آخر خبرافتتاحية

لبنان: ما بعد الانتخابات أهم منها..والترسيم مفصلي

التقرير الاستراتيجي 

باريس-سامي كليب:

يبتسم الدبلوماسي الأميركي حين أسالُه عن حقيقة اللقاءات غير المُباشرة التي حصلت خارج لبنان بين رئيس التيار الوطني جبران باسيل وآموس هوكشتاين الوسيط الأميركي لترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل. يُسارع الى القول:” الغريب في لُبنان، أن السياسيين عندكم وكذلك كثيرا من الصحافيين يعتقدون أن العالم يدور حول بلدهم، وأن السياسة الأميركية تُشبه كواليس الصفقات اللبنانية، هل تعلم ماذا يعني قضائيا في أميركا لو التقى سراً مسؤول أميركي بأي شخص خاضع للعقوبات الأميركية، لا أعتقد ان هوكشتاين الذي يرسم مستقبله السياسي في أميركا بدقة، يرتكب هكذا أخطاء؟ “

 أقول له :” لكن أميركا كانت انتقائية في عقوباتها، وثمة فاسدون في لُبنان أنهكوا الوطن وأفقروا شعبه لم تقتربوا منهم، وكذلك انتم تتفاوضون مع إيران وهي مشمولة بعقوباتكم” فيسارع الى الاجابة :” ربما ثمة انتقائية لكن القضاء الأميركي ووزارة المالية حين يتخذان هكذا قرارات يستندان الى وثائق ومعلومات دقيقة، واعتقد أننا لو دققنا بسجلات أي مسؤول لبناني سنضعه تحت العقوبات، وفي هذا ربما معك حق ” ويضحك.

تبدو الصورةُ من خارج لُبنان أكثر وضوحا حيال مستقبل هذا الوطن الحائر والقلق. وخلافا للداخل اللبناني المشغول بالتحضير لانتخابات لن تحمل تغييرات مفصلية في التركيبة السياسية أو في جوهر النظام، يبدو أن الخطوط الدولية المفتوحة مع أكثر من طرف إقليمي ومحلّي، تبحث في ما بعد الانتخابات: كيف سيكون شكل النظام؟ من سيكون الرئيس؟ هل يعود الرئيس نجيب ميقاتي الى الحكومة أم لا؟ واللافت أن ثمة التقاءً أميركيا أوروبيا حول قائد الجيش العماد جوزيف عون أكثر من غيره. ليس فقط لشخصه الذي لاقى أصداء طيبة في خلال لقاءاته في الولايات المتحدة حيث تخطّت تلك اللقاءات معهود ما يحصل عادة مع قائدٍ للجيش، ولكن أيضا لأن المؤسسة العسكرية اللُبنانية تبدو جاذبة لأنظار كثيرة في الخارج حاليا، ولمواكبة ما يتم التحضير له لما بعد الانتخابات. وربما كانت إشارة أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله الأخيرة حيال شكوك في العلاقات الاميركية مع الجيش، لا تهدف الى تخوين هذه المؤسسة المحبوبة لُبنانيا، وانما للتذكير بأن التفاوض على أي منصب كبير يمرّ أيضا بالحزب وليس ضده.  

الواقع أنه في مقابل الكلام الداخلي اللبناني من قبل بعض الأطراف عن ” احتلال إيراني”، فإن طهران قد تُصبح طرفا في التشكيل المُقبل للُبنان، تماما كما كان الشأن سابقا مع سوريا، مع الفارق أن طهران لا تحتاج لوجود مُباشر، ذلك أن حزب الله يملأ فراغا كبيرا ،ما كان مُمكنا في العصر السوري. لن تصبح طهران طرفا وحيدا، وانما من المُفترض أن تلعب هي والسعودية وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية دور رُعاة الشكل المُقبل للبنان، والاتفاق على رئيس للجمهورية وآخر للحكومة.

ترسيم الحدود مفصلي:

الخط 23 المتعرّج لا يضير أحدا كحل وسطي بين لُبنان وإسرائيل، هكذا يبدو من حصيلة جولة هوكشتاين الى بيروت. ومع قرار الجيش اللبناني تسليم الملف الى السياسيين (وحسنا فعل العماد عون وخصوصا حين طلب التوقّف عن التحدث باسمه)، صار محور التفاوض  ينحصر بين الولايات المتحدة الأميركية ومن خلفها إسرائيل من جهة، ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون والى جانبه الوزير باسيل، وكذلك مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي من جهة ثانية.

وفق المعطيات المتوافرة حتى الآن، فإن الرئيس برّي حدّد سقفا مرنا، ومفاده ” كل شيء تحت سقف اتفاق الهدنة مقبول، ولا تدخلونا في مسألة الشركات والتنقيب والتقاسم وكل ما يوحي بالتطبيع”.  الواقع أن هوكشتاين هو من هذا الرأي أيضا خلافا لكل ما قيل في لُبنان من أنه عرض إزالة قضية الترسيم والتركيز على تقاسم الثروة بين لبنان وإسرائيل. وذلك بناء على سؤال واضح:” كيف سيتم تقاسم الثروة، طالما لا نعرف ما هي حدود كل من الطرفين؟”.

حزب الله لا يعارض مسألة الخط المذكور، لكنه تماما كما الرئيس بري يضع خطأ احمر وحيدا: لا تطبيع مع العدو، وكل ما يُسهّل التفاوض من أجل استخراج الثروات اللبنانية لن يتعرّض للإعاقة إذا ما صدقت النوايا الدولية ولم يحصل اعتداء إسرائيلي على هذه الثروة. والأمر متروك بشكل عام لرئيس المجلس. مثل هذا الموقع لا شك سيساعد أيضا إيران في مفاوضاتها. 

على الطرف الآخر، وهنا نعني خصوصا مستقبل الوزير باسيل صوب رئاسة الجمهورية. فشرطُ رفع العقوبات عن الرجل كان وسيبقى حاضرا بقوة. لم يتبق وقتٌ طويل للانتخابات الرئاسية، والزمن سريع، ولو ضاعت هذه الفرصة، قد لا تكون الأمور سهلة. لذلك فمن مصلحة رئيس الجمهورية وصهره أيضا إبداء مرونة حيال المفاوض الأميركي، وذلك رغم الصعوبة الكبيرة التي تواجه باسيل في سيره صوب الرئاسة وفق ما ذكر لي مصدر فرنسي رفيع. لكن في لُبنان لا شيء ثابت.

ما تقدّم يوحي بشيء من التفاؤل حول مستقبل الثروة اللبنانية. لكن كما في كل تاريخ التفاوض مع إسرائيل، لن تكون الأمور سهلة، ذلك أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تُدرك أن مجرّد انتقال لُبنان الى شيء من الرفاهية الاقتصادية مع وجود قوة عسكرية وسياسية كبيرة لحزب الله، وحضور إيراني قوي، فهذا ضد مصلحتها الاستراتيجية والمصيرية.

هنا بالضبط يبدأ النقاش الدولي الإقليمي. فحزب الله قد رتّب أموره كي يحافظ على عدد نوابه وربما يطمح لزيادة عددهم مع حلفائه. ومع انسحاب الرئيس سعد الحريري وتيار المُستقبل من المواجهة، ومع اضطراب العلاقة مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ومع إعادة ضبط عقارب الساعة مع التيار الوطني، قد يكون الحزب الأكثر راحة في المعركة الانتخابية، أو لنقل  سيكون الأقل عُرضة للاهتزاز.

لكن ماذا بعد الانتخابات؟

هذا هو السؤال. ثمة غضب حقيقي داخل بعض تيار المستقبل من قرار الرئيس الحريري ليس بسبب سحب عائلة الحريري من الواجهة وانما أيضا كامل التيّار. وهناك خطوات كثيرة يجري بحثها، وبعضها يتمحور حول شخص الرئيس السابق فؤاد السنيورة (ولا ندري اذا كان هذا سيكون لصالح الحريري أم ضده)،  لا أحد من المعنيين الغربيين في الشأن اللبناني الذي التقيناهم، يؤكد أن السعودية طلبت من الحريري وقف تقدّم تيار المُستقبل صوب الانتخابات، وإنما الغضب كان فقط على آل الحريري. ولذلك جاء قرار الرئيس الحريري مفاجئا حيال تيّاره. أما الرئيس ميقاتي يبدو مُرتاحا جدا لمستقبله، لأنه صار يُشكل مجموعة تقاطعات جيدة من الغرب وأميركا الى إيران وسوريا وحزب الله نفسه. ويقول مصدرٌ فرنسي مهتم جدا بالشأن اللبناني :” ميقاتي يبدو الأوفر حظا للبقاء في الحكومة”. وحين نسأل عن علاقته بحزب الله، يقال إنها صارت أكثر مدعاة للثقة من السابق، والخطوط ممتازة، لكن احتمالات بعض التباينات داخل الحكومة ممكنة ذلك أن ثمة وجهتي نظر قد تختلفان في مسائل بعض الإصلاحات ورفع الدعم ” 

والى البلبلة السُنيّة الواضحة والخطيرة، والتصارع التاريخي المستمر بين المسيحيين، يُطرح سؤال مفصلي آخر، ماذا سيكون حجم الحضور الشيعي في التركيبة اللُبنانية المُقبلة؟

الواقع أنه مهما كانت نتائج الانتخابات، وتقدّم بعض وجوه المجتمع المدني صوبها، وحتى لو تأجلت، فإن لُبنان سيحتاج الى مؤتمر تأسيسي جديد، وهذا بالضبط ما يجري العمل حثيثا عليه. ولو أثمرت المفاوضات النووية مع إيران أمراً إيجابياً، وتقدّمت المفاوضات الإيرانية السعودية صوب مناخات أقل وطأة، وانتهى موضوع الترسيم، سيكون لُبنان حتما أمام صورة مُختلفة تماما، أو على الأقل سيبدأ التحضير لشكل آخر من النظام، وسيكون صندوق النقد الدولي جاهزا لمواكبة كل ذلك بفتح الخزائن.  

هكذا على الأقل تبدو الصورة من الخارج. وغير هذا، يعني حربا إسرائيلية لُبنانية قبل أي تسوية. والواضح أن لا أحد يُريد الحرب في الوقت الراهن.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button