سامي كليب
إذا كانت الحروب في العالم تنتهي عادة بالاتفاق على وقف إطلاق النار أو اتفاق سلام أو بالاستسلام بعد هزيمة أحد الطرفين، ففي في الشرق الأوسط، هي لا تنتهي بكل ذلك، بل قد تصبح أشرس بعد وقف إطلاق النار .
من غزة إلى جنوب لبنان، ومن دمشق إلى السويداء، تتصرف حكومة بنيامين نتنياهو وكأنها لا تؤمن إلا بمعادلة واحدة: الأمن يُفرض بالنار، والسياسة تُدار بالقوة، والتسويات لا قيمة لها إذا لم تُكرّس التفوق الإسرائيلي المطلق. ومن لا يفهم بالقوة يجب أن نضاعف القوة ضده. وهي تضرب بعرض الحائط كل الاتفاقات.
ففي خلال الساعات الأخيرة. وبينما أعلنت واشنطن أمس توصل لبنان وإسرائيل إلى تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً والانتقال لاحقًا الى مسار سياسي ، بعد مفاوضات مباشرة لبنانية إسرائيلية في واشنطن وبرعاية أميركية، كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف جنوب لبنان بعنف، وكانت ألسنة النار ترتفع فوق صور وصيدا والنبطية، في مشهد يكشف حجم التناقض بين لغة السياسة وواقع الميدان.
هذا المشهد يختصر جوهر سياسة حكومة بنيامين نتنياهو: تفاوض في العلن، وحرب مستمرة على الأرض تحت شعار “حرية العمل العسكري الكاملة”.
وكما في لبنان كذلك في غزة، كرر نتنياهو مراراً أن الحرب لن تنتهي قبل “القضاء الكامل على حماس”، وأن أي اتفاق لن يمنع إسرائيل من العودة إلى القتال. وبهذا المنطق أعلنت الحكومة الإسرائيلية أمس اغتيال القائد العسكري في حماس عزالدين الحداد…تماما كما كانت قد اغتالت قبله كل من تتهمهم بالتخطيط لطوفان الأقصى وتنفيذِه.
وعلى خطورة عدم التزام إسرائيل بأي وقف لاطلاق النار في غزة ولبنان وسوريا، فإن الأخطر أن الخطاب الإسرائيلي لم يعد يتحدث فقط عن الأمن، بل عن تغيير الجغرافيا نفسها. فقبل أيام، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش أن الحرب يجب أن تنتهي بـ«حدود جديدة لإسرائيل» في غزة ولبنان وسوريا، معتبراً أن حدود ما قبل 1967 “غير قابلة للدفاع”. وذهب أبعد من ذلك عندما دعا علناً إلى أن يصبح نهر الليطاني داخل الأراضي اللبنانية “الحدود الشمالية الجديدة لإسرائيل”، أي إقامة حزام أمني دائم بعمق يصل إلى ثلاثين كيلومتراً داخل لبنان دون ان يستبعد إقامة مستوطنات إسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
وفي سوريا، يتكرر الحديث الإسرائيلي عن “مناطق أمنية عازلة”، وتتكرر إشارات كثيرة حول الحذر من الريس أحمد الشرع رغم انه مد يده مرارًا للسلام، وذلك بالتزامن مع ظهور حركات استيطانية إسرائيلية تدعو علناً إلى إقامة مستوطنات في الجنوب السوري تحت عناوين مرتبطة بفكرة “إسرائيل الكبرى”. وبذريعة حماية بعض الأقليات.
كل ذلك يحدث بينما يتوسع الاستيطان بوتيرة غير مسبوقة في الضفة الغربية. فمنذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية من نحو 115ألف مستوطن عام 1993 إلى أكثر من 750 ألف مستوطن الان، أي أنه تضاعف أكثر من ٧ مرّات تقريبا، ناهيك عن اقتحامات المسجد الأقصى التي تتزايد بوتيرة خطيرة جدا والسعي للتهويد الكامل للقدس…
هذه السياسة الاحتلالية التوسعية الاستيطانية المتطرفة لحكومة نتنياهو وصحبها، بدأت تترك أثراً عكسياً حتى داخل الولايات المتحدة، الحليف الأهم لإسرائيل. فوفق أحدث استطلاع لمركزPew Research، ارتفعت النظرة السلبية تجاه إسرائيل إلى 60% بين الأميركيين، مقارنة بـ42% فقط قبل سنوات قليلة، فيما أظهر استطلاع Gallup تحولاً غير مسبوق في المزاج الأميركي، مع ارتفاع نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين إلى أعلى مستوى تاريخي، خصوصاً بين الشباب والديمقراطيين، وحتى داخل قطاعات من الجالية اليهودية الأميركية.
وفي واشنطن نفسها، تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تحاول الجمع بين أمرين متناقضين: دعم إسرائيل عسكرياً وسياسياً، ومنع المنطقة في الوقت نفسه من الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة.
ثلاثون عاماً من المفاوضات منذ أوسلو، وعشرات الحروب، وآلاف الغارات، ومئات آلاف الضحايا والنازحين، أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع استقراراً، وأن الاستيطان لا يصنع سلاماً، وأن الخرائط التي تُرسم بالنار تبقى دائماً قابلة للاشتعال من جديد.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي في الشرق الأوسط اليوم لم يعد فقط: هل ستصمد الهدنة في غزة أو لبنان؟ بل: هل ما زال هناك إيمان حقيقي بالسلام أصلاً؟ والسؤال الأخطر اليوم ليس فقط: ماذا تريد إسرائيل؟ بل: إلى أين تقود المنطقة؟ وهل يمكن لأي اتفاق سياسي مع لبنان، أو أي هدنة في غزة، أو أي تفاهم أمني مع سوريا، أن يصمد في ظل حكومة إسرائيلية يعتبر رئيسها أن “ما لا يتحقق بالتفاوض يتحقق بالقوة”؟ ثم ماذا عن الطرف المُقابل، هل نجح حتى الان في تعديل النظرة الإسرائيلية او الحد من التوسع والتدمير والاستيطان، أم على العكس تمامًا أن إسرائيل تستغل هذه الحركات العسكرية ضدها لتقضم مزيدأ من الأراضي وتبرر اللجوء ألى اقصى القوة والدمار والابادة….
د.ساره قوراري (كاتبة وباحثة في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية) في الوقت الذي يعيش لبنان واحدة…
سامي كليب هو الشرق إذا يعادُ رسمُه على شفير الحروب من جهة والتفاهمات والصفقات الكُبرى…
حيدر حيدورة-الجزائر انتصرت لغة العقل والحوار والواقعية على لغة التهديد والقطيعة ونسيان الماضي الأليم في…
سامي كليب عشية ذكرى يوم النكبة الفلسطينية التي هجّرت قسمًا كبيرا من الشعب الفلسطيني ودمّرت…
بينما كانت الولايات المتحدة تعيد نشر وسائلها العسكرية وذخائرها من منطقة المحيطين الهندي والهادئ نحو…
Les jours de la semaine : une histoire entre ciel, religion et modernité Nadine Sayegh-Paris…