آخر خبرثقافة ومنوعات

!!حين تكون المعرفة عدوة الإنسان

روزيت الفار-عمّان

“أعظم عدوٍّ للمعرفة؛ ليس الجهل، بل وهم المعرفة” ستيفن هوكينغ.

“الأحمق واثق أكثر ممّا ينبغي، والعاقل يكتنفه الشّك” بيرتراند راسل.

“يولّد الجهل بكثير من الأحيان الثّقة، أكثر ممّا تولّده المعرفة” تشارلز داروين.

جميعها أقوال لمشاهير ساهمت في توضيح مفهوم هذه الظّاهرة الّتي أعتُبرت أحد أخطر أسباب اضطّراب العالم اليوم. فكيف فسّر العلم “وهم المعرفة” وشرح أسبابه؟ وما الأساليب الّتي وضعها لمعالجته؟

قام عالما النّفس الاجتماعي الأمريكيان David Dunning, Justin Kruger بصياغة مصطلح خاص بهذه الحالة منحاه اسميهما؛ هو “تأثير دانينغ وكروغر “Dunning-Kruger Effect” الّذي يصف حالة سيكولوجيّة اجتماعيّة لأشخاص يرون أنفسهم أصحاب معرفة وكفاءة شبه تامّة بواحد أو بعدد من المجالات؛ هم بالواقع لا يملكون منها إلاّ القليل أو ليس لديهم فيها أيّة دراية على الإطلاق. وغالباً ما يكونوا غير قادرين على الرّجوع خطوة واحدة للوراء لرؤية وتقييم وضاعة إمكاناتهم ومقدراتهم وحتّى على الوعي بها وإدراكها. ويعود ذلك لعدم أو ضعف امتلاكهم للمقاييس الّلازمة لتقييم الذّات.

وبالإضافة للمبالغة في تقييمهم لقدراتهم وعدم رؤية أخطائهم، فإنّهم يفشلون أيضاً في ملاحظة وتقييم المهارات الفعليّة لدى الآخرين. فهم غالباً ما يميلون لرؤية الأمور من منظورهم الضّيّق فقط؛ ولديهم القناعة بأنّهم وحدهم على صواب إذ يصعب عليهم رؤية وجهات نظر الآخرين ويقلّلون من أهميّتها ويعتبرونها دوماً خاطئة لكونهم مشبعين بالشّعور بأنّهم أعلم بما يثير اهتمام النّاس؛ وبأنّ قدراتهم الخارقة تمكّنهم من أن يكونوا أفضل مَن يحكم على كافّة المواضيع.

بالمقابل هناك الفئة الّتي لديها المعرفة والكفاءة؛ لكنّ الأشخاص فيها يشكّكون في إمكاناتهم ومقدراتهم ويقلّلون من شأنها وينظرون على أنّهم غير أهل للنّجاح الّذي حقّقوه، وتسمّى بمتلازمة الخدّاع Imposter Syndrome وهي ظاهرة أيضاً خطيرة إذ ما تمادى أصحابها في نظرتهم الدّونيّة لإنجازاتهم وكفاءتهم لدرجة توصلهم للعزلة والاكتئاب.

فالمعضلة عند مَن يبالغون في معرفتهم مضاعفة: الأولى هي عدم المعرفة؛ والثّانية عدم الوعي الذّاتي بوجودها أو القدرة على تقييمها الحقيقي، ممّا يتسبّب لهم ولغيرهم بالكثير من المشاكل؛ أهمّها الاستمرار في الجهل وعدم التّطوّر؛ ما يؤثّر بشكل كبير على كيفيّة تفكيرهم وعلى القرارات الّتي يتّخذونها وعلى سلوكهم وردود أفعالهم تجاه الأحداث وتعاملهم مع الآخرين.

طوّر دانينغ وكروجر بحثاً مشتركاً في الأدب النّفسي حول الإدراك الذّاتي؛ نشراه عام 1999، تضمّن أربعة دراسات لتقييم القدرات الفعليّة والمُتصوّرة لدى عدد كبير من المشاركين من كلا الجنسين. أشار إلى أنّ الأشخاص الأقل كفاءة في مجال معيّن؛ هم الأكثر عرضة للمبالغة في تقدير كفاءتهم عن غير قصد.

وأفاد تقرير نشرته جامعة ماغّيل الكنديّة بتاريخ 17/12/2020 بأنّ أسباب هذه الحالة لا علاقة لها بكيمياء الدّماغ، فهي مجرّد سراب أو انحياز إدراكي في تفكيرنا حول ما يدور حولنا من أمور -بسيطة أو معقّدة- وترتبط أصلاً:

  1. بأخذ المعلومة الخاطئة وليس بعدم المعرفة. Misinformed rather than uninformed
  2. بالخلط أو الاشتباه ما بين المعرفة الحقيقيّة وما هو مألوف Knowledge and Familiarity 
  3. بالميل لاستخدام أساليب ذهنيّة قصيرة Heuristics تسمح للشّخص باتّخاذ قرارات سريعة، اعتقاداً منه بأنّ السّرعة دليل ذكاء.

وجميعها أسباب مرنة تجعل الحالة قابلة للإصلاح وإعادة التّفكير فيها.

وأوضح تقرير آخر على موقع “Very well mind” بأنّها حالة ليست رديفة لمعدّل الذّكاء المنخفض (Low IQ) غير أنّها كثيراً ما تستخدم بشكل خاطئ كرديف للغباء، وأضاف بأنّنا جميعاً مرشّحون للتّعرّض لتلك الحالة بوقت أو بموقف ما؛ حيث أنّ “وهم المعرفة” حالة عامّة سهلة الانتشار، وأنّ السّلوك الخاطئ حسب رأي العلم، أسهل وأسرع من السّلوك الصّحيح.

بالتّوازي مع وجود الحالة، لا بدَّ من معرفة أسلوب التّعامل معها ومعالجتها بغية الخروج منها أو تجنّب الوقوع فيها وذلك من خلال:

  1. استمرار التّعلّم الصّحيح والبحت المتعمّق بالمعرفة. فزيادة العلم تساهم بزيادة القدرة على التّقييم الدّقيق والحقيقي. أمّا اذا كان التّعلّم غبيّاً فذلك يجعل الجاهل واثقاً من غبائه بدرجة أكبر.
  2. الاستفسارعن مستوى إنجازاتك. فإذا كنت تخشى السؤال وترى فيه تواضعاً للأنا؛ فاعلم بانَّ لا أحد يملك كامل المعرفة.
  3. الاستجواب والمراجعة الأمينة حول ما تملكه من المعرفة بهدف التّأكّد من حقيقتها. فغالباً ما يسعى المرء لجلب المعلومة الّتي تؤكّد وتدعم المعلومة الّتي يملكها Conformation Bias””.
  4. تعلّم من ردود فعل الآخرين وتعليقاتهم تجاه ما تقوله أو تفعله؛ فبعض تلك التّعليقات أو الانتقادات يحمل بطيّاته إرشادات تساعدك على التّصحيح ودقّة التّقييم.
  5. تحدّي المعتقدات وإعادة النّظر فيها والبحث الدّائم عمّا يخالفها من معتقدات كي تواكب كل المتغيّرات من حولك.
  6. غيّر طرق تفكيرك، فقد تساعدك أساليب التّفكير الحديثة في التّخلّص من الأنماط القديمة غير المفيدة.

وأخيراً إنّ الانفتاح وقبول حقيقة أنّه لا يمكننا أن نكون دائماً على صواب بشأن أفكارنا ومواقفنا؛ ومقاومة مشاعر الرّفض المصاحبة لحالة الوهم الّتي نعيشها، يخلق لدينا نوعاً من التّواضع الفكري الّذي يجعلنا مقبولين ومرغوبين بمحيطنا وبيئتنا الاجتماعيّة وينمّي لدينا الإحساس بأهميّة تجاوز الحالة في عمليّة التّقدّم والبناء السّليم للذّات.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button