افتتاحية

زلزال فرنسا وأوروبا: أزمة اقتصادية أم أزمات حكم فاقهما ترامب؟

 سامي كليب 

في فرنسا، بدأت الأزمة الأخيرة من سؤال يبدو بسيطاً: لماذا لا يجد التلامذة ما يكفي من المدرّسين، ولماذا تزدحم الصفوف وتتراجع شروط التعليم؟ لكنها سرعان ما وصلت إلى سؤال أكبر: ماذا بقي من قدرة الدولة على حماية المجتمع، ومن قدرة الانتخابات على تغيير السياسات؟

هذه المسافة، بين المدرسة والسلطة، تساعد على فهم ما يجري. فالمظاهرات ليست وحدها دليلاً على تحوّل تاريخي؛ فرنسا تعرف الاحتجاج والإضراب منذ زمن طويل. ما يستدعي التوقف اليوم هو التقاء المطالب الاجتماعية بأزمة ثقة موثّقة، وتشتّت سياسي يصعّب إنتاج أكثرية حاكمة، وصدمة طاقة خارجية تضيق معها إمكانات الاستجابة.

من المدرسة إلى أزمة الحكم

تعود بدايات التعبئة الطلابية الأخيرة إلى سبتمبر في كريتاي  ، قرب باريس، على خلفية نقص المدرّسين واكتظاظ الصفوف وسوء التجهيزات. ومن خلال شبكات التواصل، اتّسعت الحركة، والتحق بها جامعيون ونقابيون، فدخلت الأجور والخدمات وكلفة المعيشة إلى صلب المطالب.  

وفي السابع عشر من أكتوبر، تخلّلت التعبئة الوطنية أعمال عنف ونهب وحرائق. هنا تغيّر الإطار السياسي للأزمة: أصبح على الحكومة أن تجيب عن المطالب الاجتماعية، وأن تثبت قدرتها على حفظ النظام في الوقت نفسه.  

وتنبّه الباحثة غيرغانا ديموفا ، أستاذة السياسة وعلم الاجتماع في جامعة نورث إيسترن بلندن، إلى أن تنوّع المشاركين والمطالب يجعل الفصل بين الحركة السلمية والمجموعات العنيفة أكثر صعوبة. وتكمن أهمية هذا التمييز في أن العنف يعيد تشكيل نظرة الجمهور إلى الاحتجاج: قد ينتقل النقاش من حقّ المحتجّ في الخدمة والأجر إلى خوف المواطن على أمنه وممتلكاته.

أزمة الثقة سبقت الشارع والحرب

الدليل الأقوى على عمق المشكلة يأتي من دراسات أُنجزت قبل أحداث أكتوبر. ففي مقياس الثقة السياسية لعام 2026، الذي يعدّه مركز البحوث السياسية «سيفيبوف» CEVIPOF في معهد العلوم السياسية بباريس  ، بلغت الثقة بالأحزاب 15%، وبالرئيس 18%، في مقابل 60% لرؤساء البلديات.

هذه الفجوة لا تعني أن الفرنسيين يرفضون كل مؤسسة أو كل شكل من أشكال السياسة، بل تشير إلى أن الثقة قد تبقى أقوى حيث يرى المواطن مسؤولاً قريباً وخدمة يمكن محاسبته عليها، وتضعف حيث يبدو القرار بعيداً ومغلقاً.

وفق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الفرنسي، فإن 22% فقط يثقون بالسياسة عموماً، وأن 23% يرون أن الديمقراطية تعمل جيداً. وفسّر الباحث لوك روبان Luc Rouban هذه النتائج بوصفها انفصالاً بين المواطنين وطريقة تنظيم السلطة الديمقراطية، أكثر منها رفضاً للديمقراطية نفسها. ويشير العرض أيضاً إلى مطالبة بمزيد من المشاركة والانفتاح والشفافية.

نفهم مما تقدّم أن الناس  لم  يسأموا ارتفاع الأسعار فحسب؛ بل إن قسماً منهم فقد الثقة بقدرة النظام السياسي على سماع شكواه وتصحيح المسار.  

الحرب على إيران: عامل تفاقم يمكن قياسه

 تقدّم دراسة نشرها البنك المركزي الأوروبي في 26 مايو 2026 دليلاً واضحا على ارتباط بعض الازمات الاقتصادية الاوروبية بالحرب الأميركية الاسرائيلية على إيران. جرى سبر الآراء بين  19 شباط/ فبراير وأول نيسان/ أبريل لمقارنة الإجابات قبل اندلاع الحرب وبعدها. ارتفعت توقعات زيادة كلفة المدخلات غير المرتبطة بالأجور من 3.9% قبل الحرب إلى ذروة أسبوعية بلغت 7.7% في الأسابيع الأخيرة من المسح؛ وارتفعت توقعات زيادة أسعار البيع من 3% إلى 4.1%.  

 سياسياً، تضيق الخيارات عندما تتزامن مطالب زيادة الإنفاق الاجتماعي مع ارتفاع كلفة الطاقة وضغوط المالية العامة. فإذا دعمت الحكومة الأسعار احتاجت إلى تمويل، وإذا امتنعت حمّلت الأسر والمؤسسات الصدمة، وإذا خفّضت الإنفاق عمّقت شعوراً بأن المجتمع يدفع ثمن أزمات لا يملك قرارها.

أما الربط الحالي بين اضطراب الشرق الأوسط وكلفة الطاقة، فهو موثّق في بيان الإليزيه عن اجتماع مجموعة السبع في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر، الذي دعا إلى استجابة منسّقة لارتفاع أسعار الوقود المرتبط بالوضع الإقليمي.

والسؤال هنا هل تستطيع  أوروبا  الحفاظ على نموذج يجمع الإنتاج والحماية الاجتماعية والديمقراطية والاستقلال الاستراتيجي. لا يتعلق الأمر بتوقّع زوال القارة، بل بالسؤال عمّا إذا كانت ستظل قادرة على تمويل هذا النموذج وتحديد شروط بقائها قوة مؤثرة.

 جاء في تقرير ماريو دراغي Mario Draghi عن مستقبل التنافسية الأوروبية، المنشور عام 2024، أنَّ الحاجة  باتت ملحّة إلى 750–800 مليار يورو من الاستثمارات الإضافية سنوياً لتحقيق الأهداف التي يناقشها، أي ما يعادل 4.4–4.7% من الناتج الأوروبي لعام 2023.  

«العدوى» الأوروبية: ضغوط مشتركة ومسارات مختلفة

الواقع ان كثيرين تحدثوا عن عدوى ما حصل في فرنسا باتجاه اوروبا، لكن التدقيق بالأمر يجعلنا نرى أنّ أوروبا لا تعيش احتجاجاً واحداً بقيادة واحدة. في إسبانيا والبرتغال، تتقدّم أزمة السكن؛ وفي إيطاليا، تبرز الأجور وكلفة الحياة؛ وفي ألبانيا، تتداخل المطالب الاجتماعية مع مكافحة الفساد. بعض التحركات يتبادل الإلهام، لكن تشابه الصور لا يثبت أن فرنسا سببت جميع الاحتجاجات.

الأدق أن نبحث في الضغوط المشتركة: صعوبة الحصول على السكن والخدمة والعمل المستقر، وشعور بأن الاستجابة السياسية أبطأ من تدهور الحياة اليومية. ثم ندرس كيف تترجم مؤسسات كل بلد وأحزابه هذه الضغوط. فلا يجوز إسقاط التوازن الفرنسي على إيطاليا أو إسبانيا، ولا اعتبار كل احتجاج أوروبي رفضاً للاتحاد الأوروبي.

هل اليمين المتطرف هو المستفيد الأكبر؟

في فرنسا، تعطي الاستطلاعات أساساً جدياً لهذا الاحتمال. فاستطلاع «إيفوب–فيدوسيال» Ifop–Fiducial المنشور في 20 تشرين الأول/ أكتوبر، والذي أُجري عبر الإنترنت بين مساء 17 تشرين الأول/أكتوبر و19 منه، شمل 1,928 مسجّلاً على اللوائح الانتخابية، ضمن عينة ممثلة للبالغين بطريقة الحصص. منح مارين لوبان Marine Le Pen بين 34% و38% في سيناريوهات الجولة الأولى، وجان لوك ميلانشون Jean-Luc Mélenchon بين 15% و20%، مع تقارب بين المتنافسين على المراكز التالية.

لكن تقدّم لوبان لم يولد بعد عنف السابع عشر من أكتوبر. فاستطلاع «أودوكسا» Odoxa، الذي جُمعت بياناته بين 24 أيلول/ سبتمبر و7 تشرين الأول/ أكتوبر، أعطاها 37–38% بحسب السيناريو، ووضع ميلانشون عند 18% مقابل 17% لإدوار فيليب Édouard Philippe في أحد السيناريوهات. ولذلك لا يمكن نسبة التقدّم كله إلى أعمال الشغب، ولا اعتبار الفارق بنقطة واحدة بين منافسين ترتيباً ثابتاً.

التوازن السياسي هنا ثلاثي: يمين متطرف يَعِد بالأمن والقطيعة؛ ويسار يسعى إلى تمثيل المطالب الاجتماعية؛ ووسط تضعف قدرته على الظهور بوصفه بديلاً بعدما ارتبط بالسلطة القائمة. أما المنافسة على المركز الثاني فحاسمة لأن النظام الرئاسي ينقل مرشّحين فقط إلى الجولة النهائية.

وما تقوله الاستطلاعات هو أن «التجمع الوطني» Rassemblement national يمتلك أفضلية راهنة، لا أنه ربح الانتخابات. فالجولة الثانية، والمشاركة، وهوية المنافس، وانتقال أصوات المستبعدين، عوامل لا تختزلها نسبة الجولة الأولى.

خلاصة الدراسات التاريخية؟

في دراسة «الذهاب إلى الأطراف: السياسة بعد الأزمات المالية، 1870–2014»، وجد مانويل فونكه Manuel Funke، وموريتس شولاريك Moritz Schularick، وكريستوف تريبش Christoph Trebesch أن أصوات اليمين المتطرف ترتفع، في المتوسط، بنحو 30% نسبياً خلال خمس سنوات بعد حالات الركود المرتبطة بأزمات مالية. وهذه ليست زيادة بثلاثين نقطة مئوية؛ فالانتقال من 10% إلى 13% يساوي زيادة نسبية قدرها 30%.

 وتقدّم دراسة «الكلفة السياسية للتقشف»، لريكاردو دوكي غابرييل Ricardo Duque Gabriel، وماتياس كلاين Mathias Klein، وآنا صوفيا بيسوا Ana Sofia Pessoa، زاوية أخرى. باستخدام بيانات 124 منطقة أوروبية في ثماني دول، بين 1980 و2015، تربط الدراسة خفض الإنفاق العام بارتفاع التصويت للأحزاب المتطرفة، وتراجع المشاركة، وزيادة التفتت السياسي.

الدلالة أن السياسات وطريقة توزيع كلفتها تؤثران في وجهة الغضب. فالاستجابة الحكومية تستطيع أن توسّع أزمة الثقة أو تخففها؛ والنتائج ليست محكومة بالغضب وحده.

ترامب والمهاجرون ونهاية ماكرون  

حاول دونالد الرئيس الاميركي دونالد ترامب إسناد الاضطرابات إلى مهاجرين مسلمين، ودعا إلى إغلاق الحدود.  ردّ  عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن هذه التعليقات مقبولة وغبية، وقال إن روايات عن اجتياح مهاجرين وإسلاميين لفرنسا زائفة.

  ماكرون لا يستطيع الترشح لولاية ثالثة متتالية بموجب المادة السادسة من الدستور. لكن الاحتجاج لا يُنهي ولايته تلقائياً. السؤال السياسي هو مقدار ما يبقى له من قدرة على إدارة الأشهر المقبلة، وعلى حماية معسكره من تحمّل كلفة حصيلته.

ولعل الرئيس الفرنسي عرف كيف يضع اصبعه على الجرح قبل غيره لكنه عجز عن مداواته، فلنتذكر أنه هو الذي اطلق التحذير  الشهير  في نيسان/ ابريل 2024 lk  أن أوروبا «قد تموت»  وتناول فيه مخاطر الأمن والدفاع، والتراجع الاقتصادي والتكنولوجي، والضغط على الديمقراطيات الليبرالية.  

أما البديل  حاليا عن ماكرون فليس اسماً واحداً: مارين لوبان تمثل احتمال انتقال الرئاسة إلى اليمين المتطرف؛ وميلانشون يمثل يسار القطيعة؛ وفي الوسط واليمين المعتدل يتنافس مشروع خلافة الماكرونية مع الحاجة إلى الابتعاد عن صورتها. وتبرز أيضاً أسماء مثل غابرييل أتال Gabriel Attal ورافاييل غلوكسمان Raphaël Glucksmann ضمن ساحة متحركة، لا ضمن خلافة محسومة.

إذا نحن في فرنسا واوروبا أمام  الثقة أقدم من الاحتجاج، وأمام أزمة قدرة أوروبية اضعفتها الحرب على إيران وارتفاع اسعار الوقود والطاقة وتكاليف الحياة،  لكن التحوّل لا يملك وجهة واحدة مقررة سلفاً، بل يتوقف مساره على من يستطيع إعادة وصل التمثيل السياسي بالنتائج الملموسة، وعلى أي تعريف للحماية سيقنع الناخبين: حماية الدخل والخدمات، أم حماية الحدود والنظام، أم برنامج يجمع بينهما.

lo3bat elomam

Recent Posts

Le dictionnaire. Du gros volume au smartphone

Le dictionnaire. Du gros volume au smartphone Nadine Sayegh – Paris Des premières listes de…

يومين ago

إبادة شجرة الزيتون العربية لاقامة إسرائيل الكبرى

سامي كليب كم يلزم من الوقت لاقتلاع شجرة زيتون؟ دقائق احيانًا، أما تعويضها فإن عمر…

6 أيام ago

Le métro parisien. Quand les stations racontent l’Histoire

Le métro parisien. Quand les stations racontent l’Histoire Nadine Sayegh – Paris      …

أسبوع واحد ago

هل يتفق ترامب مع الصين وروسيا ضد إيران واوكرانيا

هل يمكن أن يصبح الديزل الروسي جسراً اضافيًّا بين واشنطن وموسكو فيساعد الرئيس ترامب قبل…

أسبوعين ago

ترامب يعد بنهاية الحرب… والحوثيون يوسّعون دائرة النار

بين وعد ترامب بإنهاء الحرب قريباً والاستعدادات العسكرية الأميركية الإسرائيلية، يرفع التصعيد الحوثي كلفة المواجهة.…

أسبوعين ago

كيف تحمي دول الخليج نفسها من الحرب المقبلة؟

مع عودة قرع طبول الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، رغم…

أسبوعين ago