سامي كليب
بعيدًا عن التخوين المتبادل الذي يحصل ( للأسف) حيال كل ملف سياسي في لُبنان ويبعدنا عن رؤية جوهر الأشياء ، دعونا نتعمق بحقيقة ما حصل في واشنطن بين لبنان وإسرائيل وما المتوقع:
*تنياهو وترامب يريدان القضاء على سلاح حزب الله بالحرب أو التفاوض ويريدان نزع هذه الورقة من يد إيران عبر فصل المسارين. أما لبنان الرسمي فيريد وقف الحرب وصار عنده استعداد حقيقي لاتفاق سلام مع إسرائيل حتّى لو قال العكس. وحزب الله يعتبر التفاوض في الوقت الحالي وفي ظل استمرار الحرب الاسرائيلية خيانة ويريد ان يحقق بالنار عامل قوّة رغم الدمار الهائل والنزوح الكبير ، وإيران تسعى لمنع فصل المسارين لعدم خسارة ورقة تفاوضية مع واشنطن ولأن الحزب أثبت أنه سندٌ أساسي لها في هذه الحرب . والرئيس بري ليس ضد التفاوض ضمنًا لكن بشروط مختلفة وبغطاء عربي-دولي يضمن وقف الحرب أولا ثم الانسحاب لاحقًا، وهو يُمسك العصا من منتصفها.
* درجت إسرائيل على نسف أي مفاوضات وفضح أسرار التفاوض حين ترى أن ذلك لمصلحتها. وهي ستفعل عاجلاً أم آجلاً ( وقد تخترع لسفيرتنا في لُبنان ما لم تقله أو تفعله). ولن توقف الحرب ضد الحزب بل ستوسّعها متذرّعة بأنها حصلت على غطاء شرعي لُبناني لذلك الآن ، وهي تتقن لعبة الدعاية هذه حتى ولو كانت غير صحيحة. وهي لن تقدم أي هديّة مجّانية للُبنان بل ستستمر باتهام الدولة بالتقصير حيال الحزب لدفعها إلى مواجهته.
* حزب الله لن يوقف الحرب وسوف يوسع قاعدة التصعيد، آملاً في أن يكسر معنويات الاسرائيلي وحتّى تنجلي الصورة في المنطقة وتحديدا على المسار الايراني الأميركي ( ما يعني أن فك الارتباط سياسيا لا يعني بالنسبة له فك الارتباط العسكري بين الجبهتين). وهو سيرفع من مستوى الهجمة ضد السُلطة ممثلّة ليس فقط بحكومة نواف سلام بل أيضًا برئاسة الجمهوريّة، وهنا لعبة الشارع قد لا تتأخر.
* إيران ، وخلافًا للمتوقّع ( كالعادة) لن تفتح حربًا ضد إسرائيل لأجل الحزب وهي ستنتظر ثمار المساعي الجارية حاليًّا للعودة الى المفاوضات مع واشنطن على أمل أن يعود ترامب بشروط أفضل . ومن مصلحتها أن يُبقي الحزب صواريخه مُسلطة على إسرائيل. ( بمعنى آخر هو يساندها حين تحتاجه ولا تسانده حين يحتاجها الا بالموقف السياسي ).
* الرئيس برّي يُدرك أن الغطاء العربي ( وتحديدا من صاحبة مبادرة قمة بيروت العربية عام ٢٠٠٢ أي السعودية) ضروري في هذه المرحلة، ويُدرك أنَّ لا سبيل غير التفاهم مع أميركا حتى ولو كان ضمنيًّا يعرف أنها ستبقى حامية لاسرائيل مهما فعلت. وهذا الغطاء العربي الدولي هو ما تستند إليه الدولة اللُبنانية اعتقادًا منها بأنه قد يوقف الحرب حتّى ولو لم تنسحب إسرائيل قريبًا، كما أنه السبيل الوحيد للحصول على المال لإعادة الإعمار.
الذي حصل في واشنطن إذا هو الصورة وليس المضمون، فمن جهة مجرد جلوس سفيرة لُبنان مع السفير الاسرائيلي جنبا الى جنب، ليس أمرًا ثانويًّا بالنسبة لترامب ونتنياهو، كما أنّه كسر حاجزًا نفسيًّا بالنسبة للفريق اللُبناني الراغب بالتفاوض والذي يُحمّل الحزب مسؤولية جر لبنان الى الحرب. وسوف تستمر واشنطن بهذه الصورة للضغط على الحزب وإيران وللإيحاء بدعم خيارات الدولة اللُبنانية والقول إن الحزب هو وحده الخارج عن القانون وعن الوحدة اللُبنانيّة.
لكن هل سيؤدي ذلك الى نتيجة فعليّة على الأرض ؟ الأكيد لا في الوقت الراهن، لأن نتنياهو سيعتبر أي وقف لاطلاق النار أو اي خطوة للانسحاب من بلدة واحدة في الجنوب خسارة له… سيستمر في الجنوب تماما كما فعل في غزّة. ولن يتوان عن استهداف أي منطقة لُبنانية إذا احتاج ذلك.
وبالتالي شاء لُبنان أو أبى، سيبقى هذا الملف مرتبطًا بالمسار الايراني الأميركي، للاتجاه نحو تصعيد أكثر أو صفقة أكبر…. فإيران وحزب الله لن يقبلا أن يتم فك المسار اللبناني الايراني، بينما يبقى المسار الاميركي اللبناني في ذروة شد الحبال بين طهران وواشنطن… وربما نتنياهو ما زال يراهن على أن رفض الحزب لهذا التفاوض سيوسع قاعدة أعدائه داخل لُبنان ويورطه في مستنقع داخلي….
نحن بالمختصر أمام متغيرات كبرى على مستوى الاقليم، ولُبنان للأسف الشديد مُجرّد بيدق على رقعة شطرنج، ويتنافس الأميركي والإيراني والإسرائيل على كيفية استخدامه في المعركة الأكبر، وطالما أن الشرخ الداخلي كبير حيال المفاوضات أو استمرار الحرب، فلا شيء سيدفع نتنياهو لتقديم تنازلات…