سامي كليب
يكفي في الواقع الاطلاع على تفاصيل جولته الجزائريّة، لنفهم لماذا رفع البابا شعار ” السلام عليكم” عنوانًا لهذه الجولة، حيث أنّه يُريدها استكمالاً لفكرته الداعية الى الحوار بين الأديان والتسامح كمدخلٍ حقيقيّ للسلم العادل اليوم المبني خصوصا على الحوار الحقيقي بين الأديان، وذلك فيما أحفاد الأديان يوسّعون بحارَ الدماء على مستوى العالم. فالزيارة تشمل تبدأ بالمسجد الكبير في العاصمة قبل الكنائس، وهذا ليس تفصيلاً، كما تُستهلّ بزيارة “مقام الشهيد” الذي يُخلّد ذكرى ومجد الثوّار في واحدة من أعظم حروب التحرير في عصرنا الحديث، وهذا أيضًا ليس تفصيلاً فيما يتعمّق الجدل بين وسائل الاعلام الجزائرية والفرنسية حول الزيارة وما سبقها، ويصل الى حد اتهام بعض الصحف الجزائرية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتعمّد زيارة الفاتيكان قبل مجيء البابا الى الجزائر بغية التأثير سلبًا عليها.
وإذا كانت العناوين الروحيّة والانسانيّة لهذه الزيارة تحتل صدارة المشهد خصوصًا أنها تأتي تخليدا لروح ذاك القدّيس العظيم أوغستين الذي عاش وعمل وتوفيّ في الجزائر، في وقت يحتاج العالم فعلاً إلى العودة لروح الأديان السماوية وينبذ من يُشوّه مقاصدَها العُليا والأعمق، فإنَّ رسائل السياسة ستكون حاضرة أيضًا، إن لم يكن على نحو مُباشر فمن خلال الرمزية الكبيرة لها، وهذه بعضها:
طبعًا البابا لا يأتي إلى الجزائر للحديث بالسياسة، لكن الروحانية والتسامح والحوار في هذه الأيام هي جوهر السياسة، وقد شرعت الجزائر في إجراء تعديلات لافتة في سياستها الخارجية، بحيث تنحو صوب الاعتدال والحوار بدلا من الشعارات والتشدّد، لا بل وتعتبر أنّه حين يصبح للفلسطينيين دولة فلن تكون هناك أيُّ مشكلة حتّى مع إسرائيل. وهذا يقطع مع تاريخ طويل من التشدّد الذي كاد يحصر الجزائر في مجالات ضيّقة ويدفع دولاً عديدة وبينها عربيّة لمحاولة تطويق أي مبادرة جزائرية خصوصًا بعد القمة العربيّة في الجزائر، ومحاولة الرئيس عبد المجيد تبّون نفسه دفع الفصائل الفلسطينية للمصالحة وتوحيد الكلمة.
يبقى أنَّ استعادة الأثر الهائل للقدّيس اوغستين اليوم في أثناء زيارة بابا الفاتيكان، له تأثيره ورمزيتُه البالغتان، فذاك القدّيس الورع، التقي، الإنساني، الروحاني، كان أيضًا صاحب فكر وفلسفة عميقَين، وهو القائل إنَّ الإيمان والعقل لا يتعارضان بل يتكاملان، ورفع عبارته الشهيرة ” آمن كي تفهم”، واعتبر أنَّ الانسان يملك إرادة حُرّة لكنه يحتاج توجيهًا إلهيًّا كي يختار الخير، وهو في طليعة من تحدث عن مفهوم الزمن ووعي الانسان بنفسه ومحيطه وزمنه. وهو بقي اسقف عنّابة من 396 إلى 430ميلاديّة.
لكل هذه الأسباب، وانطلاقًا من أهداف الزيارة، ومن الاستعدادات الكُبرى التي قامت بها الجزائر من إعادة تأهيل الأماكن الأثرية التي عاش وعمل فيها ولأجلها القدّيس أوغستين، وانطلاقًا من الترحيب الكبير الذي يلاقيه البابا بتوصيات خاصة واشراف دقيق من الرئيس تبّون نفسه ، و انطلاقًا من مشهد التسامح والسلام وحوار الأديان الذي تقدّمه الجزائر في هذا الاستقبال والذي يناقض تماما حرائق العالم اليوم، تصبح هذه الزيارة تاريخة ومفصليّة في أبعادها الجزائرية والافريقية لا بل والإنسانية على نحو أشمل.
L’espresso, un café court à histoire longue Nadine Sayegh-Paris Né à la fin du XIXe…
سامي كليب بعيدًا عن التخوين المتبادل الذي يحصل ( للأسف) حيال كل ملف سياسي في…
حيدر حيدرة-الجزائر في جو ربيعي بارد و ممطر و تحت سماء رمادية مليئة بالغيوم وفي…
Le libanais qui a sauvé la Suisse Nadine Sayegh-Paris Au cœur d’une crise industrielle sans…
أود باريتي دي لاغارد – مراسلة لوفيغارو في برلين لن يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي…
حيدر حيدورة-الجزائر تستعد الجزائر في الأيام القليلة القادمة لاستقبال البابا ليو الرابع عشر في زيارة…