الفلامنغو يتفوق على التانغو في نهائي تاريخي

أيمن مرابط
منتخب الفلامنغو تفوّق على التانغو، ربما من أكثر المباريات الكروية التي يتداخل فيها التاريخ بالسياسة بكرة القدم، هو نهائي اليوم، الكلاسيكو اللاتيني الذي جمع لأول مرة بين الأرجنتين وإسبانيا في كأس العالم، وهو النهائي الأول في تاريخه بين بلدين يتحدثان الإسبانية، وحسمه الإسبان بعد مباراة ماراثونية.
في نهائي المونديال، اجتمعت فيه كلّ العناصر والقصص التي جعلت منه حدثا مختلفا كلّيا عن كل التي سبقت، فالمنتخبان هما بطل كأس أوروبا إسبانيا، والآخر الأرجنتين بطل كوبا أميركا، وقد التقيا في المناسبات الودية كثيرا، قبل نزال الأرض اليوم.
التاريخ والجغرافيا.. بين الاستعمار والتحرر
بين الأرجنتين وإسبانيا، تاريخ عريق وأحداث غيّرت مسار تاريخ كل بلد، فالبلد الأوروبي يُعدّ هو المستكشف الأول للأرجنتين عبر الرّحلات البحرية المبكرة إبان القرن 15 و16، وكانت العرش الإسباني يدعم الرحلات “الاستكشافية” نحو منطقة ريو دي لا بلاتا في الساحل الشرقي للأرجنتين، حتى قام بضمّها واعتبارها إمارة إسبانية، قبل أن تأتي الإمبراطورية البريطانية وتدخل في صراع مرير مع الإسبان، ولم تتشكل دولة الأرجنتين بالشكل الذي هي عليه اليوم، إلا سنة 1861 بعد سلسلة من حروب التحرر من الاحتلال الاسباني والبريطاني والحروب الأهلية بين سكان المناطق الشاسعة.
من ناحية المساحة الجغرافية فالأرجنتين بمساحة تفوق 2 مليون كيلومتر مربع، هي ثاني أكبر بلد في قارة أمريكا الجنوبية، ولها من الجغرافيا الكثير من التنوع والمعادن والثروات الطبيعية من السواحل إلى الأراضي الفلاحية الشاسعة التي تشكل سلّة غذائية في الإنتاج القاري والعالمي، إلى سلاسل جبال الأنديز، وأرخبيل جزر في الجنوب قرب القطب المتجمد لا يزال محلّ نزاع مع بريطانيا.
بالنسبة للشعب الأرجنتيني، فإن إسبانيا تعدّ هي البلد الحاضن لهم، وبلد اللغة الأصل، يتعاملون معه تارة باعتباره الأصل التاريخي لهم، وتارة أخرى بأنه البلد الاستعماري الذي كتب تاريخا أسودا للبلاد خاصة بين السكان الأصليين ذووا العرق غير الأوروبي، وعلى المستوى السياسي فإسبانيا هي بلد قدوة في التحرر من الديكتاتورية، حيث احتضنت عددا هائلا من اللاجئين السياسيين الفارين من جحيم الحكم العسكري في الارجنتين في سبعينيات القرن الماضي، وكانت إسبانيا نفسها قد تحرّرت من قبضة “الجنرال فرانكو”.
أطفال الماضي يفوزون على “الأب ميسي”
من مفارقات الساخرة بين الأرجنتين وإسبانيا، أن النجم الأول لدى الأرجنتين ليونيل ميسي، عاش عشرين سنة في برشلونة، وقد كان للنادي الكاتالوني الفضل في بزوغه كأسطورة سابق لعصره، وثمّة صورة متداولة له عمرها 20 عاما، مع النجم الإسباني الحالي لامين يامال وهو بعمر أقل من سنة، وصور أخرى له مع أولمو وفيران توريس وكوبارسي حين كانوا أطفالا، واليوم شاهدنا النزال التاريخي بين ثنائية الماضي الذي لا يزال حاضرا في هيئة الأسطورة ميسي، والمستقبل القادم الذي يمثله الإسباني ذو الأصول المغربية الأمين جمال “لامين يامال” وزملائه.
يُعدّ الدوري الإسباني “لاليغا” حلما لأي لاعب أرجنتيني صاعد، خاصة بنواديه الكبرى ريال مدريد وبرشلونة وأتلتيكو مدريد وكل النوادي الأخرى، وفي المنتخب الحالي لمنتخب “بلاد الشمس” ستة لاعبين في إسبانيا، خمسة منهم محترفين مع الأتلتيكو فقط، الذي يدرّبه دييغو سيميوني، بينما في الأرجنتين نكاد لا نجد لاعبا إسبانيا محترفا هناك، فبلاد “التانغو” هي منبت المواهب واللاعبين الذين يؤثتون الدوري الإسباني وليس العكس.
مفارقات سياسية عميقة
من المفارقات كذلك، النظام السياسي الحالي لكل بلد ودوره في الساحة الدولية، فإسبانيا اليوم يحكمها الحزب الاشتراكي بقيادة بيدرو سانشيز، تقف بجرأة وشجاعة أمام “الوحش الأمريكي”، وتعلن مواقف معادية للكيان الإسرائيلي على الأقل منذ بداية حرب الإبادة في غزة، كما أنّها تمنع الأمريكيين من استخدام أراضيها في حربهم على إيران، ومنعت قبل ذلك رسو السفن المحملة بالسلاح والنفط المتجهة نحو إسرائيل على موانئها، وهي مواقف وقرارات نالت بها إسبانيا شعبية عميقة وغير مسبوقة لدى فئات شعوب العالم العربي والإسلامي المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، وجعلت غزة تخرج فرحا لفوزها بكأس العالم، فيما ثمة خيبة وحسرة في تل أبيب.
أما الأرجنتين، والتي سبق لها وكانت مناهضة لإسرائيل وأمريكا، فهي اليوم الحليف الأول والوثيق لهما، ورئيسها الحالي غريب الأطوار خافيير ميلي المحسوب من تيار اليمين المتطرف في البلاد، يؤكد مرارا على متانة العلاقات الثنائية بين بلاده وإسرائيل، كما يدعم المواقف الأمريكية وحربها على إيران والشرق الأوسط، وقد تعزّزت في البلاد خطابات العنصرية والفاشية في عهده بشكل غير مسبوق.
بهارات كرة القدم وسحر الفلامنغو
نهائي مونديال 2026 في نيوجيرسي كان تاريخيا، مليء بالحمولات التاريخية والثقافية والسياسية والاجتماعية، وبالإرث الإنساني المشترك بين البلدين، وهي بهارات أعطت نكهة للمباراة وطعما لطبق كروي كان الإسبان هم صانعوه، وعلى الأرض التي اكتشفها الرحالة الإسبان نفسهم قبل ستة قرون، ها هم اليوم يفوزون فيها ويحققون النجمة الثانية لهم في سماء المونديال الشاسعة.
لقد شاهدنا اليوم، سمفونية كان قائدها هو المايسترو دي لافوينتي، الذي برع في الفوز بالبطولات على غرار مواطنه المدرب السابق دل بوسكي حين حقّق ثنائية كأس العالم وكأس أوروبا في عهد أباطرة إسبانيا، واستمتعنا برقصات فلامنغو على الملعب بين أرجل كوكوريا وأولمو ورودري ويامال، ولم يُترك أي مجال للأسطورة ميسي ورفاقه لكي يرقصوا التانغو وهي أشهر رقصة أرجنتينية، والتي برعوا فيها في النسخة الماضية.
lo3bat elomam

Recent Posts

مصر العروبة.. هوية أمة

مضر شيخ إبراهيم   أقدّم اعتذارًا علنيًا عن ظنونٍ سابقة تجاه مصر، ولا سيما أن…

6 ساعات ago

La banane, ce fruit qui cache une histoire extraordinaire

La banane, ce fruit qui cache une histoire extraordinaire Nadine Sayegh – Paris Présente dans…

6 أيام ago

الحسكة سلة غذاء سوريا، وقلب الجزيرة النابض

مضر الشيخ إبراهيم “أنت أكيد من الحسكة؟”. كان هذا سؤالًا طرحته زميلة لي في كلية…

أسبوعين ago

L’Albergo Homs-Un nom syrien au cœur de la ville éternelle

L’Albergo Homs-Un nom syrien au cœur de la ville éternelle Nadine Sayegh – Paris  …

أسبوعين ago

فوز الفراعنة بنكهة فلسطينية في كأس العالم

سامي كليب قال أميرُ الشعراء أحمد شوقي رحمه الله: وَمَا نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي وَلَكِن تُؤخَذُ…

أسبوعين ago

لبنان بين مرحلتين، هل للأمل مكان؟ وأي دور للسعوديّة؟

سامي كليب                   لم تكن كلُّ القرارات الرسميّة في لُبنان وخصوصًا منها السعي لحصرية السلاح…

3 أسابيع ago