آخر خبرافتتاحية

  تيمور جنبلاط وصموئيل بيكيت

سامي كليب:

في ختام كلمته الموجزة بالعامية اليوم أمام لجنة العمل الشبابي الانتخابية، استشهد رئيس كتلة اللقاء الديمقراطي النائب تيمور جنبلاط بالكاتب صموئيل بيكيت ذي الأصل الإيرلندي والتجربة الفرنسية الطويلة من مقاومة الاحتلال النازي الى التربع على العرش العالمي للأدب والمسرح والشعر. الجملة التي استشهد بها جنبلاط تقول:” حاولتَ فشلتَ، لا مشكلة، حاول مرة أخرى، افشل مرة أخرى، افشل بطريقة أفضل”.

هل تعمّد تيمور جنبلاط الاستشهاد بذاك العبقري الذي وضع ” الانسانَ” نُصب عينيه وهو يصف التباسَ الحياة وغموضَها ويضحك من البؤس بانتظار أملٍ لن يأتي، أم أن النائب الجُنبلاطيَ المُقبلَ على فترة سياسية واجتماعية صعبة وعلى انتخابات تحمل كل عوامل القلق والأسئلة، ذَكَر صمويل بيكيت فقط من أجل جمال الجُملة المذكورة؟

ليس الجوابُ مُهمّاً لكن المقاربة بين شخصيتي جنبلاط وبيكيت تستحق التأمل.

يقول المؤرخ والناقد الأدبي البريطاني الأشهر Terry Eagleton والذي كتب أفضل سيرة حياة لصموئيل بيكيت إن والد بيكيت قال له وهو على فراش الموت :” لا تستسلم، قاتل، ثم قاتل، ثم قاتل”، لكن عبقري الأدب والمسرح العالمي، كان يُفضّل البقاء بعيدا عن ضوضاء المُدن والحياة العامة، فُوصف بالانطوائي والمتقلّب المزاج، وحين أراد القتال فعليا بعد أن هرب من النظام الدكتاتوري التيوقراطي ( أي الذي يستمد شرعيته من الله) الى بريطانيا ثم الى فرنسا ( حيث توفي عام 1989)، قاتل ضد النازية على الأراضي الفرنسية، أولا عبر ترجمة رسائل المقاومين وتشفيرها، ثم بالسلاح في مجموعات أقامت الكمائن للجيش الألماني النازي وقتلت الكثير منه.

رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وهو الوحيد تقريبا من آل جنبلاط الذي سلّم الراية (ليس كلّها) لابنه تيمور وهو على قيد الحياة خلافا لوالده الشهيد كمال جنبلاط قائد الحركة الوطنية والمثقّف الموسوعي، ولأجداده، يقول كل يوم لابنه:” لا تستسلم، قاتل، ثم قاتل، ثم قاتل”. لكن بين تيمور وصموئيل بيكيت قواسم مُشتركة عديدة، فحين تسمعه في خطاباته القصيرة جدا التي تعكس لغةُالجسد جُزءا من قلقها، أو في لقاءاته السياسية التي تثير عنده الملل، أو حين تسمع ما يرشح عن لقاءاته الخاصة التي غالبا ما يكون فيها أكثر راحة وسرعة بديهة ومرحا من الأولى، تشعر وكأن الرجلَ يعيش كما الكاتب العالمي، في مكان لا يُشبهه.  ثمة عبثية ولا منطقية تحكم الرجلين، بيكيت وتيمور جنبلاط، وثمة انتظار لأمل ما يأتي من مكان ما، عبّر عنه بيكيت في مسرحيته الشهيرة ” في انتظار غودو” (غودو هو الله بالنسبة لبعض النقّاد رغم نفي بيكيت لذلك)، ويعبّر عنه تيمور في كلّ مرة يتحدث فيها عن وعد التغيير الذي لم يأتِ بعد.

كيف يُمكنك أن تقنع الناس بما لست مقتنعا به ضمنياً؟ هذا السؤال وَجَدَت السياسةُ والدبلوماسيةُ المعاصرةُ جوابا له، بحيث اخترعت عبارة :” فن المُمكن”، لكن تيمور جنبلاط يبدو أكثر صدقا وشفافية وصراحةً من القدرة على ” التمثيل” على ناسه، أو اصطناع مشاعر البهجة في عالم :” لا شيء يُثير الضحك فيه أو السخرية أكثر من البؤس” كما يقول بيكيت.

هل مثلا، يُريد تيمور جنبلاط فعلا الاستمرار في عادات الاستقبالات الشعبية الأسبوعية في قصر المختارة؟ حتماً لا، فهي لا تُشبهه بشيء، ربما يشعُرُ فيها وأكثر من غيره بعبء هذا الموروث الذي لا حلّ له الا بقيام الدولة الحقيقية. هل هو موافقٌ مثلا وعن قناعة على إعادة ترشيح بعض فيلةِ الحزب أو أصدقاء الحزب من الذين تقدّموا كثيرا بالعمر وتراجعوا أكثر بالعمل السياسي والاجتماعي والمطلبي، او بالاكتفاء بترشيح أبناء العائلات التقليدية؟ على الأرجح لا. لكنه يقبل على مضض.

والسؤال الأهم من كل هذه التفاصيل العابرة، هل آمن تيمور جنبلاط بالانخراط فعليا في العمل السياسي كما أراده له والده؟ أم أنه يشعر كما بيكيت، وكما كان يظهر من بعض النزوع الروحاني الإنساني الأصيل عند ” المُعلّم” كمال جنبلاط بأن الانسان متورّط بهذا الوجود العبثي وأن المعنى الحقيقي للإنسانية يكمن في مكان آخر، غير دهاليز وأحابيل والاعيب السياسة في بلد حكمته المافيات السياسية والمالية منذ الاستقلال.

ماذا لو استطاع تيمور جنبلاط أن يقاوم على طريقته وبأسلوبه الشبابي العصري لا بذاك المفروض عليه، كما نصح والد بيكيت أبنه وهو على سرير الموت؟ ماذا لو جمع من حوله الشباب النابض بالحيوية، والنخب المتعلّمة والمثقفة وأطلق ثورة تغييرية داخل الحزب والطائفة أولا، ثم على امتداد الوطن؟ هل يستطيع؟ هل يُريد؟   

يقول فلاديمير ل استراجون في مسرحية “بانتظار غودو” لصموئيل بيكيت :” إن الألم الذي يُشعِرُكَ به حِذاؤكَ، لا يمنعك من أغلاق أزرار قميصك، لتبقي الأمل متّقدا”.

وليد جنبلاط قلقٌ من التقلّبات الإقليمية، ومن احتمال تقدم إيران وسوريا أكثر صوب لبنان بعد نجاح المفاوضات الأميركية الإيرانية وربما نجاح الحوار السعودي الإيراني، وقلقٌ من مُجتمع مدني يتحرك في كل الاتجاهات مُعبّرا عن نقمة شبابية ومطلبية على كل ما هو قديم حتى ولو كان في بعض القديم ما حمى الوطن والعروبة ( وهو حراك يُشبه كثيرا مطالب البرنامج المرحلي للحركة الوطنية التي قادها كمال جنبلاط) وقلقٌ من خصومٍ لم يأتوا من العائلات التقليدية ويفرضون أنفسهم على الساحة الدرزية بثباتهم أو بدعم خصومه لهم ( مثلا وئام وهّاب)، وقلقٌ من نزوع عربي لجعل قائد القوات اللبنانية سمير جعجع حجر الرحى في المعادلات الداخلية، وقلقٌ من انتقام انتخابي مُحتمل من قبل حزب الله، لكن من يدري، فلعل الأكثر مثارا للقلق عنده، هو تحديدا هذا الزهد بالسياسة عند تيمور والنقمة الضمنية على موروث ما عاد يُشبه شباب اليوم، ولا يحمي العائلة الجنبلاطية التي تشعر وأكثر من أي وقت مضى بقلق المصير، خصوصا منذ انحسار المد الاشتراكي التقدمي الوطني الحقيقي لصالح المذاهب والطوائف والمناطقية.  

قال والد صموئيل بيكيت لابنه :” قاتل، ثم قاتل”، لكن مَن يُقاتل تيمور جنبلاط الآن وبعد فترة لو أراد القتال؟ طواحين الهواء كما فعل دون كيشوت ( دون كيخوتي)؟ أم يقاتل موروثا وتقاليد صار شبابُ الحزب ونخبُه يريدون تغييرها تماما كما أهل الحراك المدني، لو استطاعوا الى ذلك سبيلا؟

لا خوف على المختارة من الأمير طلال أرسلان، فهو غالبا ما يُضطر للتنسيق مع البيك الجنبلاطي لمقعد انتخابي أو لوزارة، وغالبا ما يشجّعه على ذلك حلفاؤه الذين مهما تنافروا مع جنبلاط فهم طالما اعتبروه الزعيم الأول عند الدروز وأن لا منافس حقيقي له. ومن جهته الوزير السابق وئام وهّاب الذي برز من خارج منظومة العائلات التقليدية التي حكمت الدروز، لا يريد معركة ضد جنبلاط أو ضد قسم من الدروز، وإنما يريد ما صار يعتبره حقّه الطبيعي في التمثيل الدرزي ، ولعلّ ترشيح الوزير السابق مروان حماده من قبل الاشتراكي سيسهّل عليه المهمة، فيطمح الى موازاة تيمور في الحاصل الانتخابي.  

لكن الخوف الحقيقي، هو من جيل جديد، رأى الوطن ينهار، والدولة تُدمّر، ويريد تغييرا جذريا حتى ولو ان حاجة بعضه للقمة العيش ستدفعه الى تنويم ضميره قليلا يوم التصويت. وربما يُدرك تيمور جنبلاط، أكثر من أي شخص آخر، أن مثل هذا الجيل موجود في حزبه وينتظر ” عودة غودو”…

لا شك أن تيمور جنبلاط سينجح في الانتخابات، ولا ندري نسبة ما سيحصل عليه. القضية ليست هنا. هي في مكان آخر تماما. هي حيث يؤمن هو ولا يفعل حتى الآن، لأنه لم يستطع أن يتحرّر من صورة الأب، وربما أيضا من تلك الطيبة التي أخذها عن أمه المناقضة تماما لقساوة أم بيكيت وتأثيرها عليه ( راجع الكتاب الرائع لالكسندر نجّار).  

اذا كان ” الانسان” هو القضية، كما يرشح عن أقوال تيمور جنبلاط، وما رشح دائما عن فكر وروحانية جدّه، فهل يقبل فعلا الانكفاء حفاظا على دار الجنبلاطية في المختارة، أم يثور قبل غيره، ويطرح مشروعا وطنيا يُشبه جيل اليوم ويستجيب لنقمته؟

قال الشاب الجنبلاطي اليوم في كلمته واعدا الشباب أمامه:”   أعدكم أنني موجود إلى جانبكم لمناقشة كل الأفكار والطروحات، وأعدكم أن دورنا ودوركم قادم، لأن دونكم أنتم الشباب لا مستقبل”….

رحل صموئيل بيكيت عن عمر  38 عاما، وبقي ينتظر عودة غودو، وبقي انطوائيا وعبثيا يسخر من البؤس ويؤمن بأن الانسان لا يتغير وأن الزمن منعدم. ربما الشباب اللبناني (بما فيه نخبٌ شبابية كثيرة ورائعة داخل الحزب ومنظمة الشباب التقدمي) ما عاد قادرا على الانتظار، مهما صيغت التحالفات والصفقات الانتخابية للحفاظ على الموروثات..

هل يفِي تيمور جنبلاط بوعده وينفّذ ما يريد هو لا غيره ؟ أم يصبح آخر الجنبلاطيين ….السؤال حقيقي وواقعي هذه المرة بامتياز. والحراك المدني ينشط في كل اتجاه. 

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button