افتتاحية

الحرب والسلام بعد الصفقة الاميركية الصينية

سامي كليب 

هو الشرق إذا يعادُ رسمُه على شفير الحروب من جهة والتفاهمات والصفقات الكُبرى من جهة ثانية والتي تأخذ بعين الاعتبار المصالح الاقتصادية، ومعابر النفط، والرقائق الالكترونية للذكاء الاصطناعي….

 كيف لا نرى في كل هذه الحرائق والحروب، تأسيسًا لتقاسم جديد لهذا العالم المُضطرب، ونحن نشاهد عبر التلفزات أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم تسيران جنبًا الى جنب في حدائق ومعابد الصين، بعد قمّة وُصفت بالتاريخية  بين الرئيسين الصيني والأميركي …

لم يكن من قبيل الصُدفة أن يقول الرئيس دونالد ترامب وهو يغادر الصين التي بُهر بتقدمها وجمالها وتطورها وحدائقها الغُن، إنه لا يمانع في أن تعلق إيران برنامجها النووي لمدة عشرين عاماً، شرطَ وجودِ التزام إيراني “حقيقي”. وهو ما يُعتبر أولُ إعلان أميركي بهذا الوضوح حيال ملف التفاوض الأكثر تعقيدا بين طهران وواشنطن، أي الملف النووي.

ولم يكن من قبيل الصُدفة كذلك في أن يُعلن الرئيس ترامب أنّه يبحث رفع العقوبات عن الشركات الصينية التي تشتري النفط الإيراني، وأن قراراً سيُتخذ قريباً، ما يعني أن واشنطن باتت تنظر إلى بكين كشريك أساسي في أي تسوية مقبلة مع طهران، لا مجرد قوة منافسة. 

ولم يكن من قبيل الصدفة كذلك ان يدعو وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى إعادة فتح مضيق هرمز في أسرع وقت ممكن، مؤكدا أن بلاده تشجع واشنطن وطهران على مواصلة المحادثات.

 وها هي إيران التي جدّدت عدم ثقتها بالولايات المتحدة الأميركية تقول بلسان وزير خارجيتها عباس عرقجي  
إنّها تُرحّب بأي دور صيني للمساعدة في حل الأزمة حتى ولو أنها أكدت بالمقابل ان الوساطة الباكستانية لم تمت، وأنها مستعدة أيضا للسلام والحرب في آن.  لكن دعوة الصين لها بفتح المضيق فورًا قد تُثير الحذر الإيراني من احتمال عقد صفقة أميركية صينية، خصوصا ان الرئيس الصيني سيزور واشنطن في أيلول سبتمبر المقبل، وهو ما قد يعزز حظوظ ترامب في الانتخابات النصفية التي تجري مطلع الخريف خصوصا إذا ما ارفقت الزيارات بإعلان صفقات اقتصادية كبرى.

مضمونُ كلام عراقجي عن القبول بدور صيني مهم ،لكن الأهم أيضا هو   المكان الذي تحدث منه، فهو كان يبعث بهذه الرسائل  من  نيودلهي على هامش اجتماعات  منظمة “بريكس” التي تضم نصف سكان العالم وأكثر من ٣٥ بالمائة من اقتصاده… فالهند التي يزور رئيس وزرائها اليوم الامارات العربية المتحدة بتبادل تجاري بين الجانبين بلغ أكثر من ١٠٠ مليار دولار وقد يصل الى مئتي مليار في السنوات المُقبلة والتي عقدت مع أبو ظبي معاهدة استراتيجية بمعظم المجالات، سمعت من عراقجي نفسه اليوم  أن إيران ستواصل دائما أداء واجبها التاريخي في حماية الأمن بمضيق هرمز …

والهند التي اعتبرت  أمس ان الهجوم الإيراني على سفينة قبالة سواحل عُمان أمرُ غير مقبول، تعد ثاني أكبر مستورد للنفط عبر مضيق هرمز بنسبة 14.7%، فهي بالتالي كالصين التي تتنافر معها مرارا تريدان فتح المضيق وحرية العبور فيه فورًا. أما إيران فتقول أن أي سفينة أو ناقلة من غير الدول الأعداء يمكنها ان تمر لكن عبر التفاهم مع البحرية الإيرانية.

 وهكذا فإن الشرق يعيش مرحلة رسم الخرائط والادوار، فالصين باتت ترتبط بالدول العربية بتبادل تجاري يفوق ال ٤٠٠ مليار دولار بزيادة تخطت نسبة ٨٢٠ بالمائة عما كانت عليه قبل نحو عشرين عامًأ، والهند توسّع تحالفَها مع دول الخليج وفي مقدمها الإمارات. وباكستان تنسج مع السعودية ومصر وتركيا تحالفًا جديدًا ….

في هذا الخضم، تبدو المفاوضات اللُبنانية الإسرائيلية الجارية اليوم في واشنطن و لليوم الثاني في جولتها الثالثة ، دائرة في  فلك الصفقات التي تُرسم في المنطقة، لكنها تبقى كبيرة التعقيد، بحيث أن إسرائيل تريد القضاء على سلاح حزب الله والحزب يريد انسحابَها أولا وقبل الكلام عن أي تسليم للسلاح، ولذلك ترتفع حدة المواجهة في جنوب لُبنان ويعود شمالُ إسرائيل للاشتعال، لا بل يخرج  وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير  كاشفا عن خطط حكومية تستهدف تشجيع الاستيطان داخل الأراضي اللبنانية، إلى جانب تعزيز الهجرة من قطاع غزة والضفة الغربي

وفيما تُرسم خرائط الشرق الأوسط بالدم والنار والصفقات، تبقى فلسطين الضحيةَ الأكبر، مستوطنون يقتحمون باحات المسجد الأقصى، يقفون أمام قبة الصخرة ، ينظمون  مسيرات انطلقت في رام الله. يجوبون أزقة البلدة القديمة في القدس، مرددين الأغاني ورافعين الأعلام الإسرائيلية، بالتزامن مع إحياء ذكرى احتلال القدس.

كان المستوطنون يقومون بهذه الاعتداءات الخطيرة،  فيما تنوي حكومة نتنياهو بناء أكثر من ٦٠ الف وحدة سكنية جديدة وشرعنة عشرات البؤر الاستيطانية، ناهيك عن اعلان وزير المالية المتطرف سموتريتش عن خطة خطيرة لنقل مساحات واسعة من المناطق أ و وب الى المنطقة جيم….

كل هذا يؤكد ان نتنياهو الذي يُساهم في إذكاء النار من فلسطين ولبنان وسوريا الى إيران، والذي تسسربت أنباء اليوم عن احتمال انسحابه من الانتخابات المقبلة،  يريد انتهاز هذه الفرصة التاريخية من النيران والحروب في محاولة ل قضم ما بقي من فلسطين، ولكن أيضا لضمان انسحاب آمن له لو قرر فعلا عدم خوض الانتخابات رغم استبعاد كثيرين لهذا الاحتمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى