انتصار الفيلالي-الرباط
كتاب عبد الله حمودي، «الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، تليه مقالة في النقد والتأويل»دراسة أنثروبولوجية سياسية تحاول تفسير استمرار السلطوية في المغرب، ثم توسيع المقارنة لتشمل الجزائر ومصر وبعض المجتمعات العربية. وتنطلق أطروحته المركزية من أن الدولة السلطوية لا تستمر بالقمع والمؤسسات وحدهما؛ بل تستند أيضاً إلى مخططات ثقافية للعلاقة بين الرئيس والمرؤوس، أبرزها نموذج العلاقة بين الشيخ الصوفي ومريده.
لا يقول حمودي إن الحاكم هو شيخ صوفي حرفياً، أو إن المواطنين مريدون بالمعنى الديني المباشر. وإنما يرى أن علاقة الشيخ بالمريد توفر بنية رمزية قابلة للانتقال إلى السياسة والإدارة والأسرة والعمل: شيخ يمتلك المعرفة والبركة والهيبة، ومريد يطيع ويخدم ويتقرب وينتظر الحماية والترقي. وفي داخل هذا النموذج تتعايش الطاعة مع الرغبة في الحلول محل الشيخ، والخضوع مع المنافسة، والولاء مع التمرد المؤجل.
يتكون مسار الكتاب من ستة فصول:
ثم يختم الكتاب بخلاصات عامة ومقالة مستقلة تناقش الاعتراضات المنهجية الموجهة إلى مفهوم «الشيخ والمريد».
يصعب تفسير دوام السلطوية في المجتمعات العربية بالعنف وحده. فالقوة تستطيع إسكات المعارضة، لكنها لا تفسر كيف يصبح الخضوع سلوكاً يومياً، وكيف يعاد إنتاجه داخل الإدارة والأسرة والمدرسة والحزب ومكان العمل. هذه هي المسألة التي يضعها عبد الله حمودي في قلب كتابه «الشيخ والمريد»: ما الذي يجعل السلطة مقبولة، أو محتملة، أو قابلة لإعادة الإنتاج، حتى حين تتغير المؤسسات والدساتير والنخب؟
يرفض حمودي التفسير الذي يردّ السلطوية إلى «طبيعة عربية» ثابتة أو إلى جوهر إسلامي مغلق. ويرفض، في الوقت نفسه، اختزالها في الاقتصاد أو القمع أو التبعية الخارجية. فالسلطة، في منظوره، بناء مركب تشارك فيه مؤسسات الدولة، وشبكات المصالح، والتفاوت الاجتماعي، والتبعية الاقتصادية، والمخيال الثقافي.
ولهذا يقرر أن أشكال السلطة العربية الحديثة ترتبط «بنظام عدم المساواة داخل المجتمعات، وعلى تبعية اقتصاداتها للسوق العالمية» (ص. 21). فالثقافة لا تعمل في فراغ، بل داخل توزيع غير متكافئ للثروة والنفوذ والمعرفة. وليست الغاية من استحضارها إعفاء الدولة أو الاقتصاد السياسي من المسؤولية، وإنما تفسير الوسائط التي تجعل اللامساواة قابلة للعيش والاستمرار.
يبدأ حمودي من النظام المغربي، حيث لا تظهر الدولة باعتبارها جهازاً قانونياً مجرداً فقط، بل شبكة علاقات شخصية أيضاً. فالنفوذ يمر عبر القرب من المركز، والخدمة، والحماية، والوساطة، والهبة، والامتنان. ولا ينجح الفرد بالضرورة لأنه يشغل موقعاً مؤسسياً محدداً، بل لأنه متصل بشخص أقوى يستطيع حمايته أو ترقيته.
يوضح المؤلف أن نظام الحكم يقوم على استقطاب النخب وإدماجها داخل دوائر الرعاية. وفي هذا السياق تغدو الامتيازات وسيلة لضبط الفاعلين؛ فالمعارض أو المسؤول أو صاحب النفوذ المحلي قد يُحتوى بواسطة منصب أو منفعة أو قرب من السلطة. ويصبح توزيع المصالح جزءاً من عملية الحكم، لا مجرد انحراف عارض عنها.
يقول حمودي إن «دار المخزن» ظلت تنتشر وتستقر بعد الاستقلال، وإن شبكات الأعيان والمصالح غدت مصدراً لتوزيع الأرباح والنعم مقابل الخدمة السياسية (ص. 54). وبذلك تتداخل الدولة الحديثة مع منطق العلاقة الشخصية: المؤسسة موجودة، لكن فعاليتها كثيراً ما تمر عبر الأشخاص والوسطاء والولاءات.
هذه الرعاية لا تعني الاستقرار المطلق. فالمؤلف يشدد على أن النظام يعيش تناقضاً مستمراً بين استيعاب النخب واستبعاد قطاعات اجتماعية واسعة. وقد أشار إلى استمرار «التناقض المستمر بين الحلول المنشودة» وبين الموازنة بالقوة واستعمال أجهزة الأمن (ص. 56). فالاحتواء والقمع ليسا سياستين منفصلتين؛ بل وجهان لآلية واحدة: استدراج القابلين للإدماج، وضبط من يتعذر إدماجهم.
ينتقل الكتاب بعد ذلك من المؤسسات السياسية إلى الزوايا والتجارب الصوفية. وهنا تظهر العلاقة بين الشيخ والمريد بوصفها نموذجاً شديد الكثافة للسلطة. فالشيخ لا يقدم تعليماً روحياً فحسب؛ إنه يجسد المعرفة والبركة والقدرة على التوجيه. أما المريد فيدخل في تجربة يتوجب عليه خلالها إضعاف استقلاله القديم وإعادة تشكيل ذاته وفق إرادة الشيخ.
في وصف حمودي، يبدو الشيخ في المجال العام «بسمات رب بيت يسهر على أسرته الواسعة»، وتقوم العلاقة على «الكرم والقوة»، وعلى الغذاء والحماية من جهة، والخضوع والخدمة من جهة أخرى (ص. 112). بهذا المعنى، لا تقوم الهيمنة على الخوف فقط؛ بل تتغذى من الحماية والعطاء والانتساب العاطفي إلى صاحب السلطة.
تتجسد الطاعة في ممارسات عملية: خدمة الشيخ وأسرته، تنفيذ الأعمال اليومية، قبول الاختبارات، الانتظار، الصمت، والتحكم في الرغبات. ولا تكتفي هذه الممارسات بإظهار الطاعة؛ بل تسهم في تكوين ذات مطيعة. فالمريد يتعلم السلطة بجسده ووقته وعواطفه، وليس عن طريق خطاب نظري فقط.
لكن العلاقة ليست أحادية الجانب. فالمريد يطمح، في نهاية مساره، إلى اكتساب البركة والاعتراف وربما تأسيس سلطته الخاصة. لذلك تحتوي الطاعة على رغبة كامنة في الخلافة. ويعبّر حمودي عن هذه الازدواجية بقوله إن المريد قد يظل متعلقاً بالشيخ، لكنه يسعى أيضاً إلى التحرر منه والوصول إلى موقعه. ومن هنا تنشأ دورة تتكرر فيها السلطة: من خضع بالأمس قد يصبح شيخ الغد، ثم يطالب مريديه بالطاعة نفسها.
من المفاهيم الأساسية في الكتاب مفهوم الهيبة. فالهيبة ليست مرادفاً بسيطاً للعنف، مع أنها قد تستند إليه. إنها الاعتراف بعلو الشخص واستحقاقه للطاعة؛ ولذلك تتكون من خليط من الخوف والإعجاب والتبجيل والانتظار.
يصل حمودي إلى صياغة حاسمة: «إن الهيبة هي مفتاح كل نظام» (ص. 130). والعبارة لا تعني أن الأنظمة متشابهة، بل أن السلطة تحتاج دائماً إلى صورة تجعلها أكبر من أدواتها المادية. ففي النظام الأبوي أو المخزني أو الصوفي، تتجسد الهيبة في شخص يحتكر العطاء والحماية والعقاب والوساطة.
ومع ذلك، تظل الهيبة معرضة للانقلاب. فحين يعجز الشيخ أو الحاكم عن الوفاء بوظائف الحماية والعطاء، أو حين يظهر ضعفه، تتصدع صورته. لذلك تحتاج السلطة إلى تجديد المشهد الذي تُعرض فيه: الاحتفالات، الطقوس، الاستقبالات، الألقاب، مسافات الاقتراب، وأشكال الجلوس والكلام. ليست هذه تفاصيل بروتوكولية بريئة؛ إنها تقنيات لصناعة الفارق بين الأعلى والأدنى.
يعارض حمودي الفكرة التي تجعل الاستعمار قطيعة كاملة مع النظام القديم. فالاستعمار أدخل القانون الحديث والبيروقراطية والإدارة المركزية، لكنه استخدم أيضاً القيادات المحلية والأعيان والبنى الهرمية السابقة. لقد أعاد ترتيبها وربطها بأجهزة جديدة.
ومن هنا جاء عنوان الفصل الرابع: «البنية الكولونيالية وإعادة إنتاج البنية السلطية». فالدولة الكولونيالية لم تكتف بتفكيك العلاقات القديمة، بل انتقت منها ما يخدم السيطرة: الوسطاء، والتراتبية، والتفويض الشخصي، واستعمال النخبة المحلية في إدارة السكان. وبعد الاستقلال ورثت الدولة الوطنية جانباً من هذه الأجهزة والممارسات.
لا يقدم المؤلف الاستمرارية باعتبارها تكراراً مطابقاً؛ إذ يحذر من النظر إلى السلطة الحديثة كنسخة مباشرة من الماضي. إنها نتيجة إعادة تركيب: عناصر قديمة تدخل مؤسسات جديدة، فتتغير وظائفها من دون أن تختفي تماماً. ولذلك فالنظام المعاصر ليس تقليدياً خالصاً ولا حديثاً خالصاً؛ بل تكوين تاريخي هجين.
يوسع حمودي تحليله ليشمل الأسرة وعلاقات النوع الاجتماعي. فصورة الحاكم الأب، أو الشيخ رب الأسرة، تستند إلى تقسيمات تمنح الرجل الأكبر سلطة على النساء والأبناء والأصغر سناً. ويصبح الامتثال داخل الأسرة تدريباً مبكراً على تراتبية أوسع.
غير أن المؤلف لا يزعم وجود تطابق آلي بين الأب والحاكم أو بين الأسرة والدولة. فهو ينتقد التصورات التي تجعل المجتمع العربي أسرة كبيرة والحاكم أباً مطلقاً. العلاقة، في رأيه، أكثر تعقيداً؛ إذ تمر عبر مؤسسات ووساطات ومصالح وصراعات.
ومع ذلك، تبقى الذكورة عنصراً أساسياً في إنتاج الهيبة. فالرجل يتعلم الخضوع لمن هو أعلى منه، وفي الوقت نفسه يتعلم ممارسة السلطة على من هم أدنى منه. وبذلك لا يصبح الخاضع نقيضاً للمستبد؛ فقد يكون خاضعاً في موقع ومستبداً في موقع آخر.
أهم ما يميز الكتاب هو محاولته تجنب تفسيرين متقابلين: تفسير مادي يرى الثقافة مجرد قناع، وتفسير ثقافوي يجعلها سبباً مستقلاً لكل شيء. يقول حمودي بوضوح:
«إن المخططات الثقافية تشكل، بالفعل، الوسيط الحقيقي بين البنية السياسية، كما وصفناها، والمجتمع المدني» (ص. 243).
لفظة «الوسيط» هنا مركزية. فالثقافة ليست بنية مغلقة تحدد السلوك بصورة قدرية، بل مجموعة مخططات تمنح الأفعال معناها، وتحدد ما يبدو مشروعاً أو ممكناً أو طبيعياً. وهي تساعد الفاعلين على تفسير السلطة والتعامل معها، لكنها تتغير كذلك بفعل الصراع والتحولات الاقتصادية والسياسية.
لهذا يحذر حمودي من «تأويل آلي» يجعل علاقة الشيخ بالمريد تفسيراً جاهزاً لكل العلاقات الاجتماعية، ويؤكد ضرورة دراسة مجالات أخرى مثل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وعلاقات العمل والتربية والحركات الاجتماعية (ص. 244). وهذه الملاحظة النقدية تمنع تحويل النموذج من أداة تفسير إلى قانون شامل.
في الفصل المقارن يختبر حمودي نموذجه في حالات مختلفة. ففي المغرب تبدو الوساطة الرمزية وشبكات الأعيان والولاء الشخصي أكثر حضوراً. أما في الجزائر، فقد أنتج الاستعمار الاستيطاني وحرب التحرير والحزب الواحد والجيش صورة مختلفة للسلطة، لكنها لم تتخلص كلياً من منطق الزعامة والأخوة والتنافس على الشرعية.
وفي مصر، يبحث المؤلف عن صور الزعيم والأب و«صاحب الساعة»، وعن التداخل بين البيروقراطية والرمزية السياسية. والنتيجة ليست أن البلدان الثلاثة نسخ متطابقة، بل أن نموذج الشيخ والمريد يظهر فيها بدرجات وصيغ متفاوتة، متداخلاً مع تاريخ الدولة والاستعمار والجيش والحزب والاقتصاد.
وهكذا لا تكون الثقافة العربية وحدة صماء، بل مجالاً لمخططات مشتركة تعيد كل تجربة وطنية تركيبها وفق تاريخها الخاص.
تكمن قوة الكتاب في انتقاله من السؤال التقليدي: «لماذا يقمع الحاكم؟» إلى سؤال أعمق: كيف تُنتج العلاقات الاجتماعية ذواتاً قادرة على الخضوع للسلطة وإعادة ممارستها؟ إنه يبيّن أن السلطوية لا تنزل من قمة الدولة وحدها؛ بل تسري داخل علاقات الحياة اليومية، حيث تتبادل الحماية والطاعة، والعطاء والولاء، والخضوع والطموح إلى الخلافة.
لكن النموذج يواجه خطراً منهجياً: أن يُفهم باعتباره تفسيراً ثقافياً شاملاً، فيُردّ الاستبداد إلى التراث أو التصوف أو الأسرة. وقد تنبّه حمودي إلى هذا الخطر، فشدد على التاريخ والتناقض والتحول. كما يترك في نهاية الخلاصات سؤالاً مفتوحاً حول قدرة مؤشرات التجديد على «فك الأطر التراثية التي تضمن اشتغالها» (ص. 245).
يمكن كذلك تسجيل ثلاثة حدود على الكتاب:
الرسالة الأعمق في «الشيخ والمريد» أن السلطوية ليست نظاماً سياسياً خارجياً فقط؛ إنها علاقة اجتماعية تتعلمها الأجساد والعواطف واللغة والتوقعات. ولذلك لا يكفي تغيير الحاكم إذا ظلت آليات إنتاج الشيخ والمريد تعمل داخل الدولة والحزب والمدرسة والأسرة.
وفي المقابل، لا يقدم حمودي الثقافة باعتبارها قدراً لا يُقاوم. فالمخططات الثقافية نفسها ساحة للصراع وإعادة التأويل. والتحرر لا يتحقق بمجرد قلب الأدوار، أي بتحول المريد إلى شيخ جديد، بل بتغيير قواعد العلاقة: من الولاء الشخصي إلى الحق، ومن الهبة إلى الاستحقاق، ومن الحماية إلى المواطنة، ومن الطاعة إلى المساءلة.
Jeans et denim, l’étoffe d’une révolution sociale et culturelle Nadine Sayegh – Paris Bien avant…
سامي كليب في مسرحية الكاتب والشاعر الايرلندي الفذ صمويل بيكت المعروفة باسم في انتظار غودو…
Quand le français se cache dans les assiettes Nadine Sayegh – Paris …
L'échiquier. Histoire en noir et blanc du plus ancien jeu intellectuel du monde Nadine Sayegh…
Le foot et les mascottes. Symbole de transmission et d'espoir Nadine Sayegh – Paris …
أيمن مرابط منتخب الفلامنغو تفوّق على التانغو، ربما من أكثر المباريات الكروية التي يتداخل فيها…