آخر خبرمقال اليوم
ترامب يطلب وساطة الصين في إيران، هل ينجح؟

د. رانيا حتي- باحثة وكاتبة بالشؤون الجيوسياسية

في ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٥، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن “الولايات المتحدة تخوض حربًا تجارية مع الصين”، في الوقت ذاته، كانت واشنطن تتحضّر، لمسار تصعيد عسكري ضد إيران، يمتدّ تأثيره بصورة غير مباشرة إلى الصين نفسها. لكن المفارقة أن ترامب، توجّه اليوم إلى بكين، لا لفتح جبهة جديدة، بل لطلب وساطة صينية أو ممارسة ضغط على طهران لفتح مضيق هرمز وضمان استمرار تدفّق الطاقة والأسواق العالمية.
وفي قراءة أعمق للمشهد، يبدو واضحًا أن بكين تمضي بثبات نحو كسر الهيمنة الأميركية، والعمل على تكريس نظام اقتصادي عالمي متعدّد الأقطاب، يقوم على شراكة دولية أوسع وحوكمة أكثر توازنًا وعدالة. فالصين لم تعد مجرّد منافس اقتصادي للولايات المتحدة، بل تحوّلت إلى قوة استراتيجية تمتلك أدوات النفوذ المالي والتجاري والتكنولوجي والطاقة، فضلًا عن شبكة شراكات دولية متنامية تمتد من آسيا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
ومن هذا المنطلق، لن تتعامل الصين مع الملف الإيراني من زاوية الضغط على طهران بقدر ما ستسعى إلى فرض مقاربة سياسية واستراتيجية مختلفة، عنوانها الانتقال من منطق الأحادية الأميركية إلى نظام عالمي تشاركي متعدد الأقطاب.
في هذا السياق، تكتسب العلاقة الصينية ـ الإيرانية أهمية استثنائية خصوصا بعد توقيع الاتفاقية الاستراتيجية الشاملة بين البلدين لمدة ٢٥ عاما منذ ٢٠٢١ ، والتي شكّلت نقطة تحوّل في العلاقات الثنائية، ورسّخت موقع إيران كأحد الممرات الجيوسياسية الأساسية ضمن مشروع “الحزام والطريق”.
تكشف الأرقام حجم هذا الترابط الاستراتيجي المتصاعد بين بكين وطهران، خصوصًا في قطاع الطاقة. فوفقًا لبيانات قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية (UN COMTRADE)، بلغت الواردات الصينية الرسمية من إيران نحو ٤،٤ مليارات دولار خلال عام ٢٠٢٤، بينما تشير بيانات الجمارك الصينية إلى أن الواردات المعلنة في الربع الأول من العام نفسه لم تتجاوز ١.٢٦ مليار دولار. إلا أن تقديرات مراكز أبحاث غربية، وعلى رأسها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، ترى أن الحجم الفعلي للتبادل أعلى بكثير، وقد يقترب من ٩،٧٦ مليارات دولار في الربع الأول فقط، مع تقدير أن نحو ٩٦% من هذا التبادل يرتبط بسلع خاضعة للعقوبات، وفي مقدّمها النفط والبتروكيماويات والمعادن.
تُعدّ الصين المستورد الرئيسي للنفط الإيراني، إذ تُقدّر وارداتها بما يتراوح بين مليون و١،٥ مليون برميل يوميا، يتم جزء كبير منها عبر قنوات غير مباشرة أو عبر إعادة تصنيف المنشأ لتفادي العقوبات الأميركية. ويعني ذلك عمليا أن أمن الطاقة الصيني، خصوصا في ما يتعلق بالخليج ومضيق هرمز، بات مرتبطا بشكل مباشر باستقرار إيران واستمرار تدفّق النفط.
في المقابل، لا يقتصر التبادل على النفط، بل يشمل أيضًا المعادن والمواد الصناعية والبتروكيماويات. فقد ضاعفت إيران صادراتها من الخامات وغيرها إلى الصين، بينما تحافظ المنتجات البلاستيكية والمواد الصناعية على حضور ثابت في التجارة الثنائية، في وقت تصدّر فيه الصين إلى إيران معدات صناعية وتكنولوجية ووسائل نقل، ما يتيح لطهران تجاوز جزء من تأثير العقوبات الغربية.
هذا الواقع يفسّر كيفية تجاوز حجم التبادل الصيني ـ الإيراني مستويات ما قبل سياسة «الضغط الأقصى» التي أطلقتها إدارة ترامب عام ٢٠١٨، وهو ما دفع الكونغرس الأميركي في نيسان ٢٠٢٤ إلى إقرار قانون «SHIP» لتشديد العقوبات على النفط الإيراني وملاحقة الجهات التي تسهّل تصديره.
560 مليار بين الصين وأميركا
في المقابل، تبقى العلاقات الصينية ـ الأميركية هي المحور الأكثر حساسية في النظام الدولي، نظرًا إلى حجم التشابك الاقتصادي بين الطرفين. فعلى الرغم من التوترات التجارية المتصاعدة، بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية نحو ٥٦٠ مليار دولار في عام ٢٠٢٥، ما يجعل الولايات المتحدة واحدة من أهم الشركاء التجاريين للصين، حيث تمثل قرابة ٨،٨% من إجمالي تجارتها الخارجية.
تُظهر البيانات استمرار قوة الارتباط الاقتصادي رغم التصعيد السياسي، إذ تستمر الصين بتصدير ما يقارب مليار دولار يوميًا إلى السوق الأميركية، في مقابل صادرات أميركية إلى الصين بلغت نحو ١٤٣ مليار دولار خلال عام ٢٠٢٤. ورغم تسجيل تراجع طفيف في حجم التبادل خلال ٢٠٢٥ بنسبة تقارب ١٠% نتيجة إعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية، فإن الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة بقي مرتفعا، مسجّلًا مستويات قياسية في بعض الفترات، ما يعكس استمرار اختلال الميزان التجاري لصالح بكين.
من هنا، تبدو قمة بكين أبعد من مجرد لقاء ثنائي عابر، إذ يُتوقع أن تبحث ملفات حساسة تشمل الحرب التجارية، وأمن الطاقة، ومضيق هرمز، ومستقبل تايوان، والتنافس التكنولوجي، وسلاسل الإمداد، إضافة إلى إعادة صياغة التوازنات في الشرق الأوسط وآسيا، بما في ذلك الملف الإيراني.
فهل سيعيد ترامب حساباته ويتجه نحو التسوية ، أم أنه سيواصل سياسة التصعيد والمواجهة؟
ربما لو يصغى ترامب إلى أصوات كبار المنظّرين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة، وإلى مراكز التفكير ال think tanks التي كانت قد حذّرت مبكرا من خطورة الصدام مع الصين، لكان تجنّب هذا المأزق. فـعلى سبيل المثال، دعا زبيغنيو بريجنسكي بوضوح “لا تخاصموا الصين، بل شاركوها إدارة العالم” فيما كان قد حذر هنري كيسنجر من سياسة عزل بكين، داعيا قائلاً:”لا تعزلوا الصين، بل توازنوا معها”.
أما ما بعد قمة بكين، فلن يكون كما قبلها. فإما أن تنجح القمة في فتح باب تفاهمات دولية جديدة تُخفّف منسوب التوتر وتؤسس لتوازن عالمي مختلف، وإما أن تتحول إلى محطة عابرة تسبق مرحلة أكثر حدّة من الصراع الاقتصادي والعسكري والسياسي.
باختصار، يبدو أن العالم اليوم أمام لحظة مفصلية: إما تسوية كبرى تعيد رسم التوازنات الدولية وتؤسس لنظام عالمي متعدد الأقطاب، وإما حرب استنزاف طويلة ومفتوحة، تتداخل فيها الحروب التجارية بالصراعات الجيوسياسية والعسكرية، من دون أفق واضح لنهايتها.




