ثقافة ومنوعات

آنا كارينينا…وجهنا الآخر

ديانا غرز الدين 

يقال ان الحب اوله هزل و آخره جد ، ولا تدرك حقيقته الا بالمعاناة.  و ان الحب اتصال بين اجزاء النفوس المقسومة، فالنفوس المتماثلة تتصل و تتواءم، اما النفوس المتنافرة فتتباعد. وقد نُقل عن الرسول مُحمد قوله الشهير :” الأرواح جنود مُجنّدة  فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”

“كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتَها الخاصة في التعاسة”. هكذا يُدخلنا عملاق الأدب الروسي ليو تولستوي مُباشرة في صلب روايته الرائعة ” آنا كارينينا” التي تخطّت القالب الروائي التقليدي لتدخل في عمق المجتمع الروسي وتحولاته العائلية في لحظة مخاض عسير بين التقاليد والموروث الديني من جهة و مخاطبة العصر بلغة التحرّر والقفز فوق العنصرية الجندرية من جهة ثانية.  

هذه الرواية تعد احدى الآثار الادبية الخالدة، وواحدة من افضل الروايات العالمية. هي رواية عائلية ذات أبعاد نفسية و مقاصد اخلاقية تثقيفية. ذلك أنها تطرح قضية اجتماعية تواجه جميع المجتمعات. مازج فيها المؤلف بين تصوير المجتمع في زمنه بدقة مدهشة، والتصدي لمشكلات في غاية الخطورة، منها الطلاق الذي يصعب التوفيق بينه و بين مفهوم الزواج الديني الخالص، وما ينتج عنه من تناقضات مع مقتضيات الحب الحقيقي و الحرية الفردية.  وتظهر الرواية  قوة العشق المدمرة عندما تدخل في نزاع مع قانون الزواج المقدس و الواجبات تجاه الزوج و الاولاد .

لم يكن اختيار تولستوي لموضوع الخيانة الزوجية عابرا أو عفويا، وإنما أراده مدخلا الى دك حصون التقاليد والدين والتباينات الطبقية، ونصرة للمرأة التي كانت قد بدأت نضالا اجتماعيا حقيقيا. لم يكن اختياره لهذا الموضوع عابرا اذا، لأن روسيا في تلك الفترة كانت تنزع عنها ثوب التقاليد وعادات المجتمع الزراعي وتسعى جاهدة للحاق بعالم الصناعة وما يفرضه من تحولات اقتصادية ومجتمعية، وهذا ما أدخل البلاد في نقاشات مستفيضة على مستوى النخب والمثقفين بين مُحافظ على التقاليد الروسية العريقة، وراغب في التحديث والتطوير والإنفتاح على الغرب.

يُعتبر ليو تولستوي،  عملاق الادب الروسي و احد اشهر اعمدته، وهو روائي و مصلح اجتماعي، وداعية للسلام و نبذ العنف و مفكر اخلاقي.  اتقن اكثر من ١٠ لغات و جسدت مؤلفاته قضايا عديدة طالت مجالات مختلفة من الاخلاق و الدين و صلاح المجتمع والحب والكره ومجمل المشاعر الإنسانية.   له مواقف جريئة، كتخليه مثلا عن كامل ثروته و معارضته للكنيسة و تحوّله في اخر ايام حياته ليصبح اشبه بزعيم ديني و اخلاقي. 

ولد تولستوي عام ١٨٢٨ و توفي عام ١٩١٠ . اعظم رواياته في المذهب الواقعي و الانساني ” الحرب و السلم” وهي صورت المجتمع الروسي في تلك الحقبة بكل اطيافه و متناقضاته بدقة وواقعية قلّ نظيرهما.

“يقول:” كل التنوع، كل السحر، كل جمال الحياة مصنوع من الظل و الضوء”

رواية “آنا كارينينا” هي قصة آنا المراة الروسية الساحرة الجمال التي تنتمي لطبقة النبلاء.  حاصرتها الاعراف و التقاليد في مجتمعها المخملي لكنها فضّلت ان تختار حياتها الخاصة على تلك التي فرضت عليها. فتتمرد لتصل الى غايتها.  لكنها تتعرض لنبذ المجتمع.  اختارت المضي الى نقطة اللاعودة عندما هجرت زوجها و طفلها و لحقت حبّها غير المشروع الذي اوقعها في اخر الامر بدوامة الاسى و اليأس و فقدان الامل بالحياة.

.ابدع المؤلف في تصوير و تفصيل صراعها النفسي ، دخل الى اعماقها و نقل جميع تقلباتها التي تبدأ بشعورها بالاهمال من قبل زوجها كارينين المنشغل عنها بطموحاته في المناصب الادارية، مرورا بتجاذبات الحب و الكره و الشغف و اللذة و الفرح و الندم و الخزي و العار، وصولا الى  واجبها تجاه زوجها و اسرتها وحبها المحرّم لعشيقها فرونسكي. كل لهذا الحب أثرٌ كبير على زوجها الذي تخبط بين واجبه تجاه مجتمعه ( طلب الطلاق) و بين حسه الديني و الاخلاقي تجاه امراته (المغفرة و المسامحة) . و في ختام الرواية يصور المؤلف تعاستها و نهايتها بعبارات الالم و الماساة، خصوصا حين تقرر انهاء حياتها تحت عجلات القطار بعد ان فقدت كل ثقة بالحب و الحياة و الناس من حولها و بعد ان فترت مشاعر حبيبها تجاهها و لم تعد قادرةعلى الاحتفاظ به لها وحدها .

” نَظَرت الى وجهه، و كان قريبا من وجهها. ظلّت هذه النظرة الطافحة بالحب التي رمته بها، في تلك اللحظة، والتي لم يرد عليها بمثلها، تمزِّق قلبها مع شعور بالخجل المعذِّب..”

  رواية :” آنا كارينينا” تُرجمت الى معظم لغات العالم و حُوِّلت الى افلام سينمائية و هي من اشهر اعمال تولستوي بالاضافة  طبعا الى رائعته الملحمية    ” الحرب و السلم “.  

لعلّنا في مجتمعاتنا العربية، نحتاج اليوم وأكثر من أي وقت مضى، الى روائيين ومفكّرين وكتّاب بعظمة تولستوي يقرؤون واقعنا بدقة ألمه وشجونه، ويفتحون أبوابا أخرى للانتقال الحقيقي من موروثات التقاليد والعادات البالية التي أخترعها الانسان حتى كبّل نفسه بها وما عاد قادرا على التنفس الى عالم أكثر رحابة وحرية . لا بد من شيء جديد يُشبه خُلاصات آنا كارينينا، فنحن ما زلنا عالقين بين تقاليد تُكبّلنا وحداثة غزتنا دون استعداد كثيرين للتكيف معها أو المجاهرة بها وهم يعيشون معظمها خلف الأقنعة. 

————————–

الكاتب: ديانا غرز الدين 

تصميم غرافيك واعلانات- الجامعة الأميركية اللبنانية

مهتمّة بالأدب العربي والعالمي

 

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button