آخر خبرثقافة ومنوعات

مسلسل “منوّرة بأهلها” يذيب الاقنعة الحديدة للفاسدين

قدرة عجيبة على ربط الأمور أثمرت إبداعا

 ياسمين نبيل حناوي

تماماً كما يحصل في حالة تناول الطعام – الذي يكون مرّات خفيفاً سريعاً وسهل الهضم ومرات أخرى دسماً ومشبعاً بالعناصر الغذائية الكاملة – نلاحظ خلال مشاهدة الأعمال الفنية بأنّ بعضها يمرّ بسلاسة وبساطة وقد يُنسى بعد زمنٍ يسير؛ فيما يحتاج بعضها الآخر إلى مستويات عالية من التركيز والانفتاح الذهني لتقبل الوجبة الدرامية المعدّة بعناية المبدعين، وأقول هنا (مبدعين) في إشارة إلى كلّ من الكاتب محمد أمين راضي، والمخرج يسري نصر الله اللذين قدّما لنا 10 حلقات شهية في مسلسل (منوّرة بأهلها.. قصاقيص صور)، وهو من أعمال شاهد الأصلية التي انتهى عرضها منذ بضعة أيام، ليكون من الفئة الجريئة بشكلها ومضمونها، والغامضة المثيرة في حبكتها وتفاصيلها، فلقد امتاز – كما أعمال راضي السابقة – بتصدير حالة مكتنفة بالألغاز المتكاثرة بالانشطار، ففي كل مرّة يحلّ بها المشاهد الحذق لغزاً مُعيّناً تتوالد ألغازاً جديداً ليتأسس جو من التحدّي الممتع بالنسبة لشرائح مجتمعية عديدة، والأهم بأنّ التنبيه الوارد قبل تتر المسلسل يفترض عدم مشاهدته إلّا لمن تجاوزوا الثامنة عشر في تمايز واضح بين أعمال المنصّات المدفوعة أو التلفزيونية المجانية.

وإذا أردنا أن نُحلّل المسلسل بشيء من التفصيل نرى بأن ثيمته الرئيسية المتمثلة ب: (مّن القاتل؟) لا تتجاوز كونها الطبقة السطحية من القصة المبتدئة بحدثٍ صيّاد أسر أعين المشاهدين وأرواحهم من الحلقة الأولى؛ وهو (مقتل المصور الفوتوغرافي مهاب مرتين، وبدء عملية البحث عن المسؤول عن ذلك)، وتُفتتح بعد ذلك رحلة التمارين الذهنية مع قصص الشخصيات الذي تستحق كلّ واحدة منها مسلسلاً مستقلاً لشدّة غناها وتنوعها وامتلائها، ولقد تمت رواية هذه القصص وفق تقنية القصاصات الزمنية عودة ومجيئاً عدة مرات بين منتصف التسعينات، وال 2010 بطريقة قد يضيع بها المشاهد العادي ويغرق للعمق الذي يتوقف به عن المتابعة؛ إلّا أن الجمهور المستهدف من هكذا أنواع فنية هو من النوع الذي يتخذ قراراً  بالمشاركة في الحل ولا يتراجع عنه أبداً.

تعرّفنا على مثلث الشر (سلوى شاهين) التي مثّلت دورها القديرة ليلى علوي، و(عادل الشهاوي) وقام بدوره المتميز باسم سمرة، و(عاصم) الذي مثّله مجازاً عبّاس أبو الحسن، ووجدنا بأنّ هؤلاء هم من أفسد طبقات المجتمع وأكثرها اتساخاً للدرجة التي لا يمكن لعقلٍ بشري بسيط أن يتصورها؛ فامتدّ شرّهم ليشمل مستويات غير مسبوقة من الدموية، ناهيك عن الترويج للبغاء، وإخفاء الأطفال المواليد لأسباب مجهولة لن يتم اكتشافها حتى نهاية المسلسل، وكانت العلاقات بين الثلاثة الأساسين وبعضهم من جانب، وعلاقتهم مع بقية الأبطال من جانبٍ آخر في غاية التعقيد، للدرجة غير المألوفة في درامانا العربية، بالاضافة طبعا الى تقديم العمل الضحايا الثلاثة الأساسيين وهم على التوالي: (عليا فوزي) ابنة بورسعيد ولقد تقمّصت شخصيتها ببراعة النجمة غادة عادل، و (مهاب منير) ابن السويس وأدّى حياته النجم الصاعد (محمد حاتم)، و(ماري) ابنة مرسى مطروح وقامت عليها المتميزة في معظم أدوارها (ناهد السباعي)، وكذلك الحال بالنسبة للمصارع وأخيه أبنيّ الريف ، وشاءت الظروف جنباً إلى جنب مع المخططات الشيطانية في توريطهم ضمن ألعاب وسخة لم يتمكن أياً منهم من الخروج منها دون خسائر فادحة طالت الحياة والأمان والسمعة، وتقلّد مهمة التحقيق في ملابسات الجريمة وكيل النيابة (آدم) الضابط مفعم الذكاء ابن الاسكندرية (النجم أحمد صلاح السعدني).

 ينقلنا كل هذا إلى الثيمة الضمنية المتمثلة بوحشية بعض طبقات العاصمة القاهرة تجاه أهالي المدن والقرى الصغيرة واستدراجهم نحو أعمالٍ إجرامية مؤذية، في استذكار لما شهدناه في بعض الأفلام السينمائية المصرية مثل: (هيّ فوضى)، و(حين ميسرة) وغيرهما؛ أي حينما يتحول البسيط والطيب إلى مستشرس لا يتوانى عن الانغماس في الضلالة والثأر، وعندما يفكر بالعودة عن تلك الشرور والشهوات لا يتاح له الأمر، لنفهم على لسان (الزرقاء) التي قامت بدورها (سلوى خطاب) بأن القاهرة في هذه الحبكة الدرامية مدينة ملعونة، ومن المثير للانتباه أن الزمن الحاضر في المسلسل كان في عام 2010 أي ما قبل ثورة يناير 2011 في دلالة على فساد نظام حسني مبارك وأولاده، وتورط العديد من مفاصل الدولة في كوارث مجتمعية؛ ناهيك عن العديد من النقاط الرمزية الأخرى، وأبرزها وأكثرها تكراراُ كان مشروب (السكومونّوس)، والذي قيل في الأساطير بأنّه عرق الشيطان، والمواهب الخارقة التي تمتع بها كلّ من مهاب الذي يرى مصائر الأشخاص عبر صورهم، وعلياء التي تسمع ما سيقال ممن حولها قبل أن ينطقوا به؛ في دلالة على أنّ رؤية وسماع ما ليس من اختصاصنا قد لن يؤدي بنا إلا نحو المزيد من المهالك، والعقد الذي يشير إلى رقم 11 في صدر سلوى الرامز إلى أبنائها الأحد عشر اللذين أخذهم زوجها وباعهم بعد أن ادعى وفاتهم، بالإضافة إلى السريالية التي أعادتنا وراءاً نحو يوسف شاهين في (حدوتة مصرية)، و(اسكندرية كمان وكمان)، وكان أمتع مشاهدها حينما أبت جثة المصارع أن تغرق في النيل كما حصل مع بقية الجثث بل طفت على السطح وغنّت لها السماء، وتسببت بتوبة مهاب.

وبالرغم من تعرض لوحة البازل الفنية هذه إلى العديد من الانتقادات التي طالت الغموض واللامنطقية والانغماس في التعقيدات دون مبررات مقنعة، إلّا أن (لملمة) الحلقة العاشرة والأخيرة لكافة جوانب القصة، والإجابة على كافة التساؤلات العالقة كان مثال إعجاب وتقدير؛ فمن قتل مهاب؟ قتله كل من أخو المصارع بالافتراس وعاصم بالتسميم. من هو عاصم؟ هو ليس الشخصية المتخيلة المرسومة في ذهن المحقق آدم، وليس أشرف كما حاولت أن تضلل به العصابة، بل هو الضابط رأفت رئيسه في العمل؛ نظراً لأنه الوحيد المتبقي في الصورة الرباعية التي التقطها مهاب في قسم النيابة، بالإضافة إلى أنه كان متواجداً عندما خافت زينب أن تتعرف على جثة ابنها. ماذا يُفعل بالأطفال المخبئين؟ يتم استئصال هرمونات النمو الموجودة بهم بهدف عمل تجارب للخلود وتطويل العمر، وهي فكرة غاية في الكفر والرعب والجنون؛ كما أنها تذكرنا بالقصص الفرعونية التي تحدثت عن سعي الفراعنة نحو الخلود، كما رُسّخ لذلك عبر شخصية عادل الذي يلهث وراء العناية بجماله. ومن قتل عادل بالنهاية؟ قتل عاصم قبل أن يبادره الآخر بذلك فالجثة المرمية بالنيل لم تتضمن صورة كما البقية لأنّ عاصم لا يتصور.

بالمحصلة كان واضحاً بالنسبة إلينا الأبعاد العميقة التي رمى إليها صنّاع المسلسل. نصر الله بعدسته السينمائية، وراضي بفلسفته، ولكن لا يمكن لنا أن نتجاهل الأداء الضعيف لكريمة منصور في شخصية (باكينام زوجة آدم)، ولا أن ننسى مجموعة من المشاهد المغرقة في قسوتها، كنهش النمر للمصارع واستمتاع الجمهور الوحشي بذلك، واغتصاب الثري لعلياء وهي في الغيبوبة، وإجبار سلوى لابنها أيمن (الذي قدّم شخصيته الشاب الموهوب عمر رزيق) كي يقتل أبيه بالسم وتشفيها به، وخلع أخو المصارع لجميع أسنانه وتركيبه لأنياب عوضاً عنهم كي يحول نفسه لوحش ينهش مهاب بنفس الطريقة التي قتل بها أخيه، وكلّ تلك الأمور قد لا تكون مقبولة أو محبّذة لعشرات الكتّاب والمشاهدين ولكنّ لا تنقص من احتراف صاحبها وطريقته السردية المبتكرة التي تنطبق عليها مقولة جورج سيدل: “القدرة على ربط الأمور بطريقة غريبة هي محور الإبداع الذهني بغض النظر عن المجال”، فشكراً لوجبة (منورة بأهلها) الدسمة التي لم يتردد نصّها عن إذابة أقنعة وحوش المجتمع الحديدية في بوتقة من (دراما).

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button