آخر خبرمقال اليوم

الجزائر وفرنسا بعد الخصام، اعتذارٌ ووئام

حيدر حيدورة-الجزائر

انتصرت لغة العقل والحوار والواقعية على لغة التهديد والقطيعة ونسيان الماضي الأليم في ملف ‏العلاقات الجزائرية الفرنسية وفي موقف آخر متطور وغير متوقع لأكثر المتفائلين أرسل الرئيس الفرنسي ماكرون الوزيرة المنتدبة بشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو والقريبة منه سياسيا إلى الجزائر بمهمة بالغة الحساسية عنوانها تطبيع العلاقات بين البلدين و سارت إلى جانب نظيرها الجزائري عبد المالك تشريف في مسيرة شارك فيها الآلاف في شوارع مدينة سطيف تخليدا لذكرى الشهداء الذين قتلتهم القوات المستعمرة الفرنسية يوم 8 مايو 1945 الذين خرجوا للمطالبة بالاستقلال بعد انتصار الحلفاء على ألمانيا النازية وسقط يومها 45,000 جزائري شهيد في كل من مدن سطيف وقالمة  وخراطة في الشرق الجزائري في واحدة من أكبر جرائم الاستعمار الفرنسي خلال احتلاله للجزائر..

 ‏مشاركة الوزيرة الفرنسية والتي تحمل بلا شك في طياتها موقفا سياسيا هاما اقرار ضمني مباشر بجرائم الاستعمار واعتذار غير مباشر عما ارتكبه جيش الاحتلال الفرنسي طوال 132 عاما من الاحتلال وأكدت الوزيرة الفرنسية أن يوم 8 مايو 1945 هو ذكرى صفحة مؤلمة جدا في تاريخنا مؤكدة أن الرئيس ماكرون ينظر إلى التاريخ المشترك بين الجزائر وفرنسا بوضوح وشجاعة وصدق بما في ذلك جوانبه المؤلمة مضيفة أن الرئيس تبون وبعد اللقاء المثمر معه أعطى موافقته على استئناف عمل اللجنة المشتركة التي شكلت لمناقشة ملف الذاكرة و أنها مكلفة من الرئيس ماكرون بإيجاد أفضل السبل والوسائل لإعادة بعث العلاقة بين البلدين مرتكزة على الاحترام المتبادل وبناء الثقة والهدف هو تحقيق نتائج سريعة من أجل جعل الأشهر القادمة مفيدة لمصالح البلدين في كافة المجالات الأمنية والطاقوية في ظل الأزمة التي يعرفها العالم في منطقة الخليج والشرق الأوسط.

 هذا و قد التقت  أيضا الوزيرة الفرنسية مع الوفد المرافق رئيس اركان الجيش الجزائري الجنرال سعيد شنقريحة الذي بحضور مجموعة من الجنرالات  دعا بعد اللقاء إلى العمل المشترك من أجل تجاوز مخلفات الاستعمار الأليم الماضي  مع الحفاظ على الذاكرة التاريخية وعدم نسيان الجرائم المرتكبة خلال فترة الاحتلال وتجاوز هذا الوضع التاريخي المؤلم مما يتطلب تعاونا بين البلدين قائم على الوعي بالتاريخ واحترام الذاكرة مشددا على أهمية التعامل مع هذا الملف بروح المسؤوليةوالوعي .

 وفي خطوة إضافية للتهدئة رافق الوزيرة الفرنسية السفير الفرنسي في الجزائر والذي تم استدعاؤه للتشاور من قبل وزارة الخارجية الفرنسية منذ حوالي السنة على خلفية الأزمة الدبلوماسية بين البلدين وردا على استدعاء الجزائر لسفيرها في باريس وافاد بيان للرئاسة الفرنسية أن عودة السفير تأتي تعبيرا عن رغبة الرئيس ماكرون في بناء حوار فعال بين البلدين والتعامل مع الملفات المشتركة بصراحة وبصيرة.

 ‏رغم زيارات الوزراء الفرنسيين المتتالية من وزير الداخلية إلى وزير الخارجية وأخيرا وزيرة  شؤون القوات المسلحة مرورا بمديرة معهد العالم العربي في باريس زيادة على عودة السفير الفرنسي لا تبدو الطريق نحو استعادة العلاقات بشكل طبيعي مفروشة بالورود فوراء المجاملات الدبلوماسية اللطيفة والمهذبة  من قبل الطرفين ربما يصطدم ذلك بجدار صلب أساسه اليمين الفرنسي المتطرف المعادي للجزائر والرافض لعلاقات طبيعية بين البلدين و تحركه جزء كبير من أجهزة الإعلام الفرنسية القوية القريبة من هذا الخط السياسي والتي في جزء منها لم تتقبل حتى الآن معاملة الجزائر كدولة مستقلة ذات سيادة طردت المستعمر الفرنسي بالحديد والنار ولها الحق في اختيار حلفائها وأصدقائها وسياستها بعيدا عن سياسة الهيمنة وفرض الشروط وأكبر دليل على ذلك تلك الحملة التي شنت  ضد الجزائر بعد اعتقال الكاتب الفرنسي ذو أصول جزائرية بوعلام صنصال الذي استفاد من عفو عام من الرئيس تبون تلبية لطلب الرئيس الألماني وأيضا الترويج للخطاب المتطرف المعادي للجزائر الذي كان يقوده وزير  الداخلية السابق روتاليو  والذي كان يصب الزيت على النار في كل الأمور الخلافية بين البلدين  والتي تمثلت في السنتين الأخيرتين بالأمور التالية :

‏أولا قضية الصحراء  والتي كانت فاتحة و بداية فترة التوتر بين البلدين بعد اعتراف الرئيس ماكرون إن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان  في إطار السيادة المغربية وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يعد الإطار الذي يجب من خلاله حل هذه القضية وهذا ما لاقى استنكارا و رفضا من القيادة الجزائرية وتوالت من بعد الخلافات بين البلدين وتم سحب السفراء وتراجع وتيرة العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات ولم تسمع أصوات بعض السياسيين الفرنسيين التي كانت تطالب التعقل و بالحوار الهادئ بين قيادتين في ظل حملة إعلامية يمينية متطرفة ضد الجزائر في جزء كبير منها  مرتبطة بالانتخابات الرئاسية الفرنسية المتوقعة العام القادم.

 الموقف الفرنسي الجديد بخصوص الصحراء  والذي رفضته الجزائر  يتماشى الآن مع الموقف الأمريكي والذي يتابع عن قرب هذا الملف عبر مستشار الرئيس الأمريكي اللبناني الاصل مسعد بولس والذي زار الجزائر عدة مرات في الأشهر الأخيرة لوضع خريطة حل لهذا الصراع وشارك في لقاءات شبه سرية وبعيدا عن الاعلام لوزراء خارجية الجزائر والمغرب إضافة إلى ممثلي جبهة البوليساريو سواء في مدريد و واشنطن زيادة على لقائه الأخير منذ أيام مع السفير الجزائري بواشنطن نصري بوقادوم كلها مؤشرات تؤكد أن الحل وضع على السكة عبر الموازنة الدقيقة بين الموقفين الجزائري والمغربي، بحيث  لا يكون بعيدا عن الموقف المغربي ويأخذ بعين الاعتبار الموقف الجزائري الداعم الدائم لاستقلال  الصحراء او إجراء استفتاء عام يحدد على أثره مستقبل المنطقة خاصة بعد التصريح مسعد بولس الأخير بعد لقاءه السفير الجزائري أن الولايات المتحدة تقدر الدور الحيوي المتواصل الذي تقوم به الجزائر والجهود الدبلوماسية من أجل تعزيز السلم والأمن في المنطقة مما في ذلك إنخراطها البناء نحو التوصل إلى حل متفق عليه بقضية الصحراء  كما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 2797 مضيفا انه حان الوقت للتوصل إلى قرار لحل هذا المشكل الذي بدأ منذ 50 سنة.

 ‏الملف الثاني للخلاف الفرنسي الجزائري هو ملف الترحيل و التأشيرات بين البلدين فرنسا تطالب بترحيل مئات الجزائريين سواء المقيمين بشكل شرعي أو غير شرعي ولديهم مشاكل مع العدالة الفرنسية وقد  لاقى هذا الطلب رفض من قبل خارج الجزائرية معتبرة أن الموضوع تجاوزا للقنوات الدبلوماسية التقليدية وحرم المعنيين بالترحيل من استكمال حقوقهم  القانونية بالاعتراض و  الاستئناف مؤكدة لرفضها للغة التهديد والإنذار التي كان يتبعها وزير الداخلية روتاليو السابق والذي كان يتهم الجزائر بمحاولة إذلال فرنسا وقرر وقف العمل بالتأشيرات الدبلوماسية و قد أيده في ذلك اليمين الفرنسي المتطرف والمعادي للجزائر ولكن تراجعت حدة الخطاب الفرنسي الرسمي  مع وصول وزير الداخلية الجديد لوران نونيز الذي اعتمد سياسة الحوار والتوافق بعيدا عن استفزاز ودعا إلى الحوار والنقاش الهادئ بين مسؤولي  البلدين لحل المشاكل الخلافية وقد أثمر ذلك الخطاب إلى بداية ترحيل عدد من الجزائريين المقيمين بشكل غير شرعي في فرنسا بعد التفاهم مع مصالح الأمن الجزائرية وأيضا عدد لقاءات التشاورية بين أجهزة المخابرات بين البلدين سواء في ما يخص الهجرة غير شرعية وأيضا ما يجري في منطقة الساحل الأفريقي خاصة في ظل التوترات والأحداث الأمنية المتسارعة والتي يمكن أن تؤثر على مصالح وامن البلدين.

 ‏ثالث الملفات العالقة بين البلدين هو ملف اعتقال الصحفي الرياضية كريستوف غيليز المتهم بالتمجيد  بالإرهاب والذي حكم علي بسبع سنوات سجن والتقت به مرتين داخل السجن المرشحة الرئاسية الفرنسية سيغولان رويال خلال زيارتها للجزائر وطالبت  مؤخرا الإعلام الفرنسي بعدم التدخل بهذه القضية وصب الزيت على النار وقد تدخلت من أجل إطلاق سراحه مع الرئيس عبد المجيد تبون عندما التقته ومن المحتمل أن يصدر الرئيس تبون عفوا رئاسيا في أقرب فرصة  خاصة بعد أن قرر الصحفي وبالتعاون مع محاميه أن يتراجع عن طلب الطعن  أمام المحكمة العليا على الحكم الصادر بحقه  مما قد يسهل عليه الاستفادة من قرار العفو الرئاسي المنتظر ربما عشية عيد أضحى المبارك قبل نهاية الشهر الحالي. في إشارة أخرى للتهدئة في هذا الملف زار القنصل الفرنسي في الجزائر للمرة الاولى الصحفي غلينز في القليعة غرب العاصمة الجزائرية للاطمئنان على صحته.

‏إضافة إلى هذه الملفات تبقى  قضية الموظف الدبلوماسي الجزائري المعتقل منذ أبريل/ نيسان العام الماضي للاشتباه بتورطه حسب مصالح الأمن الفرنسية في محاولة اختطاف المدون الجزائري أمير DZ

 والذي يصنفه القضاء الجزائري إرهابيا وتؤكد الخارجية الجزائرية إن الموظف يتمتع بحصانة قانونية والقرار الفرنسي يصعب تبريره أو قبوله قبوله وقد استنكرت قرار تجديد حبسه مؤخرا لمدة سنة إضافية وحذرت الخارجية الفرنسية من عواقب وخيمة لهذا القرار يمكن أن تؤثر على مسار العلاقات بين البلدين.

 ‏الاكيد أن الرئيس الفرنسي وقبل نهاية عهدته الثانية بحوالي العام أدرك أن مصلحة فرنسا هي في علاقات متساوية مع الجزائر المستقلة وانتقد ما وصفه بالمزيادات المرتبطة بالسياسة الداخلية الفرنسية خلال الأشهر الماضية معتبرا أنها تسببت في أضرار كبيرة للعلاقات بين البلدين وهو بالتأكيد يلمح إلى خطابات وزير الداخلية السابق روتاليوحول هذا الموضوع والتي لم يعترض عليها ماكرون  في وقتها رغم أن بعض هذه التصريحات كانت تلقى عند أبواب قصر الاليزيه وكانت في الغالب تتبع بتصريحات مماثلة للرئيس ماكرون نفسه أو المقربين منه والوزير روتاليو منذ تلك الفترة بدأ يفكر في الترشح الانتخابات الرئاسية منتظرا إن مثل هذه التصريحات تجلب له بعض الأصوات اليمين الفرنسي المتطرف.

 هذا الخطاب الجديد للرئيس ماكرون الذي لاقى هجوما و انتقادا من اليمين الفرنسي  يتطابق مع ما دعت إليه  المرشحة  الرئاسية السابقة سيغولان رويال و قادة اليسار الفرنسي للتعامل مع الجزائر كبلد ذات سيادة حر في اختيار سياساته وشركائه والذي استطاع أن يوسع علاقاته التجارية والاقتصادية مع العديد من الدول الأوروبية على حساب الشركات الفرنسية التي تقلص حجم أعمالها في السوق الجزائرية مما أثر سلبا عليها إضافة إلى تأثيرات الحرب الأوكرانية الروسية وأزمة مضيق هرمز والحرب في منطقة الخليج مما سمح للجزائر أن تؤكد حضورها على المستوى الأوروبي والعالمي كممول لا يمكن الاستغناء عنه للطاقة بعد تراجع كميات الإنتاج في منطقة الخليج نتيجة لهذه الحرب.

 الرئيس ماكرون يعرف جيدا الدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر في أوساط  الفرنسيين ذات الأصول الجزائرية خاصة مع قرب التحضير للانتخابات الرئاسية القادمة ودعمهم لصالح أحد المرشحين ضد الآخرين وهو لا يريد أن ينهي عهدته الرئاسية بخلاف مع الجزائر ورغم أنه لن يكون مرشحا بعد عهدتين رئاسيتين فإن الجزائر لا تخفي دعمها  لمرشح رئاسي فرنسي مثل  وزير الخارجية الفرنسي السابق دوفيلبان والذي يدعو دائما إلى علاقات فرنسية جزائرية طبيعية يحكمها الاحترام المتبادل وحماية المصالح المشتركة للبلدين .

على الصعيد الجزائري فإن سياسة الرئيس عبد المجيد تبون جاءت بثمارها عبر كيفية إدارة ملف العلاقات بين البلدين وأن سياسة الصبر والحكمة والهدوء التي تم إنتهاجها اجبرت الرئيس ماكرون على التراجع وأثبت أن سياسة الابتزاز الدبلوماسي لم تعد تجدي نفعا مع دولة استعادت مكانتها كقوة إقليمية سيدة لقرارها واستطاعت أن تعزز علاقاتها الاقتصادية مع شركائها الأوروبيين وخاصة إيطاليا وإسبانيا وألمانيا إضافة إلى تركيا والصين و روسيا مما مكنها من  تعويض الشركات الفرنسية التي كانت تستحوذ على حصة الأسد في السوق المحلي الجزائري وأيضا لابد من الإشارة إلى نتائج زيارة البابا التاريخية للجزائر والتي أظهرت انفتاحها على الثقافات و الديانات الأخرى وأيضا بالتأكيد على تاريخ الجزائر العريق منذ آلاف السنين ‏عكس ما حاول بعض أطراف اليمين الفرنسي المتشدد أن يروج له بالإشادة بالفترة الاستعمارية التي ساهمت في بناء الدولة الجزائرية.

 مع عودة السفير الفرنسي لعمله في  الجزائر تتحدث بعض المصادر عن قرب تعيين سفير جديد للجزائر  في العاصمة الفرنسية وربما يكون أحد المقربين من الرئيس تبون ويحظى بثقته  الكاملة لكي يستعيد البلدان علاقتهما بشكل طبيعي لما فيه مصلحة الشعبين في ظل وضع عالمي متأزم يطغى فيه حق القوة على قوة الحق واللجوء إلى الحرب بدل الدبلوماسية من أجل حل النزاعات والمشاكل بين الدول وما يجري في منطقة الشرق الأوسط والخليج أكبر دليل على ذلك، ربما يكون للسفير الجديد مهمة التحضير لزيارة رئيس تبون إلى العاصمة الفرنسية والتي أجلت لعدد مرات  أو زيارة الرئيس ماكرون إلى الجزائر قبل نهاية عهدته وغدا لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى