لماذا يتوقّع الاقتصادي الأميركي ريتشار وولف إنحسار أميركا

روزيت الفار-عمّان

في لقاءاته المسجّلة وتقاريره المنشورة على مدى العامين الماضيين، يؤكّد المفكّر والاقتصادي البارز ريتشارد وولف، الّذي تخرّج من أشهر الجامعات الأمريكيّة وأصبح بعدها محاضراً فيها؛ كجامعة هارفارد وستانفورد وييل، يؤكّد على أنّ الامبراطوريّة الأمريكيّة، الّتي هيمنت على العالم كقوّة عظمى لمدّة قرن بعد الحرب العالميّة الثّانية، باتت تسير بانحدارٍ فعليٍّ ومستمر وخصوصاً في الثّلاثين سنة الأخيرة، وبخطى مشابهة للإمبراطوريّة البريطانيّة الأم حين كانت بمراحلها الأخيرة. عازياً أسباب هذا الانحدار إلى بعض السّياسات الخاطئة، وتحديداً، المتعلّقة بالجانب الاقتصادي في ظلِّ تعاظم الاقتصاد الصّيني كقوّة منافسة تحقّق نموّاً متسارعا ومستمرّاً وصل إلى 9% مقابل نموّ لم يتجاوز بأفضل مستوياته ال 3% لدى الجانب الأمريكي وعلى مدى العقود الثّلاثة الأخيرة.
و حذّر وولف من أن الاقتصاد الصيني ظل على مدى الثلاثين عاماً الماضية ينمو بمعدل أسرع باستمرار من الاقتصاد الأمريكي، وأن هذه الفجوة المتسعة هي المنبع الأساسي للرعب الذي يسيطر على نخب واشنطن.
و قال وولف:” لقد تجاوز حجم الدين العام الأمريكي حاجز الـ 39 تريليون دولار، ويتوقع أن يبلغ عجز الموازنة لعام 2027 وحده ما بين تريليونين وثلاثة تريليونات دولار”.
مستنداً على بيانات وأرقام حديثة، يوضّح وولف أسباب هذا الانحدار ويلخّصها بِ:
- التّحوّل الهيكلي بالاقتصاد الأمريكينتيجة صعود الصّين كقوّة اقتصاديّة عظمى لا سيّما بمجالات التّصنيع والتّجارة. ويقول بأنّه رغم احتفاظ الولايات المتّحدة الأمريكيّة بتميّزها في التّكنولوجيا والابتكار وحقول الخدمات، غير أنّه أصبح ينظر للصّين، في السّنوات الأخيرة على أنّها “مصنع العالم الأوّل” وخصوصاً، بمجال صناعة السّيارات الكهربائيّة، الّتي أصبحت تغزو العالم، ومجالات الذّكاء الاصطناعي
- العجز التّجاري المزمن والمستمر، الّذي يعود سببه، لدى وولف، إلى خلل هيكلي عميق في النّظام الرّأسمالي الأمريكي.
أي أنّ قيمة واردات الدّولة الّتي تشتريها من الخارج تتجاوز قيمة الصّادرات الّتي تبيعها للخارج. في الوقت الّذي تحقّق فيه الصّين فائضاً تجاريّاً ضخماً.
- انخفاض حصّة أمريكا في التّجارة العالميّة، حيث تقلّصت حصّتها لصالح الصّين الّتي أصبحت الشّريك التّجاري الاستراتيجي والأساسي للعديد من دول العالم مثل ألمانيا وبقيّة دول الاتّحاد الأوروبّي، كذلك روسيا وإيران واليابان وكوريا الجنوبيّة والبرازيل، إضافة للولايات المتّحدة الأمريكيّة ذاتها.
- أزمةالدّيون الخارجيّة، وأساسها تراكم رأس المال على مدى سنوات وليس سوء الإدارة المؤقّت فقط.
ففي لقاء متلفز أُجري معه قبل أيّام حول أزمة الدّين الأمريكي، أفاد وولف بأنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة باتت تعاني من أزمة ديون هيكليّة، عزّزها اقتصاد الحرب والإنفاق الحكومي مشيراً إلى أنّها تقوم بالاقتراض من دول خارجيّة كاليابان والصّين والخليج لتمويل حروبها -غير المحسوبة- الأمر الّذي يرفع من مستويات المديونيّة ويعمّق من أزمات الدّولة الماليّة.
ويقول بأنّ حجم الدّين الأمريكي تجاوز هذا العام ال39 ترليون دولار، أي ما نسبته 137% مقارنة بالنّاتج المحلّي الإجمالي، وبأنّه من المتوقّع أن يصل عجز الميزانيّة لعام 2027 وحده إلى ما بين 2 و 3 ترليون دولار. الأمر الّذي يهدّد بضغوط تضخّميّة وحالة ركود اقتصادي تؤثّر بشكل خاص على طبقة العمّال وعلى أجورها، مشيراً بأنَّ تعاظم هذا الدّين وبلوغه مستويات قياسيّة غير مسبوقة أدّى إلى تراجع الهيمنة الاقتصاديّة الأمريكيّة وخلق تخوّفاً وقلقاً لدى المُقرضين، الأمر الّذي ضاعف حدّة الأزمة وجعل الوكالات الدّوليّة المختصّة تخفّض التّصنيف الائتماني للاقتصاد الأمريكي من 3A إلى 2A وتقلّل من مستوى الثّقة بالسّياسات الأمريكيّة في القدرة على إدارة ديونها، وهو ما اعتبرته أمريكا أمراً مهينا ومحرجاً.
- تبعيّة التّجارة الأمريكيّة لسلاسل توريدمرتبطة بالصّين في جزء كبير من استهلاك السّلع المصنّعة عالية التّقنيّة كالإلكترونيّات والآلات المتقدّمة ومركّبات الطّاقة الجديدة والكثير غيرها.
وفي أحد جوانب تحليلاته، أشار وولف إلى أنّ أرباح التّصنيع العسكري هو ما تهتمّ به المنشآت المصنّعة بدل اهتمامها بنتائج الحروب، فهي تجني أرباحها من استبدال الأسلحة القديمة بأخرى حديثة أكثر فتكاً وتدميراً، فكلّما ازدادت شراسة الأسلحة كلّما زادت الأرباح المتحقّقة. عدا عن أنّ التّجمّعات الصّناعيّة أصبحت تعتمد الآلة في عملها بدل اليد البشريّة؛ ممّا يزيد في نسب البطالة وتعميق الأزمة.
وبمنظورٍ نقديٍّ حاد، تناول وولف الرّئيسَ ترامب وحربِه على إيران وفرضه رسوماً جمركيّة على دول العالم بأسره؛ واصفاً ذلك السّلوك بالهستيري وترامب برجل يحتضر يحاول إخفاء ضعفه باستعراض قوّته العسكريّة، ومعتبراً هذه الحرب دليلاً على تآكل الإمبراطوريّة الأمريكيّة بل محاولة يائسة من قِبَل الرّئيس ترامب لإخفاء أزمات بلاده الدّاخليّة ولصرف أنظار الأمريكيّين عن التّراجع الاقتصادي الحاصل. وأشار إلى أنّه كما عجزت أمريكا عن تحقيق انتصار حاسم في العراق وأفغانستان وحاليّاً في أوكرانيا، فإنّ هذا العجز يتكرّر الآن في إيران وأنَّ من شأن هذه الحرب تعزيز التّأزّم الدّاخلي والتّقليل من مستوى التّأييد للرّئيس ترامب والتّأثير سلباً على إعادة انتخابه. عدا عن تأثيرها الخارجي الّذي يقود إلى ارتفاع بأسعار الطّاقة والنّفط والزّيادة في تكلفة المعيشة على شعوب العالم والشّعب الأمريكي بالمثل.
أراد وولف من خلال ما قدّمه ويقدّمه من أفكار وتحليلات، إظهار بأنَّ الإمبراطوريّة الأمريكيّة في طريقها المحتوم نحو الزّوال وبأنّ لا شيء يميّزها عن بقيّة الإمبراطوريّات الكبرى الّتي سبقتها عبر التّاريخ البشري كالإمبراطوريّة اليونانيّة والمصريّة والعثمانيّة الّتي أسهمت في الحضارة البشريّة وعلى مختلف الصّعد بإنجازات عظيمة، لكنّها في النّهاية انهارت واختفت.




