آخر خبرمقال اليوم

السوريون، ألف روح وروح

عقيل سعيد محفوض

تقول سناء الأم العاشقة لابنتها ليلى العاشقة: “الحب يا ليلى يحتاج إلى قلب معافى ونفس صافية، الخوف والمرارة والمخادعة كلها أغذية فاسدة تسمم الروح”. (سعد الله ونوس، الأيام المخمورة، مسرحية).

أين يمكنك أن تجد ما تتحدث عنه سناء، في بيئة تعاني الحرب منذ أكثر من عشر سنوات، بل هي في حالة حرب منذ عدة عقود، بل عدة قرون، ذلك أن هذا الشرق “هوبزي” بكل معنى الكلمة، حيث حرب الكل ضد الكل، وحيث الإنسان ذئب  ضد أخيه الإنسان.

طالت الحرب كل شيء في الظاهرة السورية اليوم، وسممت الكثير من أرواح السوريين، الذين اشتهروا بانشغالهم بالسياسة، وبنباهتهم، وسعة روحهم وأفقهم. أما اليوم فإن سورية التي كنا نعرفها، انتهت إلى غير رجعة، والخوف هو من إخفاق السوريين في أن يعودوا مرة أخرى، إلى سيرتهم الأولى: أصحاب سرديات كبرى، وبناة حضارة وثقافة، وبناة دول.

لا يستطيع السوري إلا أن يكون عربياً، لكن العروبة لا تعجبه، يتغنى بها فناً وقصاً وشعراً وربما أملاً، ولكنه يتضجر منها واقعاً وفعلاً، فهي بالنسبة له صحيحة لكنها متعبة وغير نافعة، بل ان فيها الكثير من والادعاء والنفاق.

يحب السوري فكرة الهوية السورية وسورية التاريخية، لكنه يجد صعوبة في تخيلها، ويمل بسرعة من الدفاع عنها، وقد يجد أن وحدة العرب من المحيط إلى الخليج أيسر من وحدة الهلال الخصيب! وعي شقي بالفعل، ومكابدة يعلم الله كيف يتدبر أمره معها.

ونادراً ما يقول السوري صراحة ما يتبناه في سريرته وطويته، أي أنه عربي حيال الغربي أو الاسرائيلي، وسوري حيال اللبناني والأردني والمصري الخ وأحياناً ما يكون تركياً حيال الكردي أو الفارسي؛ وهو حلبي حيال الدمشقي، وحموي حيال الحمصي، وابن جبل حيال ابن سهل، وابن ريف حيال ابن مدينة الخ

وأما بالنسبة للأديان والمذاهب والطوائف والطرق فحدث ولا حرج. فهو محب لكونه كذلك، وقد يتعصب له، لكنه خَجِل منه. وهو يعلم أن ما هو عليه، في هذا وذاك، ليس الاستجابة الصحيحة لتحدي وجوده ومعناه في العالم، وليس مقتضى  ان يكون سورياً اليوم.

عاف السوريون اليوم كل الايديولوجيات التي كانت تخيم عليهم خلال عدة عقود، لكنهم لم يقطعوا معها، صحيح أنها لا تحضر أولا تظهر في أولوياتهم، إلا أنها مركونة في مكان قريب، ومن ثم فهي لا تزال ممكنة، والواضح أنها لا تتقادم.

ثمة صعوبات سورية هي أقرب للاستحالة، تخيل أن السوريين المُنهَكين والمُقَسَّمين اليوم كانوا يحلمون بـ”دولة عربية واحدة” من المحيط إلى الخليج، في وقت كانت سورية  تحت الانتداب الفرنسي، وربما بدأ ذلك لديهم، فيما كانت بلادهم والمنطقة تحت الحكم العثماني. أي مخيلة هذه، قُل أي همة وتطلع؟!

تطلع السوريون في بعض الأحيان لأن يكونوا “قلب العروبة النابض”، وهذا تعبير لـلرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، لكنهم اختلفوا مع “ناصر” على معنى هذا القول، السجال بين “البعث” و”ناصر” يكشف عن ذلك. لم يكن لأي من الطرفين أن يقبل الاخر كما هو، إنما لا بد “تمثيله” و”تكييفه”، رغماً عنه، ليكون مناسباً بكيفية أو أخرى.

من السوريين من طمح لأن تكون “سورية” هي “سورية الكبرى”، ومنهم من طمح لأن تكون “دولة مركز” في الإقليم، بصرف النظر عن العناوين والإيديولوجية، ثم طمح لأن تكون “نقطة اتصال” إقليمية، لكنهم لم يتمكنوا من تجسير الفجوات أو مجرد تحسين الاتصال بين مناطق سورية نفسها. أي تناقض هذا؟!

لم يتمكن السوريون من تحقيق أي من أهداف السياسة الكبرى لديهم، كانت شعاراتهم: وحدة، حرية، اشتراكية؛ لكن لا وحدة، ولا حرية، ولا اشتراكية، فهل قنعوا بذلك؟ لا. لا استسلام ولا صلح، بل دأب لا ينقطع، وجهود لا تكل، في سبيل تحقيق أهداف لم “يقبض” عليها أحد، ولا من  يستطيع تعيينها، واليوم ما من أحد يستطيع التحدث عنها، مخافة أن يناله سخط الناس أو سخريتهم.

بل لعل واقع السوريين هو العكس، وخاصة باعتبار الحرب الدائرة في بلدهم منذ العام 2011، أي ان الحصيلة هي: بلد مهدد بالتفكك، وتحت حصار اقتصادي وسياسي خانق، وأزمات اقتصادية ومعيشية ثقيلة، وتسلط شبكات المال والأعمال والفساد الخ ولا قانون يحمي، ولا نبي يشفع! كان الله في العون.

ما تحقق حتى الآن، ليس عميق الصلة بمفردات التفكير أو مفردات الوجود السوري المعاصر، ولكنه مألوف جداً بالنسبة للسياق التاريخي وجري العادة في مسار السوريين هذا. هو سياق سوسيولوجي وثقافي وحضاري أيضاً، تتنازعه ديناميتان: الأولى توحيدية، والثانية انقسامية.

يمكن القول إنهما نزوعان: الأول يدفع السوري إلى الأمام، والثاني يسحبه إلى الخلف. ويبدو أن الوزن النسبي للنزوع الثاني أكثر تأثيراً، كما لو أن السوريين –ومعهم العرب عموماً والترك والإيرانيون، وبالطبع الكرد- قد أخلفوا الموعد مع الحداثة والتقدم، وناصبوا الديمقراطية العداء، بوصفها سلعة غربية فاسدة، وجَدُّوا في موعد اخر مع التأخر والانسحاب من التاريخ.

لكننا لا نتحدث عن استحالة محضة، فذلك ليس من الثقافة ونظم القيم في سوريا والمشرق، حتى لو ادلهمّت الظروف واستغلقت الحياة على فرص التغيير، وحتى لو بدا الكلام عن التنمية والعودة إلى التاريخ أقرب للوهم. فالسوريون والعرب، وأيضا الكرد والترك والفرس وغيرهم من شعوب المنطقة، يحبون التنمية والديمقراطية، إن استطاعوا إليهما سبيلاً. إن تقبل اللهُ (جل في علاه) أمنياتهم ودعواتهم!

يُمارِس السوريون غوايةً قديمة، هي: “الاستثمار” في تناقضات النظام الإقليمي والعالمي، و”اللعب” على الفروق بين رهانات وأولويات فواعل النظام العالمي، وحتى “الموازنة” –ما أمكن- بين نزعات الهيمنة لدى القوى والفواعل الإقليمية الرئيسة، بل و”الموازنة” بين ارتدادات تلك النزعات والفواعل داخل المجال السوري، وبين المجتمع والدولة أيضاً، كأنما عمرو بن العاص، على ما يقول مظفر النواب، أو ابن خلدون، على ما يقول سعد الله ونوس، يتدخل في اللحظة الحاسمة، ليقرر السبل المناسبة أو الممكنة للحل!

ومن السبل الممكنة التي يسلكها السوري، هي “سياسة الغماز”، هذا باب مهم، إذ ان السوري أحياناً ما “يغمز ع اليسار وبيطلع ع اليمين”! سياسة تجعل أقرب الحلفاء والداعمين في قلق وحيرة من أمرهم، وأحياناً ما تجعل أولئك (الحلفاء) ضعيفي الثقة بمستقبل العلاقات والرهانات. وهذا باب فيه كلام كثير.

يتمتع السوري بـ براغماتية نشطة، وأحياناً ما يغرق في محايلة الواقع، وقد أظهر السوريون خلال عدة عقود من القرن العشرين وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين، على أقرب تقدير، أن إرث معاوية (أو عقله) لا يزال موجوداً في بلاد الشام، وأن دمشق هي ابنته، مثلما أن معاوية نفسه كان ابناً لها!

وعلى سيرة معاوية، فقد وقع بعض متابعي السياسة الإقليمية في حيرة من أمره، عندما وجد سورية (حيث بلاد معاوية وأهله) تقف إلي جانب إيران بعد العام 1979، فيما وقف العراق (حيث بلاد علي وأهله) ضدها، التبس الأمر على البعض، كما لو أن الإمام علي كان قد غادر الحجاز إلى الشام، فيما غادرها معاوية إلى العراق. الأمر شائك بالفعل، ويتطلب تدقيقاً: كيف لأهل الشام أن يقفوا مع الخميني، فيما يحاربه أهل العراق؟! وكيف لسورية اليوم أن تكون في حلف المقاومة، فيما يتأرجح العراق بخوف وقلق في حالة: بين-بين.

وهكذا، تتشكل لدى السوري أنماط من المواجهات والمنافسات وخطوط القطع والوصل، بين دواخله من جهة، وبين تحديات البيئة المحيطة من جهة أخرى.

عقدة السوري هي في ذلك القدر الكبير من “الثبات” و”التحفّز” في مواجهة ذلك القدر الكبير من “عدم اليقين” حيال المستقبل. ولدى السوري نوع من “التثبيت” -كما في علم النفس- تجاه الماضي وما يتعلق بالأمجاد السابقة، وتجاه الحاضر وما يتعلق بالإخفاقات المزمنة.

يتحايل السوري على الواقع، ولا يحتال على أحد، ثمة فارق لا يخطئ تمييزه أهل النباهة والحصافة. ويتسلح السوري بالغموض في مواجهة حاضر ثقيل الوطأة، ومستقبل هو أقرب إلى المؤجل وغير المختبر وحتى غير القابل للاختبار.

يسخر السوري من اللبناني: معقول هيك طائفية، وهيك أحزاب وقيادات وتبعية، معقول حدا يقبل كل تلك التدخلات الخارجية؟ يقول السوري: ان اللبناني يهمه الهجرة ولا يهمه الوطن، الوطن بالنسبة لشريحة من اللبنانيين “حقه نص فرنك”. وأبدى السوري الشيء نفسه حيال العراقيين، وخاصة بعد العام 2003. لكن السوري بكلمة واحدة: فعل كل ما كان ينتقده وأكثر. أصبح هو نفسه ظاهرة للدرس وعبرة لمن يعتبر.

سخر السوري من الخليجي، ولكنه يحلم بأن يكون مثله، بل يرجو الله أن يتيح له مجرد فرصة للعمل والعيش في الخليج. وقد يمكنه العمل هناك، لكنه في دخيلته، غير راض، يقول في قراره نفسه: ان من نكد الدنيا انني أعمل لدى هؤلاء؛ لكنه عندما يحاول أن يطرح أسئلة من قبيل: لماذا لا نملك ما يملكون؟ فإنه لا يستطيع أن يمضي في الإجابة، بل لا يستطيع ان يتأمل كثيراً في السؤال، ثمة ما لا يستطيع التدقيق فيه، مخافة ان يصل به التحليل إلى أماكن لا يريدها بالفعل، وخاصة إذا لم يكن مولعاً بالسياسة!

قد يكون الكلام مُحبِطاً نوعاً ما، لكنه صحيح أو قريب من الصحة. إنما غير الصحيح هو الحديث عن تفاؤل عندما يتعلق الأمر بالسوريين، ذلك أن السوري غير معتاد على التفاؤل، .. هو قريب من لحظة الخطر، من حافة الهاوية، ومن الأسى عميق الجذور والمفتوح على الآفاق، قُل: الأهوال،  في المنطقة العربية والشرق الأوسط (والعالم).

يمكن القول ان السوري يعاني توتراً نفسياً مركباً، وإخفاقاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً مديداً. ما نقوله، هو أن السوري يعد ذلك جزءاً من طبيعة عامة، حالة تاريخية، أو أنه مكابدةُ التكيف مع “مرضٍ” بالولادة، مرض ملازم للطبيعة السورية نفسها -هل يمكن أن يكون ميزة؟- أن يتطلع السوريون إلى ما يفوق قدرتهم وطاقتهم على تحمله!

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button