آخر خبرثقافة ومنوعات

الإدمان الرقمي، هل صرنا عبيدا للشاشات؟

 روزيت الفار 

قلّما نجد في عالمنا الرّقميّ، المُستعمِرِ الجديد الّذي أصبح يتحكّم بمشاعرنا وسلوكنا وقراراتنا ويفرض علينا قوانيناً وأعرافاً نمتثل لها طوعاً أم كرهاً، شخصاً لا يحمل هاتفه النّقال ويقوم بعمل إعجاب على منشورات الفيسبوك أو صور الإنستغرام أو يشاهد  فيديوهات على اليوتيوب أو يكتب تغريدة على تويتر أو غير ذلك. حيث أتاحت تكنولوجيا هذا العصر إمكانيّة التّواصل مع مَن نشاء وقت وكيف ما نشاء؛ بغض النّظر عن أماكن تواجد مَن نتواصل معهم أو العلاقة الّتي تربطنا بهم -والّتي تكون بمعظمها عشوائيّة- دون إدراك من جانبنا للمخاطر المستقبليّة النّاتجة عن الاستخدام المفرط لتلك المواقع. فشعور السّعادة الّذي يوفّره لنا هرمون الدّوبامين أثناء التّفاعل والتّواجد خلف الشّاشات يمنعنا من التّفكير بتلك المخاطر. يُتعمّد التّحديث المستمر لتلك المواقع بغية جذب المستخدم وإغرائه للتّمسّك بها وخلق الإدمان لديه دون التفات للفوائد المقدّمة من هذه التّكنولوجيا وما إذا كانت أصلاً تساوي الثّمن الّذي يدفعه المُستخدم من أجلها. ما أدّى بالنّهاية لانتشار ما يُسمّى بالإدمان الرّقميّ والّذي اصطفّت خلفه سلسلة من حالات الاضطراب النّفسيّ اقترنت به وأصبحت تشكّل محطّات انطلاق لدراسات وأبحاث المهتمّين من أساتذة وعلماء النّفس. من بينها ما يُدعى “بالقلق الرّقمي Digital Anxiety.” وهو اضطراب يسبّب التّوتر والارتباك والخوف؛ نتيجة لتعّرض الأشخاص الطّويل لتلك المواقع وخصوصاً القاصرين فقد يتعرّضون لمحتوى وأشخاص سيّئين. بالرّغم من زعم البعض بأنّ اللّجوء لتلك المواقع جاء لتخفيف القلق الّذي تسبّبه ضغوط الحياة وواقعنا الصّعب وليس العكس. إنّ “القلق الرّقمي” يبقى حقيقة فعليّة تحتاج إلى معالجة واهتمام.

من مظاهره: النّوموفوبيا Nomophobia “رهاب فقدان الهاتف” No Mobile Phobia والفومو FOMO “الخوف من تفويت الأحداث” Fear Of Missing Out. وتعبّر كلتا الحالتين عن هوس الارتباط والتّعلّق الشّديدين بالهواتف النقّالة خشية الانقطاع عن العالم الخارجي.

كشف مقال نشرته Wall Street Journal   عن ارتفاع مستويات حالات القلق والاكتئاب بالدّول الغنيّة كأمريكا؛ نتيجة تعلّق أدمغتنا بالنّاقلات العصبيّة المرتبطة بالسّعادة الّتي يوفّرها التّفاعل الاجتماعي الرّقمي، وغالباً ما تنتهي بأصحابها لحالات أكثر خطورة وجدّيّة كالشّعور بالوحدة والانعزال وحالات الحزن والغضب غير المبرّر؛ وأفاد بأنّ هذه الحالات كانت تعالج سابقاً بالأدوية المضادّة للاكتئاب، أمّا علاجها اليوم فأصبح الابتعاد عن مواقع التّواصل تلك.

في كتابها “The Joy of Missing Out” – JOMO “فرح تفويت الأحداث” تعرض الكاتبة كريستينا كروك رؤىً وحلولاً مفيدة للتّخلّص من هذه الظّاهرة والشّعور بالرّاحة؛ من خلال إيجاد التّوازن بين الوقت الممنوح للعالم الرّقميّ الّذي يعجُّ بالفوضى، وبين الواجبات والالتزامات والأمور الشّخصيّة، وتقول بأنّ الأمر لا يتعلّق بتفويت الأحداث أو التّخلّي عن التّفاعل معها كليّاً؛ بل “بمعرفة متى تقول نعم ومتى تقول لا”. وأكّدت بأنّ التّعلّم من تجاربنا السّابقة وإعادة التّفكير بعلاقتنا مع العالم الرّقمي يمكّننا من تحديد ما هو حقّاً مهمّ وترك غير المهم.

للكاتب كالفين نيوبورت نفس التّوجّه حيث قدّم بكتابه Digital Minimalism “ألحدّ الأدنى للاستخدام الرّقمي” مفهوماً فلسفيّاً لكيفيّة استخدام التّكنولوجيا الحديثة، ويُعتبر كتابه ناقوساً ينذر بمخاطر وتداعيات الإدمان عليها. يتلخّص باختيار الأنشطة الأكثر أهميّةً وضرورة ً والّتي يتطلّب تنفيذها التّواجد أمام الشّاشات، وحصرها بأقل عدد ممكن. هو يدعو لأن تكون هذه التّكنولوجيا أداة لتخدم أهدافنا وتدعمها؛ لا لأن نكون لها أهدافاً تستخدمنا وتستنفذ طاقاتنا. لا يرفض الكاتب الاختراعات الحديثة؛ بل الأساليب المغلوطة المُتّبعة في التّعامل معها.

يقال بأنّ مؤسّسي هذه المواقع يمنعون أبناءَهم من استخدامها وينصحونهم بقراءة مثل هذه الكتب كبديل عنها.

بالرّغم من الإيجابيّات الجمّة التي أتت بها التّكنولوجيا الحديثة ومساهمتها في تحسين نوعيّة العيش؛ لكنّ المبالغة في اللّجوء إليها يقلب ال “مع” إلى “ضد”. فلا بدّ من التّوقّف والتّقييم الجاد للعلاقة الّتي تحكم حاجاتنا إليها وإعادة بناء هذه العلاقة بما يتناسب مع تلك الحاجات.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button