آخر خبرافتتاحية

طريقُ دمشق فُتحت، ماذا عن إيران وإسرائيل؟

التقرير الاستراتيجي 

سامي كليب 

قبل اللقاء الرُباعي في عمّان بين وفود لبنان ومصر والأردن وسورية ( وهو الأول من نوعه منذ بداية الحرب السورية)،  كانت روسيا تُمارسُ كل ضغوطها لإنهاء الأزمة الجديدة في درعا التي تقول المعارضة إن منها انطلقت ” شرارة الثورة” بينما تقول القيادة السورية إن منها ” بدأت المؤامرة” . وقد  كان موقف موسكو الصلب لافتا حيال هذه المنطقة الجنوبية ، حيث قال نائب وزير الدفاع الروسي صراحة  إن الدخول الى درعا “سيتم بالسلاح أو السلام،” وهذا ما حصل فعلا حيث دخل الجيشان السوري والروسي اليها، وكان في ذلك  رسائل كثيرة ومتعدّدة الاتجاهات.

الواقع أن الشروط التي شرحها وزير الخارجية الروسي  سيرغي لافروف بشأن التسوية بالقوة في درعا، توضح تماما أن في الأمر استسلاما كاملا للمسلحين، وأن رسالة روسيا الحالية  هي  أن لا تراجع عن سيطرة الجيش السوري على كامل الأراضي السورية، فقد قال لافروف:

  “في الواقع تم التوصل في درعا، بمساعدة عسكريينا، إلى اتفاق يقضي بإعادة السيطرة على هذه المنطقة إلى القوات المسلحة السورية الشرعية، ويقضي أيضا بتسليم المسلحين كل أسلحتهم الثقيلة إلى الجيش السوري على أن يحتفظوا بأسلحتهم النارية الخفيفة التي سوف يخرجونها معهم ، ويجب الا تبقى في درعا وفي سوريا عموما أراض خاضعة لسيطرة تشكيلات مسلحة غير الجيش العربي السوري”.

هذا الكلام الذي يقوله أهم ثاني شخصية في روسية بعد الرئيس فلاديمير بوتين، عن السعي لاستعادة الجيش السوري السيطرة على كامل الأراضي السورية، ليس جديدا، لكنه اكتسب أهمية قصوى في الوقت الراهن، لأن لافروف قاله  بحضور ضيفه وزير الخارجية الإسرائيلية يائر لابيد.

وهذا يطرح أكثر من سؤال أبرزها التالي:

  • أولا: هل تُريد روسيا من خلال احكام سيطرتها مع الجيش السوري على درعا وكامل الجبهة الجنوبية، بعث رسالة الى إسرائيل بإبعاد إيران وحزب الله عن تلك المنطقة الحدودية لأن ذلك أكثر ما يقلق الإسرائيليين؟. فلابيد قال في المؤتمر الصحافي نفسه:” لا يمكننا البقاء مكتوفي الأيدي حين تتحرك إيران بقواعدها ضدنا في المنطقة”. ( وقد سبق ذلك أكثر من تباين بين روسيا والقيادتين السورية والاسرائيلية حول هذه الجبهة  في السنوات الماضية).

نُلاحظ هنا أن لافروف حاول أن يوازن بين مصالح إسرائيل وإيران في سورية، قائلا: ”  أما بخصوص الغارات الإسرائيلية على سوريا، فنحن نعارض تحويل سوريا إلى حلبة لصراع بين دول أخرى، ولا نريد أن تستخدم الأراضي السورية لمهاجمة إسرائيل أو أي بلد آخر” مضيفا :”  أن طهران هي عضو في صيغة “أستانا” التي تستهدف المضي قدما، مع مراعة كافة الحقائق على الأرض، في تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، ما يشمل استعادة وحدة أراضي سوريا واحترام سيادتها ومنع أي مخططات انفصالية والمضي قدما نحو تفعيل حوار وطني شامل”

  • ثانيا: هل تسعى موسكو لإعادة تفعيل التفاوض السوري الإسرائيلي؟. هذا ممكن لكنه يبدو معقدا جدا في الوقت الراهن، ذلك أن دمشق لم ولن تقبل بأقل من استعادة الجولان، ولابيد نفسه ذكّر في المؤتمر الصحافي إمكانية حصول اتصالات امنية مع سورية لكنه رفض رفضا قاطعا أي إعادة لهذه الهضبة قائلا: ” ان ثمة مسائل أمنية قد تشكّل موضع نقاش بين تل أبيب ودمشق، لكن إسرائيل لم ولن تدرس إمكانية إعادة الجولان المحتل ولذلك ليست هناك مساحة كافية للتفاوض”

الواقع ان في ما يقوله لابيد احتمالين، أولهما إمكانية مناقشة مسائل أمنية، وثانيها رفعا للشروط الإسرائيلية الى أقصاها حيال الجولان، وهذا طبيعي حين يجري حديث عن تفاوض محتمل.

  • ثالثا: هل روسيا التي طوّرت علاقاتها جدا مع دول الخليج وتدعم الأمير محمد بن سلمان في مواجهة الضغوط الأميركية عليه، والتي أوفدت قبل يومين  رئيس لجنة الشؤون الدولية الروسية بمجلس الدوما ليونيد سلوتسكي للقاء الأمير في الرياض ، تُريد اقناع السعودية وباقي الدول العربية بالعودة والاستثمار في سورية على أساس انها تتكفل بتخفيض الحضور والدور الإيرانيين هناك؟ على الأرجح نعم ولكن بحدود نظرا لحساسية علاقاتها مع طهران وحاجة الطرفين الإيراني والروسي اليها، في الوقت الرهن.

ما ان انتهت الاجتماعات الروسية الإسرائيلية حتى اجتمع  الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط وبلدان افريقيا نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف مع سفير سورية في موسكو د. رياض حداد، ليطلعه على أجواء المحادثات والتأكيد ، وفق ما ذكر بيان الخارجية الروسية على :” الدعم الروسي الثابث لسيادة الجمهورية العربية السورية ووحدتها وسلامة أراضيها واستعداد موسكو للاستمرار في مساعدة الشعب السوري في مكافحة الإرهاب” .

كما ان دمشق تستعد لاستقبال الممثل الخاص للأمم المتحدة غي بيدرسون في اليومين المقبلين، وذلك بعد امتناع طويل عن استقباله، وهو يأتي مباشرة بعد الانتهاء من أزمة درعا.

الواضح أن موسكو تُرسّخ دورها في الملف السوري، وتجمع كل أوراق قوتها ضد أميركا أو لتحسين شروط التفاوض معها، فقد لوحظ أن لافروف وفي المؤتمر الصحفي مع لابيد، قال كلاما عاليا ضد الولايات المتحدة، حيث اعتبر أن ” مصالح أمن إسرائيل هي من أهم أولوياتنا في القضية السورية وغيرها من النزاعات ” مضيفا في نقد واضح لدور واشنطن :” هناك أيضا مصالح غير شرعية بشكل كامل، وأقصد بذلك قبل كل شيء احتلال الولايات المتحدة غير القانوني لأجزاء ملموسة من الأراضي السورية واستغلالها للموارد الطبيعية والزراعية والمائية والبتروكيماويات التابعة للشعب السوري، ناهيك عن الأنشطة الأمريكية الرامية إلى تأجيج الانفصالية الكردية، وهذا يؤدي إلى مشاكل من قبل تركيا كما هو معروف، ولذلك تتقاطع هناك العديد من المصالح” .

لم تمض ساعات على هذا الاتهام وعلى الدخول الى درعا، حتى أعلنت موسكو:” أن تفجيرا    استهدف سيارة للشرطة العسكرية الروسية خلال قيامها بأنشطة استطلاعية في خلال عبور قافلة إنسانية في محافظة حمص، وان التفجير أدى إلى إصابة جندي روسي بجروح بالغة توفي على إثرها بالرغم من المساعدة الطبية المقدمة”. وجُرح ثلاثة آخرين على الأقل.

كل ما تقدّم ، تزامن مع أجواء زيارة المبعوث الأميركي الخاص المكلف بالملف الإيراني روبرت مالي الى موسكو ( وبعدها الى باريس)، ففيما تسعى واشنطن (واهمةً) لإقناع القيادتين الروسية  والصينية برفع مستوى الضغوط على الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي للعودة الى المفاوضات بالشروط الأطلسية، وفيما قال مالي نفسه إن بلاده لا تستطيع الانتظار الى  ما لا نهاية، وفيما تستعد الدول الغربية لإصدار موقف أكثر تشددا ضد طهران،  حذّرت  موسكو بلسان نائب وزير خارجيتها سيرجي ريابكوف  أطراف محادثات فيينا من ضرورة ” عدم الحياد عن الموقف التفاوضي”، وقال المسؤول الروسي الرفيع : ” ان ثمة شعورا متزايدا في موسكو   وبكين بأن الولايات المتحدة تواصل سياسة الضغط الأقصى للحصول على تنازلات إيرانية  فضلا عن التكهنات بأن الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي سيجعل موقف إيران أكثر صلابة ، ونعتقد بأن محاولات مراجعة ما تم الاتفاق عليه في فيينا ستؤدي الى نتائج عكسية “.

الواضح من كل ما تقدّم أن سورية تفيد جدا من هذا التنافس الأميركي الصيني الروسي بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وأن روسيا تلعب الورقة الروسية بحنكة حيث تجمع عبرها الأوراق الإسرائيلية والتركية والإيرانية والعربية، وسط تخبّط أميركي واضح.

والسؤال الكبير هنا هو التالي : هل تحاول واشنطن إغراء دمشق للابتعاد عن إيران ؟ وهل الغطاء الذي أمنته لاستجرار الغاز من مصر والكهرباء من الأردن بلا عقوبات قيصر ، وما تخلله من زيارة رسمية لوفد وزاري لبناني الى دمشق، ومن لقاء وزاري عربي رُباعي في عمّان بحضور سورية، هو في سبيل هذه الاغراءات؟ ربما نعم، خصوصاً أن ما لا تقوله واشنطن، قاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش قمة بغداد من ” أن بشار الأسد صار أمرا واقعا وعلينا التعامل مع هذا الواقع”، ويبدو أن ماكرون نفسه هو من أكثر العاملين على تفشيل أي عودة للاتفاق النووي بلا بحث الاسلحة الباليستية ودور ايران في المنطقة، وفق ما يقوله مقربون من طهران في بيروت، رغم العلاقة الجيدة حاليا بين باريس وحزب الله .

الخلاصة : يبدو أن طريق دمشق فُتحت، في أكثر من اتجاه.. وربما تفيد سورية من لعبة التوازنات الجديدة، حتى ولو أن الطريق ما زال معرّضا للفخاخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى