بروفسور ماريز يونس– باحثة واستاذ بالعلوم الاجتماعية
تحمل مدينة صور فوق أرضها ما يقارب خمسة آلاف عام من الذاكرة الإنسانية المتراكمة. فهي واحدة من المدن التي ساهمت في صناعة التاريخ المتوسطي والعالمي، ومن المرافئ التي عبرت منها التجارة والمعرفة والرموز الثقافية بين القارات والشعوب. من هذه الأرض أبحرت السفن نحو قبرص واليونان وقرطاجة وسواحل أوروبا وشمال أفريقيا، ومنها خرجت أسماء استقرت في الذاكرة العالمية مثل قدموس المرتبط بانتقال الأبجدية، وأليسار مؤسسة قرطاجة، وحيرام الذي ارتبط اسمه بأحد أكثر عصور الشرق القديم ازدهاراً.
في مرافئ صور وآثارها وأحيائها تتجاور حضارات الفينيقيين والرومان والبيزنطيين والعرب والمماليك والعثمانيين، وتحمل حجارتها قصة الإنسان وهو يبني المدن والمرافئ والأسواق وشبكات التواصل والمعرفة، وتحمل شوارعها وأحياؤها طبقات متراكمة من الزمن الإنساني الذي استقر فيها جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت المدينة سجلاً حياً لمسار الإنسانية عبر آلاف السنين، وجزءاً من الذاكرة المشتركة للبشرية.
واليوم تدخل مدينة صور دائرة التدمير والاقتلاع والمحو أمام أنظار العالم. وداخل لغة التبرير الباردة مثل “التصعيد العسكري” و”تحسين شروط التفاوض” و”تبادل الرسائل” و”موازين القوى”، يختفي تاريخ كامل من التجربة الإنسانية، وتتحول مدينة ساهمت في تشكيل الحضارة المتوسطية إلى مادة خام في تحليلات جيوسياسية تدور حول النفوذ والردع والحسابات الاستراتيجية. فتتحول المرافئ التي حملت الأبجدية والتجارة والمعرفة إلى نقاط على خرائط العمليات العسكرية، وتصبح الشوارع التي راكمت قروناً من الحياة جزءاً من لغة تقنية تزن الأشياء بمعايير القوة والهيمنة وحدها. ويجد تاريخ يمتد خمسة آلاف عام نفسه محاصراً داخل مفردات زمن الإبادة المعاصرة، فيما تحمل المدينة في داخلها أرشيفاً كاملاً من الحضارات والتجارب الإنسانية التي ساهمت في تشكيل العالم الذي نعرفه اليوم.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى. فكل ذلك يحدث في عصر قدّم نفسه بوصفه عصر التقدم الإنساني الأكبر في التاريخ. عصر أنشأ الجامعات العملاقة لدراسة الحضارات القديمة، وأقام مراكز الأبحاث المتخصصة في التراث والذاكرة والتاريخ الثقافي، وأسس المنظمات الدولية المعنية بحماية الإرث الإنساني، وأنتج عشرات الاتفاقيات الخاصة بصون المواقع الأثرية وحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات. عصر راكم ملايين الوثائق والمخطوطات والخرائط والدراسات حول المدن التاريخية، وشيّد المتاحف الكبرى للاحتفاء بمنجزات الحضارات السابقة، وخصص ميزانيات ضخمة للترميم والحفظ والأرشفة والتوثيق، وملأ خطابه السياسي والثقافي بمفاهيم التراث العالمي والذاكرة المشتركة والتنوع الثقافي. وفي قلب هذا المشهد تقف مدينة مدرجة على لوائح التراث العالمي وتحمل فوق أرضها خمسة آلاف عام من التاريخ الإنساني، فيما تتحول قصتها إلى بند في المفاوضات السياسية والتصعيد الاستراتيجي.
ومن هنا تتجاوز القضية حدود الحرب ذاتها لتصبح سؤالاً عن معنى الحضارة المعاصرة؛ سؤالاً عن موقع الذاكرة، وقيمة التاريخ، وصورة الإنسان في عالم تحكمه القوة. فمدينة صور تكشف عن أزمة عميقة في هذه الحضارة التي تحتفي بالتراث الإنساني والخبرة التاريخية للبشرية، وتملأ خطابها بمفاهيم الذاكرة المشتركة والإرث العالمي، فيما تنخرط قوى التقدم والهيمنة نفسها في حروب متواصلة تطال الإنسان والمكان والزمن والتاريخ معاً، فتحول مدن حملت عبر آلاف السنين ذاكرة الشعوب وتجاربها وحضاراتها إلى ساحات مفتوحة للتدمير والمحو والاقتلاع .ولهذا فإن قضية صور تتجاوز حدود مدينة لبنانية تواجه الخطر. إنها قضية حضارة وذاكرة ومعنى. هي قضية مدينة ساهمت في كتابة جزء من تاريخ البشرية، وحملت عبر آلاف السنين خبرات الشعوب وأسفارها وأحلامها وتجاراتها ومعارفها وأساطيرها. ومن هنا فإن النداء من أجل مدينة صور يحمل معنى يتجاوز حماية الأبنية والشوارع والمواقع الأثرية. إنه نداء لحماية جزء من الذاكرة التي صنعت العالم الحديث، ومن التاريخ الذي تدرّسه الجامعات، ومن الحضارة التي تحتفي بها المتاحف والمؤسسات الثقافية الدولية. إنه نداء إلى الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الثقافية والمنظمات الدولية وكل من يتحدث باسم الحضارة والإنسان والتراث العالمي، لأن ما يجري في صور يمس الذاكرة التي يدّعون الدفاع عنها، ويمس القيم التي يعلنون تمثيلها، ويمس صورة الإنسان عن ذاته وعن تاريخه ومستقبله.
إن حماية صور تحمل معنى يتعلق بمستقبل البشرية نفسها. فكل مساحة تتسع للإفلات من المساءلة تتسع معها مساحة الخطر على الإنسان والتاريخ والحضارة. وكل اعتياد على مشاهد التدمير والمحو يفتح المجال أمام اعتياد أوسع على انهيار المعايير التي راكمتها الإنسانية عبر قرون طويلة. وكل صمت أمام اقتلاع مدينة تحمل هذا العمق الحضاري يمنح القوة سلطة أكبر على الذاكرة، ويمنح الهيمنة قدرة أكبر على إعادة تعريف معنى التاريخ والإنسان والحضارة. ولهذا فإن صور تقف اليوم على خط تماس بين الذاكرة والنسيان، وبين الحضارة والبربرية، وبين عالم يصون إرثه الإنساني وعالم يستهلكه تحت وطأة القوة. وما يُحسم في مصيرها يتجاوز حدود مدينة على شاطئ المتوسط ليصل إلى سؤال يواجه العالم كله: أي معنى يبقى للحضارة إذا فقدت القدرة على حماية المدن التي ساهمت في صنعها؟ وأي معنى يبقى للذاكرة الإنسانية إذا أصبحت حواضنها الكبرى عرضة للمحو؟ وأي مستقبل ينتظر البشرية إذا تحولت اللامساءلة إلى قاعدة، وتحولت المدن التاريخية إلى أهداف، وتحول التاريخ الإنساني نفسه إلى مادة قابلة للتدمير؟ إن إنقاذ صور اليوم هو دفاع عن جزء من ذاكرة العالم، وعن جزء من إنسانيته ومستقبله.
سامي كليب ارتفاع مستوى العدوان الاسرائيلي على #لبنان ، واعلان جيش الاحتلال السيطرة على…
روزيت الفار-عمّان "العالم بعد ترامب" عنوان لحوار ومقال مطوّل نشرته صحيفة الفورين بوليسي الأمريكيّة في…
La Louisiane française, l’empire perdu de Napoléon Nadine Sayegh – Paris Comment un immense territoire…
سامي كليب لا شك في أن العالم يعيش لحظاتٍ استثنائية قد تقلب وجه الشرق الأوسط…
Quand la bière était, juste, une affaire de femmes Nadine Sayegh - Paris On l’associe…
سامي كليب إذا كانت الحروب في العالم تنتهي عادة بالاتفاق على وقف إطلاق النار أو…