آخر خبرمقال اليوم

هل يضغط بوتين على الزناد في أوكرانيا؟

هادي جان بوشيعا

بين طبول الحرب الحامية التي تُقرع من جديد بين روسيا وأوكرانيا، والحرب الباردة التي بدأت تتشكل معالمها مع الغرب، تخوض روسيا غمار “لعبة بوكر” جديدة، ذلك أن الرئيس الروسي فلادمير بوتين يتبادل يرفع منسوب التحدي للغرب الذي يردّ بالتلويح بعقوبات أشد وأقسى لمنع تكرار ما حدث سابقا في جورجيا والقرم.

تتصاعد التحذيرات الغربية لموسكو من مغبة قيامها بأي عمل عسكري لا تحمد عقباه في أوكرانيا. توجّه برلين واشنطن وبروكسيل، الخطاب التحذيري نفسه لسيد الكرملين، وهو يردّ مطالِبا بمحادثات فورية وضمانات تسمح بمنع التوسّع المستقبلي لحلف شمال الأطلسي “الناتو” نحو الشرق أو نشر منظومات أسلحة تهدّد روسيا انطلاقا من الأراضي الأوكرانية وفي دول أخرى مجاورة. كما طالب في لقاء عبر الفيديو، نظيره الأميركي جو بايدن بالتزامات قانونية بهذا الشأن.

ترى موسكو أن الغرب انتهك وعودًا إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، كانت تقتضي بعدم توسيع حدود “الناتو” لتشمل دول أوروبا الشرقية والجمهوريات السوفياتية السابقة. وهي لذلك تصرّ على أنها لن تقبل بانضمام كييف الى الحلف الغربي وتعتبر ذلك خطاً احمر، بيد أن الدول الغربية ترفض استبعاد توسع “الناتو” شرقًا.

من الناحية العملية فإن روسيا هي الداعم السياسي والاقتصادي والعسكري للموالين لها في أوكرانيا والذين يخوضون حربًا ضد القوات الأوكرانية منذ نحو ثماني سنوات. ومنذ فترة ارتفع القلق الغربي  بعد شكوك بشأن تحضير روسيا غزواً جديداً لأوكرانيا في أعقاب نشرها عشرات آلاف الجنود  المدججين بمختلف أنواع الأسلحة على طول الحدود بين البلدين. غير أن موسكو تؤكد أنها هي المُهدّدة في أمنها القومي.

وبالفعل ورغم الجهود الدبلوماسية المكثفة لم يتغير أي شيء على طول الحدود الروسية الأوكرانية، ولم يعطِ بوتين أي إشارة تنمّ عن استعداده لوقف التصعيد ولو قيد أنملة.

الواقع أن معضلة أوكرانيا تتمثل بعامل الجغرافيا الذي فرض أن تكون ضحية دوامة لا متناهية، كذلك تكمن مأساتها في عدم اطمئنانها الى أن الدول الغربية جاهزة فعلا أو مستعدة لحمايتها بما يكفي أي حتى لو واجهت موسكو. وهي لذلك غالبا ما تنتقد العراقيل التي توضع أمام رغبتها في الانضمام إلى “الناتو” أو تزويدها بمنظومات أسلحة متطورة. إذ اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينكسي، بشكل خاص ألمانيا التي تمنع حسب رأيه، تسليم بلاده أسلحة دفاعية.

في هذا الوقت الميت والحامل نُذُراً كثيرة، يرى عدد من الخبراء أن سيناريو الحرب بين روسيا وأوكرانيا لا يزال، حتى اللحظة على الأقل، نظريًا . وفي حال تحقق فسيشكل أحد أكبر الانتكاسات للسلام في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما موازين القوى العسكرية فهي تميل بشكل واضح لروسيا، ليس فقط من حيث القوة العسكرية التقليدية، ولكن أيضا باعتبارها قوة نووية معترف بها دوليًا.

جدير بالذكر أن أوكرانيا العالقة بين السندان الأوروبي والمطرقة الروسية، ليست ضعيفة كما يعتقد البعض، فهي تعتبر قوة عسكرية إقليمية لا يستهان بها. القوات الأوكرانية مجهزة جزئيًا، بأسلحة حديثة ذات تقنية عالية تم انتاجها في أوكرانيا وخارجها. وهي قابلة لتلقّي المزيد من الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية الغربية، في حال واجهت أي تصعيد من الجانب الروسي. وبالتالي، فإنه من غير الواضح ما إذا كان من الممكن لروسيا أن تحقق النصر على أوكرانيا سريعًا وبسهولة، مثلما فعلت مع جورجيا في الحرب الروسية-الجورجية التي استمرت لمدة خمسة أيام في آب/ أغسطس من عام 2008.

في المحصلة، يبدو أن العوامل التي حددت السلوك الروسي في السابق وستحدده في المستقبل ستتبلور عبر التكاليف النسبية للتصعيد العسكري، وتقييم المواطنين الروس لتلك التكاليف. فيما العمل الغربي جارٍ على قدم وساق لفرض مروحة من العقوبات الموجعة علّها تحول دون إقدام بوتين على مغامرات مماثلة لتلك التي قام به في جورجيا والقرم.

أما السؤال اللافت الذي طُرح مؤخرا، فهو التالي: هل أراد بوتين فعلا اجتياح أوكرانيا كما أوحى من خلال حشد كل هذه القوات، أم أنه نجح في جرّ الغرب الى فخّ أكبر بغية التفاوض من موقع القوي؟ لا شك أنها لعبة بوكر إقليمية ودولية كبيرة وقد تنزلق في أي لحظة الى ما هو أخطر.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button