خطورة التصعيد، قبل الصفقات؟؟

محمد محمود شحادة

في لحظة دولية شديدة الحساسية، عاد الملف الروسي ـ الأوكراني إلى الاشتعال مجدداً في مطلع أيار الحالي بالتزامن مع تصاعد المفاوضات الكبرى المتعلقة بحرب إيران وأميركا وإسرائيل ولبنان، وايضاً استمرار التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان والضاحية والبقاع، وفي ظل اقتراب زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامبإلى الصين في الخامس عشر من هذا الشهر، هذا التزامن لا يبدو عشوائياً بل يوحي بأن العالم يقف أمام محاولة إعادة صياغة شاملة للتوازنات الدولية، حيث لم تعد هذه الحروب تستر انفصالها عن بعضها بل أصبحت ظاهرة الارتباط ضمن شبكة واحدة من المصالح الجيوسياسية والطاقة والاقتصاد والأمن العالمي، فلاديمر بوتين قد يظهر بمظهر المتفرج والمراقب لحرب ايران لو طالت شهور، ولكن عندما يشعر ان المفاوضات الجادة اقتربت يعرف كيف يضع روسيا على طاولة اسلام اباد.
فالقراءة التقليدية التي تفصل بين الحرب الروسية ـ الأوكرانية وبين ملفات الشرق الأوسط تبدو اليوم قاصرة عن فهم المشهد، ان الحرب في اوكرانيا لم تعد مجرد صراع حدودي مع روسيا، بل تحولت منذ سنوات إلى معركة حول مستقبل الطاقة العالمية والموارد الخام، والهيمنة على طرق التجارة والتحكم بأسعار الغاز والنفط، وإعادة تشكيل النظام الدولي، وفي المقابل ايضاً فإن التفاوض الأميركي ـ الإيراني الذي يجري في باكستان لا يتعلق فقط بالنووي الإيراني، بل بمستقبل المنطقة الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط.
من هنا، يصبح مفهوماً لماذا عاد الملف الروسي إلى الواجهة بالتزامن مع مفاوضات الشرق الأوسط، أوروبا تعيش أزمة استراتيجية عميقة منذ سنوات بسبب الغاز الروسي، فبعد العقوبات الغربية ومحاولات تقليل الاعتماد على موسكو، ارتفعت كلفة الطاقة الأوروبية بشكل كبير، وتراجعت القدرة الصناعية لبعض الاقتصادات الكبرى، خصوصاً ألمانيا وفي المقابل تسعى روسيا إلى إعادة فرض نفسها كمصدر طاقة لا يمكن تجاوزه، سواء عبر الغاز أو النفط أو حتى عبر التحكم بالممرات البحرية والبرية.
لكن العامل الجديد اليوم يتمثل في دخول إيران بقوة إلى معادلة الطاقة العالمية، فإيران تمتلك واحداً من أكبر احتياطات الغاز في العالم، إضافة إلى احتياطات نفطية هائلة، وهي تشكل عقدة جغرافية أساسية تربط الخليج بآسيا الوسطى والصين وروسيا، ولذلك فإن أي اتفاق شامل مع طهران لن يكون مجرد تسوية نووية، بل إعادة توزيع لمصادر الطاقة وخطوط النقل والأسواق العالمية.
هنا تظهر أهمية الصين، فبكين ليست مجرد وسيط اقتصادي بل اللاعب الأكثر استفادة من أي تهدئة شاملة، الصين تحتاج إلى النفط الإيراني بأسعار مستقرة، وتحتاج أيضاً إلى استقرار طريق الحرير الجديد الذي يربط آسيا بأوروبا عبر إيران وروسيا وآسيا الوسطى، أي انفجار واسع في الشرق الأوسط أو استمرار الحرب الروسية ـ الأوكرانية يهدد مباشرة المشروع الصيني العملاق القائم على التجارة البرية والطاقة والبنى التحتية.
لذلك، فإن زيارة ترامب المرتقبة إلى الصين قد تكون أبعد من مجرد زيارة ثنائية، قد تكون جزءاً من محاولة أميركية ـ صينية لإعادة ترتيب الملفات الدولية الكبرى دفعة واحدة، خصوصاً أن واشنطن تدرك أن استنزاف العالم بحروب متزامنة بدأ يهدد الاقتصاد العالمي بأسره، بما في ذلك الاقتصاد الأميركي نفسه.
أما إسرائيل، فتبدو وكأنها تحاول استثمار اللحظة التفاوضية عبر تصعيد الضغط العسكري في لبنان وغزة وربما سوريا والعراق وقد تصل لإيران كل ذلك يراه المراقبون وسيلة لتخريب المفاوضات، لكن اذا اقتربنا اكثر من الواقع نجد هذا التصعيد لإسرائيل بهدف تحسين شروطها السياسية قبل الوصول إلى أي تسوية كبرى، فكلما اقتربت المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية من الحلول، ازدادت خشية نتنياهو من الهدوء داخل إسرائيل الذي قد يطيح بحياته السيسية، وايضاً الخشية كاسرائيل من إنتاج نظام إقليمي جديد يفرض عليها قيوداً أو يحد من حرية حركتها العسكرية وتوسعاتها، ولذلك يمكن فهم التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان والضاحية والبقاع باعتباره رسالة ضغط بالنار على طاولة التفاوض.
في المقابل، تحاول إيران استخدام أوراقها الإقليمية من لبنان إلى العراق واليمن لتعزيز موقعها التفاوضي، لكنها تدرك أيضاً أن أي انفجار شامل قد يهدد مصالحها الاقتصادية المستقبلية، خصوصاً إذا كانت هناك فرصة حقيقية لرفع العقوبات وعودة النفط الإيراني بقوة إلى الأسواق العالمية، بغض النظر عن وضع مضيق هرمز الذي بات محرجاً للطرفين سيما مع بداية الفتسرب النفطي الى محيط الجزر الإيرانية.
ان أكثر الأفكار المثيرة التي بدأت تُطرح في الكواليس الدولية مسألة وضع البرنامج النووي الإيراني أو جزء منه تحت إشراف أو امانة روسية، هذا الاقتراح يعكس محاولة لإنتاج صيغة وسطية: لا هزيمة كاملة لإيران، ولا امتلاك كامل لقدرات نووية مستقلة، روسيا هنا تتحول إلى ضامن تقني وسياسي، بما يحفظ ماء وجه الجميع، فموسكو تحتاج إلى الحفاظ على تحالفها مع طهران، لكنها تحتاج أيضاً إلى تفاهمات أوسع مع الغرب بشأن أوكرانيا والعقوبات والطاقة.
هذا الربط بين النووي الإيراني والحرب الأوكرانية والطاقة الأوروبية ليس نظرياً، بل واقعي للغاية، فإذا نجحت التسويات، قد نشهد إعادة ضخ الغاز الروسي إلى أوروبا بصيغ جديدة، بالتوازي مع دخول النفط الإيراني إلى الأسواق بشكل أوسع، ما يخفف الضغط عن الاقتصاد العالمي ويمنح الصين استقراراً استراتيجياً تحتاجه بشدة.
لكن في المقابل، فإن فشل هذه التفاهمات قد يقود إلى العكس تماماً: تصعيد شامل يمتد من أوكرانيا إلى لبنان والخليج، مع ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة، وانقسام دولي أكثر حدة بين المعسكر الأميركي والمعسكر الروسي ـ الصيني.
العالم اليوم لا يعيش مجرد تعدد أزمات، بل يعيش لحظة إعادة تركيب للنظام الدولي كله، فالحرب الروسية ـ الأوكرانية والنووي الإيراني وتوسعات إسرائيل وغاز أوروبا وطريق الحرير الصيني والنفط الخليجي، كلها تحولت إلى ملفات مترابطة داخل معادلة واحدة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل هناك حرب هنا أو مفاوضات هناك؟ بل: هل نحن أمام ولادة نظام عالمي للطاقة يعيد توزيع النفوذ والطاقة والتجارة بين القوى الكبرى؟
قد يكون التصعيد الحالي علامة خطر شديد، لكنه قد يكون أيضاً المرحلة الأخيرة قبل التسويات الكبرى، لأن التاريخ كثيراً ما يثبت أن الحروب تبلغ ذروتها قبيل الاتفاقات الكبرى. وفي عالم المصالح، لا تتحرك الدول الكبرى بدافع العواطف، بل وفق خرائط الغاز والنفط والممرات التجارية والتوازنات العسكرية.
ومن هنا، تبدو إسلام آباد اليوم أكثر من مجرد مدينة تستضيف مفاوضات؛ إنها ربما إحدى العواصم التي يُعاد فيها رسم شكل العالم القادم، من أوروبا الشرقية حتى الخليج الفارسي، مروراً بلبنان والصين وروسيا.




