بينما كانت الولايات المتحدة تعيد نشر وسائلها العسكرية وذخائرها من منطقة المحيطين الهندي والهادئ نحو الشرق الأوسط، وجد دونالد ترامب نفسه في موقف محرج أمام قوة من “المرتبة الثالثة”، في الوقت الذي يواجه فيه قوة عالمية من “المرتبة الأولى”، على حد تعبير فيل غوردون، الخبير في مؤسسة بروكينغز والمستشار السابق لنائبة الرئيس كامالا هاريس.
ترامب، الذي سبق أن زار الصين رسمياً عام 2017، زارها هذه المرة في ظرف دولي مختلف تماماً، حيث تضررت مصداقية الولايات المتحدة على الساحة الدولية. فقد أدت الحرب مع إيران إلى أزمة طاقة وتجارية عالمية، وكانت سبباً في تأجيل هذه الزيارة التي كانت مقررة في نهاية مارس، الأمر الذي فاجأ بكين التي لا تحب الاضطرابات البروتوكولية.
ورغم مرور أكثر من عشرة أسابيع على اندلاع الحرب، لا تزال الأزمة بلا حل. وزار ترامب الصين فيما تحاول إدارته إيجاد مخرج من المأزق الإيراني. وقد وصف الرئيس الأميركي وقف إطلاق النار بأنه “على أجهزة الإنعاش”.
تقدّم واشنطن الزيارة على أنها فرصة للضغط على الصين كي تستخدم نفوذها لدى طهران. وقبل الزيارة، أعلنت الولايات المتحدة في 8 مايو فرض عقوبات على تسع شركات وأفراد من الصين وهونغ كونغ، متهمةً إياهم بتزويد إيران بمكونات صاروخية وصور أقمار صناعية استُخدمت لاستهداف مصالح أميركية في الخليج.
لكن هذه الخطوات قد تُظهر هشاشة موقف ترامب أكثر مما تعزز قوته. فهو يبدو وكأنه يطلب مساعدة شي جين بينغ لحل أزمة ساهم هو نفسه في خلقها. ويرى مراقبون أنه يصل إلى بكين واقتصاده تحت الضغط، وشعبيته تتراجع، وآفاق انتخابات منتصف الولاية ليست مطمئنة، إضافة إلى استنزاف مخزون الذخائر الأميركية.
من جهتها، ستعيد بكين التأكيد على موقفها المتوازن، من دون تحميل واشنطن المسؤولية المباشرة عن النزاع. وستركز الصين على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الطبيعية، وهو خطاب تتبناه منذ شهرين حفاظاً على علاقاتها مع جميع أطراف الصراع.
وقد شكّلت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين في 6 مايو تمهيداً سياسياً لزيارة ترامب، إذ هدفت الصين إلى طمأنة طهران وتذكير واشنطن في الوقت نفسه بالدور الذي تستطيع لعبه مع الإيرانيين.
أما الملف الأكثر حساسية بالنسبة للصين فهو تايوان، التي تريد بكين جعلها محور علاقتها مع واشنطن. وتسعى القيادة الصينية إلى دفع الولايات المتحدة لتعديل خطابها الرسمي بحيث تقول إنها “تعارض” استقلال تايوان، بدلاً من القول إنها “لا تدعم” استقلالها، وهو فارق دقيق لكنه مهم سياسياً.
كما ستعبّر الصين عن رفضها لمبيعات الأسلحة الأميركية إلى تايوان. وكانت واشنطن قد أعلنت في ديسمبر 2025 عن صفقة ضخمة بقيمة 11.1 مليار دولار لتزويد تايبيه بصواريخ مضادة للدروع وطائرات مسيّرة، فيما جُمّدت صفقة ثانية لتجنب توتير أجواء القمة.
وخلال اتصال هاتفي في فبراير، دعا شي جين بينغ ترامب إلى “التعامل بحذر” مع قضية تايوان، مؤكداً أنها “أهم قضية بين الصين والولايات المتحدة”.
تدخل الصين هذه القمة وهي تشعر بأنها في موقع أقوى. فالولايات المتحدة، رغم قوتها الاقتصادية، تبدو وكأنها تقلّص استثماراتها في البحث العلمي وتتراجع عن الاقتصاد الأخضر، فيما تبدو تحالفاتها في أوروبا وآسيا ضعيفة.
كما أن استنزاف المخزون العسكري الأميركي بسبب الحرب مع إيران يمثل عبئاً كبيراً على البنتاغون. ويرى بعض المحللين أن ترامب سيصبح أكثر تردداً في خوض صراعات خارجية بعد تجربة إيران، خصوصاً في آسيا والمحيط الهادئ، وهو ما تعتبره الصين تطوراً إيجابياً لها.
في المقابل، أظهرت الصين قدرة على الصمود أمام أزمة إغلاق مضيق هرمز بفضل اعتمادها الكبير على الفحم، واستثماراتها في الطاقات المتجددة، واحتياطاتها الضخمة من المحروقات. كما استفادت شركاتها المنتجة للسيارات الكهربائية والبطاريات من القلق العالمي بشأن إمدادات النفط.
تحاول بكين في الأشهر الأخيرة أن تقدم نفسها كضامن للاستقرار العالمي، معتمدة على التناقض الضمني بينها وبين إدارة ترامب. وهي تدرك شغف الرئيس الأميركي بالنجاحات السريعة والصور الإيجابية، خاصة قبل انتخابات نوفمبر.
ويرافق ترامب إلى الصين عدد من كبار رجال الأعمال الأميركيين، بينهم رؤساء شركات بوينغ وتسلا وآبل.
وتعتمد الاستراتيجية الصينية على الجمع بين المجاملة الدبلوماسية بعيدة المدى واستثمار ما تعتبره تراجعاً أميركياً تدريجياً، بهدف كسب الوقت لتعزيز تفوقها التكنولوجي والعسكري والدبلوماسي.
ورغم الملفات الشائكة الكثيرة — من التجارة إلى الذكاء الاصطناعي والفنتانيل ومستقبل تايوان — يتوقع مراقبون أن تطغى “العلاقة الشخصية” بين شي وترامب على بقية القضايا، نظراً لضعف اهتمام ترامب بالتفاصيل التقنية المعقدة.
ولا يُتوقع صدور بيان مشترك عن القمة، كما أن واشنطن لا تبدي اهتماماً بإثارة ملفات حقوق الإنسان.
تسعى بكين إلى إقناع ترامب بأن الحرب حول تايوان ليست حتمية، وأن الحل السياسي ممكن إذا خففت الولايات المتحدة دعمها العسكري والسياسي للجزيرة.
وقد تجنبت الصين خلال الأشهر الماضية القيام بمناورات عسكرية واسعة قرب تايوان، مفضلة إظهار أن الخيارات السلمية لا تزال قائمة. وفي هذا السياق، استقبل شي جين بينغ في أبريل زعيمة حزب الكومينتانغ التايواني المؤيد للحوار مع الصين، في خطوة رمزية تهدف إلى إظهار إمكانية التقارب السلمي.
وترى بكين أن الحزب التقدمي الديمقراطي الحاكم في تايوان بدأ يفقد زخمه السياسي، وتأمل أن يخسر الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028 لصالح شخصية أكثر قرباً من الصين.
وفي الوقت نفسه، تعتقد القيادة الصينية أن ميزان القوى الجيوسياسي يتحول تدريجياً لمصلحتها، وفق الفكرة التي ترددها باستمرار: “صعود الشرق وتراجع الغرب”.
كما تمارس الصين ضغوطاً على إدارة ترامب بشأن صفقات السلاح مع تايوان، خصوصاً بعد إعلان واشنطن عن مبيعات صواريخ وطائرات مسيّرة بقيمة 11.1 مليار دولار.
ويرى بعض الخبراء الأميركيين أن مجرد مناقشة ترامب لهذه الصفقات مباشرة مع شي جين بينغ يمثل بحد ذاته تنازلاً سياسياً لبكين
عن لوموند الفرنسية.
سامي كليب عشية ذكرى يوم النكبة الفلسطينية التي هجّرت قسمًا كبيرا من الشعب الفلسطيني ودمّرت…
Les jours de la semaine : une histoire entre ciel, religion et modernité Nadine Sayegh-Paris…
سيمون روجيه-Lemonde سمحت الجزائر، في مكان احتجاز الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، بزيارة قنصلية له، في…
د. رانيا حتي- باحثة وكاتبة بالشؤون الجيوسياسية في ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٥، أعلن الرئيس الأمريكي…
روزيت الفار-عمّان في لقاءاته المسجّلة وتقاريره المنشورة على مدى العامين الماضيين، يؤكّد المفكّر والاقتصادي البارز ريتشارد…
سامي كليب ما قبل القمة الصينية الاميركية غدا ويعد غد في بكين لن يكون كما…