اتفاق ترامب/ايران حين تتقدم المصالح على المباديء

سامي كليب

لا شك في أن العالم يعيش لحظاتٍ استثنائية قد تقلب وجه الشرق الأوسط برُمّته إذا نجحت الاتفاقات فعلاً وتؤسس لشيء جديد لم يولد تمامًا بعد وليس معروفًا كيف سيكون شكلُه….
فكما قرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب مفاجأة العالم بشنٍ حربٍ على إيران لم يكن أحدٌ يتوقّع حدوثَها ومداها وآثارَها، ها هو يقرّر وقف الحرب والذهاب نحو اتفاق مع إيران، بعد ان كان قد حذّر في الساعات الماضية من أنَّ الاحتمالات متوازية تماما بين الاتفاق او تدمير إيران.. فهل انصاعت إيران لتهديداته أم انصاع هو للواقعية السياسيّة وعقم الحلول العسكرية.
بانتظار أن تُكشف رسميًّا بنودُ مذكّرة التفاهم بين الجانبين والتي عمل الوسيط الباكستاني على تسهيلِها بتعاون في الساعات الماضية مع قطر، وتشاورٍ حثيث بين الرئيس ترامب مع قادة المنطقة من مصر والسعودية والامارات والأردن وقطر، من المأمول أن تكون التسوية المقترحة آخذة بعين الاعتبار مصالح الطرفين، بحيث يُرفع الحصار عن مضيق هرمز ويتم فتحه، وتتوقف الحرب، ثم يُصار الى البحث في مصير النووي الإيراني…. فهل قبل ترامب فعلا بـتأجيل بحث النووي ثلاثين يومًا؟
هنا يُفتح الباب على مصراعيه لأسئلة كثيرة، وأبرزها ما الذي دفع ترامب للعدول عن الحرب؟ هل العجز عن حسمها نظرًا لتعقيداتها الكثيرة ومنعًا لاشتعال المنطقة برمتها مرة جديدة، ولعدم إعاقة كأس العالم أو موسم الحج، أو تفاديًا لخسارةٍ كانت محتملة في الانتخابات النصفيّة الأميركية، أو خشية لجوء إيران الى توسيع دائرة الحرب أكثر خصوصا في البحر والممرات المائية مع ما يُسببه ذلك من ارتفاع مجنون لأسعار الطاقة وغيرها وسط تضييق هامش حركته في الكونغرس… أم أن سيّد البيت الأبيض حصل عبر الوسطاء على ما يريده لجهة إيجاد حل نهائي للنووي الإيراني خصوصًا في أعقاب زيارته الى الصين وعدم ظهور مؤشرات إيجابية آنذاك حيال تعديل موقف بكين حيال إيران.
من غير المحتمل أن ينصاع ترامب لاتفاق ليس فيه حلٌ جذري للنووي، والا يكون خسر كل أهداف معركته، ومن غير المحتمل أن تفتح إيران مضيق هرمز وتقدم تنازلات نووية دون الحصول على ثمن لجهة رفع العقوبات والتعويضات ووقف الحروب عن حلفائها، ولذلك فنحن أمام احتمالين، إما أن بنود الاتفاق تُرضي فعلا الطرفين عبر تنازلات مُشتركة وهذا سيقلب كل المعادلة في المنطقة، أو أنّ ترامب مضطر للذهاب نحو شبه اتفاق بانتظار ظروف أفضل لاستعادة أوراق يفقدها بحرب الاستنزاف ليرتد لاحقًا ضد إيران…
ثم ماذا بالنسبة لإسرائيل، فالتسريبات الأولى أشارت الى انزعاج واضح حيال الاتفاق العتيد، وهنا أيضًا نحن أمام إحتمالين، فإما أن ترامب منح نتنياهو ضوءًا أخضر لاستكمال حربه ضد حزب الله وحماس والتوغل في سوريا حتى إشعار آخر مع فصل ذلك عن القبول باتفاق وقف إطلاق النار، أو أن نتنياهو سينصاع لرغبات سيد البيت الأبيض، ولكن بأي ثمن ؟؟؟
كل ذلك يُشير الى أننا ما زلنا في قلب مخاض طويل قد تكمن شياطينُه في التفاصيل، ولا شك في أنَّ كلَّ طرف سيصدح انتصارًا، وسوف يجد مبررات لتلميع صورة الانتصار وتوظيفه لاحقًا في ملفات عديدة…
لا بُد من انتظار الساعات والأيام المقبلة، لنعرف تماما على ماذا استقر الاتفاق، لان التصريحات لا تعكس دائمًا حقيقة الغرف المُغلقة، ولكن الأكيد أن الطرفين الإيراني والأميركي وصلا الى مرحلة ارتفعت فيها حاجتُهما الى اتفاق، فحرب الاستنزاف الطويلة لا تخدم ترامب وتكلّفه كثيرا ماديا ومعنويًا، والحصار الطويل لإيران يخنقها اقتصاديًّا ويزيد خصومها لا سيما وان معظم دول العالم بما فيها شركاؤها مثل الصين وروسيا أرادت فتح مضيق هرمز دون تأخير …
وهكذا يُثبت العالم مرة ثانية أن المصالح أهم من المبادئ عند الجميع، فترامب يفاوض نظامًا كان يصفه بالإرهابي، وإيران تفاوض من تسميه الشيطان الأكبر…..




