آخر خبرافتتاحية

البورقيبية اللبنانية في ترسيم الحدود…عقلانية أم خيانة؟

سامي كليب:

              حين زار الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة في 3 آذار/ مارس من العام 1965 القدس وأريحا اللتين كانتا تحت السيادة الأردنية قال في خطابه:”   أبى العرب الحل المنقوص، ورفضوا التقسيم وما جاء به الكتاب الأبيض. ثم أصابهم الندم، وأخذوا يرددون: ليتنا قبِلنا ذلك الحل…” مضيفا :” نحن في تونس لو رفضنا، عام 1954، الحكم الذاتي، باعتباره حلاً منقوصاً، لبقيت البلاد التونسية، إلى يومنا هذا، تحت الحكم الفرنسي المباشر، ولبقيت مستعمرة، تحكمها باريس”…

أُدين بورقيبة من قبل الدول العربية والجامعة العربية وخرجت تظاهرات عارمة في بعض العواصم تشجب ما وصفته ب” الخيانة”، لكن الرجل الذي كان وما زال أكثر رئيس تونسي أحبّه شعبه، بقي طيلة حياته يدعو العرب للقبول بما يُعطى لهم ثم يطوّروه لاحقا، بدلا من رفض كل شيء وقد لا يحصلون على شيء…

 الواقع أن وجهة نظره تحقّقت، ليس لأن هذا منطق التاريخ، وإنما لأن النظام الرسمي العربي بشكل عام قدّر طيلة تاريخه أن التنازل لإسرائيل هو طريق استرجاع فلسطين، فبقيت التنازلات تلو التنازلات، بينما استمرت إسرائيل في قضم الأرض وتهويد الدولة والحجر والشجر، وزادت مثلا المستوطنات أكثر من 700 مرة بعد اتفاقيات أوسلو.

قبل أيام قال رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون للزميل نقولا ناصيف في صحيفة الاخبار  إن :”  خطنا النقطة 23، وهي حدودنا البحرية. وهذا ليس تنازلاً بل حقنا الحقيقي والفعلي. وإن تعديل المرسوم 6433 لم يعد وارداً في ضوء المعطيات الجديدة” وإن: ” النقطة 29 كانت خط تفاوض وليست خط حدودنا البحرية. البعض طرح هذا الخط من دون حجج برهنته”. وهو بذلك يكشف ما وافقت عليه معظم المؤسسات السياسية للدولة اللبنانية في الظل وما جاهرت بعكسه علنا. وهذا ربما ما عناه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قبل فترة قصيرة بقوله :”  نتمنّى أن لا تحصل المزايدات وحصتنا هي المساحة التي فاوض عليها الرئيس نبيه بري طيلة 10 سنوات

ما قاله الرئيس عون ينطلق من مبدأ الحبيب بورقيبة، بمعنى أننا لا نستطيع الحصول على كل شيء، وأن هذا الذي سنحصل عليه من خلال الاعتراف بالخط 23 هو أفضل من الحصول على اللاشيء.  يضاف الى ذلك أن رئيس الجمهورية يريد تحقيق أنجاز يعتبره كبيرا في عهده وواعدا بثروة بحرية كبيرة، كما أنه ليس خافيا على أحد أن إنعاش حظوظ رئيس التيار الوطني الوزير جبران باسيل بالرئاسة، غيرُ مُمكن إذا استمر الغضب الأميركي والخليجي، وثمة من يعتقد بأن تسهيل مهمة آموس هوكشتاين رئيس الوفد الأميركي لترسيم الحدود غير المباشرة بين لبنان واسرائيل قد يأتي بثمار إيجابية وقد يساعده في رفع الغطاء الأميركي عن بعض خصومه وفي مقدمهم حاليا حاكم مصرف لبنان رياض سلامة . ( معظم الأطراف السياسية تفكّر بهذا).

موقف الرئيس أثار حفيظة طرفين أساسيين على الأقل في لبنان، أولهما الجيش اللبناني الذي شعر بنوع من إهانة وفده المفاوض ( وذلك فيما ترتفع أسهم قائد الجيش العماد جوزيف عون صوب الرئاسة)، وثانيهما حزب الله الذي وإن كان قد قال أكثر من مرة بأنه يقف خلف الدولة اللبنانية في قرارها، غير أنه منزعجٌ ضمنيا من موقف الرئيس وفق ما يرشح من بعض النقاشات التي أعقبت حديث عون لصحيفة الأخبار.

في معلومات حلفاء مقرّبين من حزب الله، أن آموس هوكشتاين إجتمع فعلا خارج لبنان بالوزير جبران باسيل قبل تصريح الرئيس عون. وحين يقال لهؤلاء أن هوشكتاين لا يستطيع اللقاء سرا بأي سياسي قد تعرّض لعقوبات أميركية، يأتي الجواب بأن باسيل معاقب من خلال قانون ماغنيتسكي الذي يمنعه من حركة الأموال ومن زيارة أميركا ولا يمنع اللقاء به، وهو أعد ملفا لعرضه أمام القضاء الأميركي.

قرّر حزب الله التزام الصمت حيال ما قاله عون للأسباب التالية:

    • أولا تجنّب صدام جديد مع الرئيس وتياره، فالطرفان ما زالا يلملمان أثار التوترات الأخيرة.
    • ثانيا قناعة الحزب بأن رئيس الجمهورية لا يستطيع وحده اتخاذ قرار ذلك أن في الأمر رأي الدولة كاملة (أي مجلس نواب وحكومة أيضا) وأن صلاحيات الرئيس تسمح له فقط بالتفاوض أو التوقيع على المعاهدات، ثم أن في الأمر مصير لُبنان بشأن حدوده وثروته النفطي ومستقبله، وهذه أمور لا تحتمل التفرّد.
    • ثالثا: يرغب الحزب بتجنّب تحميله مسؤولية إضافية بالتعطيل، حيث لو أنه جاهر بالاعتراض، سيقال إنه يمنع استخراج الثروة ويعيق المصالح الاقتصادية.
    • رابعا إن الحزب حين يقول منذ البداية أنه ضد مبدأ التفاوض، وأنه يقف خلف الدولة، فهذا لا يعني ترك إسرائيل تتحرك في الثروات البحرية وسرقة حصة لُبنان بذريعة، ولكنه يعتبر أن لا شيء سيحصل غدا وبالتالي من الأفضل عدم الانجرار الى فخ المناكفات الداخلية.

أي بشكل أو بآخر، إن حزب الله يريد تمرير هذه المرحلة باقل خسائر ممكنة حتى انتهاء ولاية الرئيس عون، خصوصا أن السعي حثيث بين الطرفين لتعزيز الاتفاقات حيال الانتخابات النيابية وما بعدها. كما ان التفاوض الإيراني الغربي بشأن مستقبل البرنامج النووي، لا يحتمل الآن خضّات كبيرة، فقد يتغيّر الكثير من الأمور لو حصل اتفاق.

ماذا عن الوفد العسكري وقيادة الجيش؟

يُمكن القول إن الوفد العسكري والتقني مُصاب بصدمة وخذلان، وهو يحذّر من أن التراجع الى خط 23 بدلا من التمسك بخط 29 يعني خطر مطالبة إسرائيل لاحقا بحصة في بلوكات بحرية لبنان وفي حقل قانا. وإن إسرائيل ستستغل هذا التصريح للبدء بالعمل في الشهر المقبل بحقل كاريش.

تقول مصادر قريبة من ملف التفاوض   : ” إن كل ما يقوله الوفد العسكري المفاوض موثّق بالمستندات، وكان الوفد قاب قوسين أو أدنى من التوصل الى حل لمصلحة لبنان قبل بدء اسرائيل من استخراج النفط والغاز بعد وصول باخرة الاستخراج FPSO ( من سنغافورة آخر شهر آذار المقبل)  ، وهو تمسّك مبلف التفاوض باحتراف عالٍ وكان يعرف مكامن الضعف الإسرائيلية التي تدفعها للتفاوض معنا، ولو لم يكن لديها مكامن ضعف في حقل كاريش يجبرها على التنازل  لما تحرّك آموس هوكشتاين واتى الى لبنان ليلغي مفعول الرسالة التي ارسلت الى الامم المتحدة منذ أيام، ، ولو كانت غير خائفة من القرار اللبناني لما عادت الى الجولة الخامسة من المفاوضات بعد ان ذهب لبنان الى تعديل المرسوم 6433″

مراكز الضعف الإسرائيلية التي استند اليها الوفد العسكري والتقني ذو الخبرات العالية هي :

    • أن الشركات التي تعمل في كاريش يهمها الاستقرار الأمني والحماية القانونية لأنها تخطط لثلاثين عاما مُقبلة، وطالما لبنان يرفض ويحذر ويهدد فهذه الشركات تتردد ولا تستطيع العمل بحرية وليس لها أي سند قانوني.
    • الشركة التي تعمل في كاريش يونانية الأصل، وعليها ديون تفوق مليار ونصف المليار، والسفينة التي ستصل قريبا كلّفتها نصف مليار دولار، وهي بالتالي لا تستطيع المخاطرة بالعمل وسط الاضطراب مع لبنان.
    • شركة اينيرجي التي ستشتري الغاز لأن أسعار عقودها كانت أفضل من عقود شركة شيفرون، مُهددة حاليا وثمة شركات بدأت تتراجع عن توقيع عقود معها بسبب عدم توفّر وضع أمني مريح ولا سند قانوني.

كما تقول المصادر نفسها : إن لبنان أرسل وثيقة رسمية الى الأمم المتحدة وقعها وزير الخارجية وسلّمتها سفيرة لبنان آمال مدللي الى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، وتم تعميمها على الموقع الرسمي لقسم شؤون المحيطات والبحار في الأمم المتحدة، وفيها كل ما يؤكد حقوق لبنان التي تتخطى الخط 23 . وبالتالي فإن أي شركة ستأتي للعمل في الحقول الإسرائيلية ستجد أن هذا السند القانوني الدولي ليس لصالحها.

الوفد العسكري متمسك بالخط 29 مع مرونة محتملة، ويرى المقرّبون منه أن إعلان الموافقة على الخط 23 هو تنازل ضد المصلحة اللبنانية، لان الإسرائيلي يكون قد أوقف أي كلام عن الخط 29 ويرتاح في مستقبل كاريش. كان الوفد العسكري يعرف أن قبول العدو بالخط 29 ليس ممكنا، وكان يقول:” نحن منفتحون على النقاش ولكن بناء على القانون الدولي” وقد جاء تحكيم محكمة العدل الدولية بشأن الصومال وكينيا نعمة من السماء للبنان الذي وجد فيه الجواب القانوني الذي طالبته به أميركا وإسرائيل بشأن صخرة “تيخيليت” التي أضافتها الدولة العبرية لتوسيع ما تعتبرها حقّها في البحر.

هل ثمة أسباب سياسية إذاً قفزت على الأسباب التقنية؟

هنا يجب التدقيق بما حمله آموس هوكشتاين من وعود وانذارات باسم أميركا الى لبنان قبل أن ينتقل منه الى إسرائيل. فهو حصر مستقبل الثروة اللبنانية بما بين خطي 1 و 23، وهو جاء في لحظة اقتصادية لبنانية حرجة جدا حيث الطوق الاقتصادي والفقر والانهيارات، وفي لحظة سياسية وانتخابية مُقلقة، حيث أن لبنان يقف على عتبتي الانتخابات النيابية والرئاسية.

لكن الذي خدم أميركا وإسرائيل أكثر، هو هذا النزاع اللبناني الداخلية، وتناقض الآراء، بحيث أن هوكشتاين كان يسمع آراء مُختلفة، ويرى بأم العين رغبة معظم الأطراف بحصول على رضى أميركي. وقد سمع مثلا أحد الأطراف يقول له :” انا موافق تماما معك، لكن فلان سيعطّل كل جهودك كما عطّلها سابقا لأني موافق”.

وهنا السؤال: هل حصول لُبنان على جزء من ثروته عبر الخط 23 هو أفضل من اللاشيء كما كان يقول الحبيب بورقيبة، أم أن هذه المواقفة على الخط المذكور ستعطي إسرائيل أملا أكبر بمشاركة لُبنان على بلوكاته الغازية الأخرى وبينها قانا نفسها والبلوك 8 وغيرهما…؟

ليس في معهود إسرائيل طيبة القلب، أو إعطاء أعدائها لاحقا ما حجبته راهنا…والواضح أن لُبنان سلّمها ورقة مجّانية لا شك ستفيد منها كثيرا، مهما كانت التبريرات اللبنانية…

ربما على الوفد العسكري كشف كل مفاوضاته مع إسرائيل، لأنه ومنذ ضم مجموعة كبيرة من الخبراء واسس معهد الهيدروغرافيا وقام بدورات عالمية، واستند الى خبرات كبيرة مثل نجيب مسيحي، يجد نفسه اليوم عُرضة للتشكيك والتخوين او الاتهام بقلة الخبرة والمعرفة.  

صحيح أن رئيس الجمهورية فاجأ الجميع بالحديث عن الخط 23، لكن الصحيح أكثر أن الرئيس تجرأ على الإفصاح عما قام به الجميع في الظل، والصحيح كذلك أنه لم يشذ عن تحالفه مع المقاومة أو موقفه من إسرائيل منذ توليه السلطة. هو أفصح عما يوافق عليه كثيرون  والاّ فلماذا تمت المماطلة في توقيع المرسوم 6433، ولماذا لم يؤخذ بدراسة بريطانية سُلّمت الى لبنان منذ الحكومة السابقة للرئيس نجيب ميقاتي وتتحدث عن حق لبنان بخط يُشبه الخط 29؟ ولماذا لم يتم تبني الخط prime 23   الذي طرحه الوفد العسكري المفاوض منذ ذهابه الى قبرص وهو يتخطى بأميال جنوبا الخط 23 ؟ ولماذا انتزع الملف من الوفد التقني وسُلّم الى السياسيين؟ وماذا فعل النوّاب؟ وماذا يفعل الشعب ؟

إن لم تكن كل هذه تنازلات، فما هي التنازلات؟  فهل في الأمر عقلانية أم ، أم خطأ في التقدير، أم صفقة سياسية؟ الأيام ستوضح ذلك لكن الأكيد أن الوفد العسكري والتقني الذي فاوض برهن عن حرفية عالية ولا يُمكن الشك بقدراته، فالسياسة هي التي اختارت حلا آخر اعتقدوا أنه قريب، ولكن سيبدأ النقاش به الآن ولن ينته الا بعد عشرات السنين، وحقل افروديت المُشترك بين قبرص واسرائيل شاهد على ذلك، حيث بدأ النقاش به عام 2012 لتقاسمه ولم ينته حتى الآن، وهما دولتنا صديقتان.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button