مضر شيخ إبراهيم
أقدّم اعتذارًا علنيًا عن ظنونٍ سابقة تجاه مصر، ولا سيما أن الظنون لواقح الفتن. فقد كنت أتصور أن المحروسة بلد شديد الحرارة، كثير الازدحام، اعتيادي الحضور والنكهة، إلى آخر تلك الصور النمطية. لكن، بعد زيارةٍ لم أنم خلالها إلا قليلًا، وكان الفضول يدفعني إلى سعيٍ حثيث لاكتشاف كل ما أستطيع، أعترف أنني أصبحت اليوم مولعًا بمصر: شعبًا، وجغرافيا، وطقسًا، والأهم إرثها الحضاري الذي يبعث في النفس شموخًا يعانق السماء.
وقد قلت للأصدقاء، بعد زيارتي الأهرامات ثم المتحف المصري الكبير، إن أسرع وصفة لأي مصري خرج من علاقة عاطفية، أو أخفق في تحصيل علمي أو عملي، أو أصابه أي إحباط، هي أن يزور المتحف المصري الكبير، ويرى ما صنعه أجداده من إعجازٍ حضاري يعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد؛ فعندها سيعود إلى الحياة ممتلئًا ثقةً بجيناتٍ يحق له أن يفخر بها، وستتحول نفسه من الإدبار إلى الإقبال.
مصر أمة، وليست مجرد دولة. ليست دلتا ونيلًا وشمالًا وجنوبًا فحسب. فالمصريون لم يقبلوا، ولن يقبلوا، الاصطفاف ضمن مشاريع الأمم الأخرى، ومن يحاول ذلك سيخفق. إن نموذجهم هو المقياس، وطريقة حياتهم، وفهمهم للدين، وللتاريخ، ولدورهم الحضاري، أمور لا يقبلون المساس بها. وإسلامهم الأزهري هو الحاضر، كما أن ابتسامتهم الدائمة، وتندرهم بالحياة مهما اشتدت، هو ملح يومياتهم.
ومصر دولة وسط على أكثر من صعيد: جغرافيًا بين القارات، وحضاريًا بين الشرق والغرب، وسياسيًا بين العالم العربي وأفريقيا والبحر المتوسط. وهذه الوسطية منحتها دورًا يتجاوز حدودها.
وهنا أستعير ما استحضره الكاتب الكبير والرحالة سامي كليب في كتابه الذي أنصح بقراءته، «الرسائل المصرية»، حين استشهد ببيتٍ للمتنبي. وما إن قرأته حتى شعرت أنه أشبه بصفارة إنذار فكرية؛ يا رجل، ما كل هذه الذائقة، وما هذه الحروف التي تختصر الكثير!
وكم ذا بمصر من المضحكاتِ
ولكنه ضحكٌ كالبُكا
هنا نفهم هذا الشعب الذي يترحم على جمال عبد الناصر، لقربه من هموم الناس وإيمانًا بمشروعه القومي، ويذكر أنور السادات لأنه عبر، وحارب، وانتصر. وحتى اليوم، لا تكاد تجد مصريًا يذكر حتى لفظاً من قاتلوا في حرب أكتوبر. وصولًا إلى التطور العمراني المذهل، والعمل الدؤوب للرئيس عبد الفتاح السيسي في تجنيب مصر وأهلها الأخطار، والعمل على نهضة شاملة للبلاد ستؤتي ثمارها، في تقديري، خلال سنوات قليلة قادمة؛ فالعمل منهجي، ومخطط، وهذا يليق بمصر وشعبها الودود الطيب، الذي لا يشعر الآخر معه إلا بالمحبة والترحاب.
مصر ونيلها يغويانك، ويصيبانك بشغف عجيب. وهنا قلت للأصدقاء: ليتني أؤسس ناديًا لمحبي مصر، وكم سنكون كثرًا في عضويته.
وهذا النيل العظيم، وكما قال المفكر المصري الكبير جمال حمدان، هو نعمة الله على مصر، وهو صانع وحدتها الوطنية: اقتصاديًا، وزراعيًا، وإداريًا. والأهم أن الأمن المصري يبدأ من النيل. ويكفي أن تهب نسمة لطيفة من الهواء حتى يحولها النيل إلى نسماتٍ تشرح الصدر. كما أن حضوره، وسقايته، وارتباطه التاريخي بوجود المصريين على ضفافه، إلى جانب إطلالتها على البحرين المتوسط والأحمر، شكّل ذلك التوازن الاستراتيجي الفريد بين البحر والنهر، وبين العمق النيلي والانفتاح البحري.
في طفولتي، وفي منتصف التسعينيات، ومع والدي الناصري العتيد، كنت أظن أن القاهرة أقرب إليّ من الحسكة عبر دمشق، وكنت أستغرب عندما علمت أن التنقل بين الإقليمين الجنوبي والشمالي في سوريا يحتاج إلى إجراءات وأوراق رسمية.
ولا شك أن الأدوات الناعمة المصرية، من الدراما، والسينما، والمسرح، والأوبرا، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، والشيخ إمام، وأحمد فؤاد نجم، والأهلي، والزمالك، والإسماعيلي، وغيرها الكثير، قد أسهمت، إلى حد كبير، في أن نعرف الكثير عن تلك البلاد الجميلة، وعن نكاتها، ومزاجها، وما تحب وما تكره.
حفظ الله مصر، مصر العروبة، وجعلها في أمنٍ واطمئنان، وأدام دورها الحيوي والشامخ عربيًا، وفلسطينيًا، ودوليًا، ولتبقَ مصدر فخرٍ لكل محبيها.