ثقافة ومنوعات

“منطقةُ الراحة” تفصلُ بين القانعين والحالمين، فما هي؟

روزيت الفار-الأردن

ما هي”منطقة الرّاحة”؟ ولماذا يعتبرها علم النفس فخٌّاً يجب الخروج منه وصولاً لمنطقة النّمو وكيف يتمُّ ذلك؟

هناك تسميات وعناوين جديدة تشملها قائمة السّلوك البشري؛ أصبحت منذ تسعينات القرن الماضي محلَّ بحث علماء النّفس واهتمامهم لما لها من أهميّة وتأثير على مسيرتنا الحياتيّة اليوميّة -العمليّة منها بشكل خاص- وعلى نضوجنا الفكريّ واسلوب تطوّرنا وتقدّمنا. من بينها ما يُدعى “بمنطقة الرّاحة أو Comfort Zone” وما يتبعها من “مناطق” أو مراحل نعيشها دون إدراك للمعنى أو للاستخدام العلمي لتلك التّعابير. تُعرّف هذه المنطقة بأنّها “حالة سيكولوجيّة سلوكيّة أو مكان وهميّ يشعر فيه المرء بالارتياح والأمان دون خوف أو قلق؛ متّبعاً في حياته نماذجَ نمطيّة روتينيّة محدّدة لا تحتاج لمجهود ذهنيّ أو فكريّ خارق في تنفيذها، ممّا يجعله متمسِّكاً بوضعه الّذي هو عليه، رافضاً لأيِّ تغيير”. 

لكنّ النّمو -كما جاء بعلم النّفس- والرّغبة بالتّقدّم من سمات البشر وأهمَّ أسباب بقائهم، فقد صُمّم جهازُنا العصبيّ ليخدم تلك الغاية ويبعدنا عن ملل ورتابة العيش داخل “منطقة الرّاحة” تلك -بالرّغم مما تمنحه لنا في شكلها الخارجي من مشاعر الطّمأنينة والرّضى- فلقد هيّأت لنا تركيبة الدّماغ المعقّدة منهجيّةً تعمل على تحفيز وإثارة سلوكنا الحياديّ تجاه الأمور Goldilocks Zone Arousal وشحنِهِ بطاقةٍ للتّغيير؛ تعمل القليل من هذه الطّاقة على البقاء داخل تلك المنطقة (منطقة الرّاحة)؛ والكثير منها يُشعل حماسك للنّهوض والاندفاع نحو التّقدّم.

في هذا المجال؛ يتم تصنيف الأفراد لفئتين: واقعيّون-قانعون  و حالمون. يتميّز أشخاص الفئة الأولى بالقناعة والرّضى بما هم عليه وتخيفهم فكرة التّغيير؛ ويكون مستوى طاقة التّحفيز لديهم منخفضاً. أمّا الحالمون فيوصفون بالطّموح ولديهم رغبة شديدة بالنّمو والسّير نحو النّجاح ونرى مستوى الطّاقة لديهم مرتفعاً ويخرجون للمنطقة الّثانيةمنطقة الخوف أو الذّعر” “Panic or Fear Zone تتأثّر هنا الثّقة بالنّفس وتبدأ مخاوف الفشل بالظّهور؛ خصوصاً في غياب خارطة طريق يتبعونها، لذلك يُنصح بالخروج المتدرّج والعبور بخطوات صغيرة يسمّيها علم النّفس “خطوات الأطفال” كي تتأّكّد من سلامة الإجراء ونجاحه لدخول المنطقة الثّالثة “منطقة التّعلّم” “Learning Zone. هنا عليك أن تظهر شجاعتك وقدرتك على الصّمود أمام العوائق والتّحدّيات الذّاتيّة الدّاخليّة أو الخارجيّة؛ وأخذها كدروسٍ واعتبارها مفتاحاً لتقدّمك ونجاحك وكسب الجديد من المعرفة والمهارات وتوسيع محيط تفكيرك وجعله ليِّناً ومرناً لتكوّن نظام دفاع داخليّ يحميك من مشاعر القنوط والإحباط في حال التّعثّر والسّقوط، بإمكانك التّحكّم به من خلال فهمك لآليّة عمله وذلك:

  • بتغيير طريقة تفكيركوعاداتك السّلبيّة واستبدالها بأخرى إيجابيّة ومواجهة خوفك.
  • الاعتياد على شعور عدم الارتياح والإيمان بأن مكان طموحاتك ورغباتك يقع خارج حدود “منطقة ارتياحك”.

وأخيراً،المنطقة الرّابعة “منطقة النّمو أو التّقدّم” “Growth Zone وهي المكان الّذي تحتفل فيه بنجاحك في تحقيق رغباتك. لتبدأ بعدها بإعادة هذه الرّحلة والبحث عن أهداف جديدة أخرى وهكذا… بهدف إدامة عمليّة تقدّمك ونجاحك.

في كتابه “علم مغادرة منطقة ارتياحك” “The Science of Breaking Out of Your Comfort Zoneالّذي نُشر بديسمبر 2017، أشار الباحث وعالم النّفس البشري الأمريكيّ  Peter Hollins –والّذي يعمل بمجال تدريب الأفراد وتحليل مقدراتهم وتوجيههم- إلى ضرورة الخروج من منطقة الأمان شارحاً أسباب ذلك، وقال بأنّ ذلك يبدأ بخلق “عقليّة التّقدّم والنّجاح” أوّلاً من خلال الفهم لعمل الدّماغ في منعه الخوف المصاحب لعمليّة الانتقال وتجاوزه، والتّصميم على تطوير الذّات وكسر المعتقدات الّتي تحدّ من الطّموح وتمنع خوض المجازفة. فما يمنع المرء عن التّغيير هو ليس حاجته للمعرفة؛ بل طريقة تفكيره وعقليّة الخوف الّتي تعتبر أهم معوّقاته؛ وقال: “عليك تجاوز نفسك أوّلاً”. أنّ المكوث بمكانك -وبالرّغم من توفيره لشعور السّعادة المنتظمة والقلق المنخفض والجهد الأقل- يبقيك دون إنجاز شيءٍ مهمّ ويمنعك من خوض تجارب مفيدة وتعلّم أيِّ جديد فتصبح حينها بلا قيمة. فنحن لم نُخلق لنملأ مكانا بهذا الوجود بل لننمو ونعيش؛ فالحياةُ جهدٌ مستمر هو المطلب ألاساسيّ لتجاوز التّحدّيات وتحقيق النّجاح؛ فلا تخف أن تترك الجيّد مقابل الأفضل.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button