليون دولار .
  • استحقّت الصين لقب ” مصنع العالم” وذلك بعد صارت شريكا تجاريا لأكثر من 130 دولة في العالم، وما عاد بيتُ تقريبا في أي دولة من هذه المعمورة يخلو من قطعة من تصنيع صيني ( من البرادات والغسالات والتلفزات الى اجهزة الهاتف الى أدوات المطبخ الى الثياب وغيرها ..)
  •  الاقتصاد الصين يفوق بخمسة أضعاف نظيره الفرنسي و4 أضعاف نظيره الالماني وهو أكثر بثلاث مرات من الاقتصاد الياباني ، أما في المجال الصناعي فان الصين تتفوق بمرتين على الصناعة الأميركية
  • الثورة التكنولوجية الهائلة والانتقال الى 5G وقريبا وحتما الى 6G، أحدثا أهم تحوّل تكنولوجي في العالم، فاق كل التوقّعات.

ما كان كلّ هذا مُمكنا لولا التخطيط الدقيق والمحترف والاستثنائي للتنمية والتنوع والتكامل بين الريف والمُدن. 

في الندوة الخاصة بتعميق الإصلاح على نحو شامل قال الرئيس الصييني “شي جينغ بينغ” ” تختلف أنماط الحياة على بعد 100 ميل، وتتباين العادات على بعد 1000 ميل. إنّ ماهية نظام الحكم الذي تختاره أي دولة يقررها التوارث التاريخي والتقاليد الثقافية ومستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه الدولة ويقررها شعب الدولة ذاتها”.  يشكّل القول السابق قاعدة اعتمدتها الصين للمواءمة بين موروث المدينة وتنميتها بما يتوافق مع هذا الموروث ولا ينفصل عنه، وبالفعل تتمتع كل مدينة صينية بميزة مختلفة عن غيرها، فقد تمّ تحويل هذا التميز إلى خصوصية شكّلت قاعدة لبناء كل منطقة بما يتوافق مع أساسها، فباتت القاعدة من جنس البناء، وكأنّ بناء تلك المدن بناء  على هذا النهج  خلق صينا واحدة بمدن متعددة الخصوصيات.

وإذا عدنا تاريخيا إلى بناء الصين، فلا بدّ من الإشارة إلى أنّه ومنذ زمن بعيد تطلّع الحزب الشيوعي الصيني إلى الكيفية التي سيتم بها تقسيم الصين إلى مناطق متعددة لتنميتها بشكل متوازن، ففي اجتماع للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني التي عقدت عشية تأسيس جمهورية الصين الشعبية، أشار الرئيس الصيني الراحل” ماو تسي تونغ” إلى أنه يتعين على الحكومة إعطاء الأولوية للمناطق الحضرية بدلا من الريفية. ودعا إلى بذل جهود كبيرة في تعلّم كيفية إدارة وبناء المدن. وبذلك باتت كلمته مبدأ توجيهيا للتحول الحضري في المرحلة الأولى من الصين الجديدة.

وبعد تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح في عام  1978، شهدت الصين أكبر عملية تحول حضري في تاريخ البشرية. وقد ارتفعت نسبة سكان الحضر من 92ر17% في عام 1978 إلى 58ر59% في عام 2018.

ويمكن القول أن الصين قد استفادت من الخطأ الذي وقع في فترة سيادة المجتمع الإقطاعي أي بعد عام 1840، عندما كانت المدن استهلاكية لا تملك القدرة على الإنتاج، أو حتى على تنمية المناطق الريفية، لذلك وبعد تأسيس الصين الحديثة،  تم العمل على جانبين: الأول هو تعزيز البناء الحضري، وخاصة البنية التحتية، مثل الطرق وإمدادات المياه. وأما الثاني فهو استئناف الإنتاج، وتحويل المدن من كيانات استهلاكية إلى كيانات منتجة.

ووفقا للباحث “ليو باو كوي” والذي يعمل كمساعد في معهد التخطيط المكاني والاقتصاد الإقليمي للجنة الوطنية الصينية للتنمية والإصلاح. فإنّ عملية التحول الحضري في الصين تختلف عن مثيلاتها في أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وشرقي آسيا. فقد أدركت الحكومة الصينية العلاقة بين الحكومة والسوق، وكذلك العلاقة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية ولذلك أطلق عليها اسم سياسة التحوّل الحضري ذات الخصائص الصينية.

وهو ما عبّر عنه الرئيس الصيني قائلا: “إذا حاكينا نظام ونمط الآخرين عشوائيا دون مراعاة الظروف المحلية فسنكون على غرار من يرسم نمرا فتخاله كلبا،  وذلك النمط المُقلّد لن يسهم في تسوية القضايا الواقعية” 

 وقد تم تقسيم الصين إلى مناطق متعددة، فمثلا في غرب الصين حيث يوجد انخفاض نسبي في عدد السكان، تم العمل على تحويل المراكز الصغيرة إلى مدن كبرى دائما بما يتوافق مع خصوصية كل مدينة، أما في وسط الصين فقد تمّ اختيار المدن التي تتمتع بمواقع متميزة وموارد جيدة وعدد سكان كبير لتنميتها أولا، ومن ثم الالتفات إلى مناطق أخرى.

ولأن الحجر وحده لا يبني مدنا اتخذ التحوّل الحضري الصيني من الإنسان أساسا لتشكيل مجتمع متناغم، على مبدأ مفاده أن تحرير الإنسان لن يكون إلا من خلال تحرير العقول التي تشكّل طريقا لتحرير وتطوير القوى المنتجة.

بالنتيجة يمكن القول أنّ الصين قد أمسكت خلال عملية التحول الحضري والتنمية المدنية على مقابض أساسية ساهمت في النهوض على الطريقة الصينية، ألا وهي تطوير الحجر والارتقاء بالبشر وتحسين الكفاءة الإنتاجية، الأمر الذي قاد إلى تنمية كبرى عساها تُنقل إلى عالمنا العربي يوما ولا سيما الدول التي خاضت حروبا مخلفة وراءها دمارا فباتت تحتاج إلى عملية نهوض متكاملة.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button