مقال اليوم

حين يقاوم العربي هزيمتَه ليحيا

مرح إبراهيم(باحثة ومترجمة سوريّة مقيمة في الغرب)

 عشرون عاماً مرّت على صيف العام 2006. كانَ لبنانُ فيهِ محطّ أنظارِ العرَب بِوَعْيٍ شِبْهِ مُوحَّد، وجداناً وإعلاماً، عبرَ الفضائيَّات البارزة آنذاك، بسرديّةٍ عاطفيَّة واحدة، على الرَّغمِ من الانقساماتِ السياسيَّةِ الكامنة: حربُ المقاومةِ ضدَّ العدوّ الإسرائيليّ.
“انظروا إليها تحترق وتغرق…” “إلى حيفا وصدّقوني إلى ما بعدَ، بعدَ حيفا”…عباراتٌ حفِرَت في وجدانِ كلّ عربيٍّ كانَ يراقب خطواتِ “المقاومة” لحظةً بلحظة، ولاسيّما السوريّ الذي تماهى حينئذٍ مع الجنوبيّ، يتباهى بأن يكون لبيتهِ حصةً من أهل الجنوب. نَعَم السوريّ، لابل كلّ سوريّ.

عشرون عاماً ودارتْ رحى الحرب من جديدٍ على بقعةٍ طالما بقيَت النَّارُ فيها مُتأهّبةً تحتَ الرّماد. عادت الحرب ضدّ العدوّ ذاتِه لكنّ تلك الأنظارَ لم تعد تراقبُ المشهدَ بالبصيرةِ عينِها. فما الذي حلّ بالوعي العربيّ منذئذ؟

كان المناخ العربيُّ آنذاك لا يزال، إلى حدٍّ كبير، يرى في فلسطينَ البوصلة. ظلّت القضيّة الفلسطينيّةُ المرجعيّةَ الأساس التي تُبنى عليها المواقف من الكيان الصهيونيّ، كما بقي إرث “اللاءات الثلاث” التي خرجت بها قمّة الخرطوم عام 1967 حاضرًا في الذّاكرة السياسيّة العربيّة وإن لم يعد يطبّق حرفيًّا أو بصورةٍ موحّدة. انعكسَ ذلك، خلالَ حرب تموز، في التعاطف الشعبيّ الواسع مع المقاومة اللبنانيّة.

بدأت الألفيّةُ الثانيةُ أولى سنواتِها بخدشِ كبرياءِ الحلمِ الأميركيّ في قلبِ توأمَيه الأعلى، لتبدأَ بعدها لعبةُ الدومينو على أرضِ المشرق، انطلاقًا من بغداد. مِن هنا أخذ التلاعب بالبصيرةِ يتبلورُ شيئًاً فشيئاً. كان الغربُ وطفلهُ المدلّل مستمرَين في دراسةِ العقليّة العربيّة بفائقِ الدقّة والتمحيص، ولم يعد يخفى على أحد أنّ “المعرفة بالشرق، الناتجة عن دراسات المُستشرقين، لم تكن مجرّد نتاجَ الفضولِ العلميّ، بل كانت أداةَ ممارسةِ السّلطة والسيطرة على المَشرِق”، وفق نَقْد “إدوار سعيد” مَفهوم الاستشراق في أواخر سبعينيّات القرن الماضي.
إذ تعمَّق الغربُ في عقليّة الشّعوب العربيّة ومعتقداتها الدفينة، التي توقّف تقويمها قبل  1400عام، أدركَ التصدُّع الذي لم تُفلح القرونُ في رأبِه، فاستطاعَ اقتحامَ ذات البين بُغية توسيعِ الهوّة أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، تحت راية الحريّة والتحرّر من نِيرِ الاستبداد. مِن ثَمّ حلّ على العرب ربيعٌ نثرَ شقائقَ النّعمان بالأحمر القاتم على جباه الأجيال. لعبَ الغربُ ورقتَه الرابحة دومًا، بإشعال الفتنة النّائمة نوماً هشًّاً في عمق هذا الشرق.
أمّا هذا العربيّ الكسير، المُتآلِف مع الهزيمةِ والإذعان فقد رسَمَ مسافةً لغويّةً مع “الكيان” وحسنًا فعلَ! لكنّه وإذ كانَ يرسم حدود اللغةِ، وقع في فخّ المسافة مع فهم العدوّ، مع عقليته وأهدافه، على الرَّغم من أدبيّاته المتاحةِ وَمخطّطاته الدقيقة على خارطة “أرض الميعاد”.

بدأت السرديّة الواحدةُ تتشرذم، غداةَ الرّبيعِ العربيّ، إلى اصطفافاتٍ على طرفيّ نقيض، فيما كانت “الفوضى الخلّاقة” تفجّرُ كوارث داخليّة أبعدت القضيّة الأمّ عن سُلَّم الأولويات كليًّا، بين البحث عن قوت اليوم، والحروب الأهليَّة بين موالاةٍ ومعارضةٍ للأنظمةِ والجيوش البديلة. لعبةٌ تديرها أيدٍ خفية تتوارى بين شعاراتِ الحريّة والديموقراطيّة وحقوق الإنسان.

في أوج “الرّبيع العربيّ”، شكّلَ الغربُ تحالفًا تحت مسمّى “محاربة الإرهاب”، والمفارقة أنّ من ادعى الغربُ محاربتهم كانوا على الملقبِ الآخر أدواتٍ استخدمها ضد أعدائه السياسيّين من الأنظمة العربيّة. وعَمي عن العرب مرّةً أخرى أنّ الجميع، من أنظمةٍ وحركات مقاومة وتنظيماتٍ سلفيّة كانوا سواسية في سلّة الإرهاب الأميركيّة، إلى حين اقتضت المصلحة أن تُغيَّرَ القبّعةُ وتُعفى الرؤوس المطلوبة لعدالة العمّ سام كي تتولى جديدَ المهام. فالحروبُ على الشرق، كلّها تقومُ على “الإرهاب”، على غرار الذّريعة التي قامت عليها حربُ العراق، ثمّ استُبدل السنيّ بالشيعي وبقي الاستقطاب الطائفي ورقةً رابحةً في كلّ رهان، وكأننا بلا تاريخٍ ولا عِبَر.

لعبَ بعضُ الإعلامُ العربيّ دورًا كبيرًا في الاستقطاب الإيديولوجيّ، لابل كانت بعض وسائل الإعلام بمثابة أدوات تعبئة ساهمت في توسيع الهوّة بين المحاور، لاسيّما وأن الشّارع العربيّ كان منقسمًا على أثر موجة الثورات والتغييرات السياسيّة التي نتجت عنها، مما أجّحَ الصّراعات المذهبيّة والعقائديّة مرّةً أخرى ليصبحَ العدوّ هو الآخر، ابنُ الوطن نفسه، لكن من طائفة أخرى.

ومع حلول 2020، بدأ الموقف العربيّ يتبدّلُ جذريًّا، وأخذت قنوات التواصل بين الدول العربية ودولة العدو تظهر على العلن، والعلاقات الأمنية تتبلور، وصولًا إلى موجة “اتفاقات أبراهام”. بقيت الفجوة بين موقف الدول ورفض الشعوب بمعظمها، واضحًا، لكنّ ذلك لم يمنع من تعبيد الطريق نحو فكرةِ التطبيع شيئًا فشيئًا. في الحقيقية، مهّدت العقود المنصرمةُ لفكرة التطبيع نفسيًّا، إذ ساهمت بعضُ وسائل الإعلامُ بتقديمها على نحوٍ أقلّ “تحريمًا”، بصورةٍ براغماتيّة واقعية.
وتوازيًا مع التمهيد لفكرة التطبيع أو “السلام” (وكأن العدو يلهث وراء العرب لتحقيقه)، تلاشت فكرة القوميّة وكُسِّرَت صورتها، لاسيّما بعد سقوط الأنظمة التي رفعت شعارَ الوحدة العربيّة والقضيّة الواحدة، مستغلّةً شعاراتِ الممانعة لبسط سيطرتها وتشكيل منظوماتها الديكتاتوريّة، إلى درجة أنّ كلّ شعارات القوميّة والمقاومة والقضيّة باتت تُختزلُ بـ”الأنظمة البائدة”، حتى أصبحت الفضائيّات تتحاشى لفظةَ “مقاومة”، إلى أن أصبحت تهمةً على مُعظَم المَنابِر.

 وفي السابع من تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، وقع ما يشبه 11 سبتمبر جديد، إكمالًا لما تبقى من أحجار الدومينو. عادت حرب إسرائيل على غزّة مجدّدًا، للقضاء مرّةً أخرى على الإرهاب.

أيقظت الهمجيّةُ الإسرائيليّة، في حربها على غزةَ، الضميرَ العالميّ وأعادت القضيَّة المنسيّةَ إلى الضوء، كما غذّت الشرارةَ في الوجدان العربيّ بعدما أخمدتها الفوضى الخلاقة في سائر البلدان العربيّة. لكنّ “الغضب العربيّ” بدا خجولًا مقارنةً بما شهدته جامعاتُ الغرب وشوارعُه من مظاهراتٍ واعتصام من أجلِ غزة. نعم، تقهقرت صورة إسرائيل في العالم ولا تزال الأحزاب في الغرب تطالب بإدانتها ووقف دعمها، في حين يتقدّمُ مسارُ التطبيع العربيّ الإسرائيليّ وإقامة الاتفاقات التجارية والأمنيّة، على قدمٍ وساق. وإذ بُذلت جهودٌ ونُظّمت مؤتمرات من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة، أقيمَت تلبيةً لشروط التطبيع. وها نحن اليوم نشهد مفاوضاتٍ مباشرة بين الدولة اللبنانيّة وإسرائيل، أعادت شبحُ الحرب الأهليّة في لبنان، ومؤخرًا اتفاقًا مغربيًّا إسرائيليًّا على رفع التَّمثيل الديبلوماسيّ لمستوى السّفارات وتبادل السفراء. وها هي سلطات سوريا الجديدة تنادي كلّ يومٍ بالسّلام تحت نار الاحتلال، وهي ثمرةُ حركاتِ الجهاد على طريق القدس.

اليوم، ترى شريحةً واسعةً من العرب تتقبّلُ فكرة التطبيع باعتبارها حلًّا للأزماتِ ومفتاحًا للازدهار لكنّ جزءًا لا يستهانُ به ما زال يدعم الفكر المقاوم، من فلسطين إلى لبنان واليمن، فتسمع المغربيّ مثلًا يساند المقاومة اللبنانيّة على الرغم من خلفيته الإيديولوجيّة المغايرة، في حينِ لم يعد كلّ سوريّ ينظر إلى المقاومة اللبنانية كما كان في 2006، بعد ما شهدته سورية من دمٍ ودمار وانقسامات، كما يتعمّقَ الانقسام اللبنانيّ أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

نعم، تغيّر الوعي العربيّ منذ عِشرين عاماً “بفعل فاعلٍ”، استغلّ استعدادنا المذهبيّ والعقائديّ للانقسام، لنصلَ إلى ما نحنُ عليه. أُبيدت غزةُ ودمّر جنوب لبنان. الضفّة الغربيّة تُسلب والعدو يقف الآن في أعالي الجنوب السوريّ، متحديًّا أمّةً بأكملها على مشارفٍ دمشق، ولا يزال العربُ غارقين في صراعاتهم الأزلية. غاب النظرُ وفُقدت البصيرة فيما تبعثرت أحرف “المقاومة” على منابر الاستسلام. وأمّا هذا العربيّ الكسيرُ الذي لا صوتَ له في مسار المواقف الرسميّة فلم يبقَ أمامَه سوى مقاومةِ هزيمتهِ النفسيّةِ ليحيا.

lo3bat elomam

Recent Posts

La pomme, un fruit qui en dit long

La pomme, un fruit qui en dit long Nadine Sayegh – Paris À croquer, à…

4 أيام ago

La carte bleue-La plus belle des inventions et le pire des dangers

La carte bleue-La plus belle des inventions et le pire des dangers Nadine Sayegh –…

أسبوعين ago

La cravate. Du champ de bataille au symbole d’élégance Nadine Sayegh - Paris   Avant…

3 أسابيع ago

الشيخ والمريد، كتّاب يفنّد علاقة التابع بالمتبوع في دولنا العربيّة

انتصار الفيلالي-الرباط كتاب عبد الله حمودي، «الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة،…

3 أسابيع ago

Jeans et denim, l’étoffe d’une révolution sociale et culturelle

Jeans et denim, l’étoffe d’une révolution sociale et culturelle Nadine Sayegh – Paris Bien avant…

4 أسابيع ago

العرب  وانتظار وهم انتخابات اميركا وإسرائيل

سامي كليب  في مسرحية الكاتب والشاعر الايرلندي الفذ صمويل بيكت المعروفة باسم في انتظار غودو…

4 أسابيع ago