آخر خبرافتتاحية

الجزائر لو تحرّكت…؟

سامي كليب

في الجزائر كملة ” نِيف” تُحدّد الكثير من الثوابت في حياة هذا البلد العظيم وشعبه. والنيف تعني ” الأنفة” أي الشعور بالاعتزاز والترفّع عن الصغائر والحفاظ على الكرامة منارةً يُهتدى بنورها. تقلّبت أحوال كثيرة في هذا البلاد الذي عانى 130 عاما من الاستعمار وقدم أكثر من مليون شهيد ليتحرر. فعرفت البلادُ انقلاباتٍ، ثم استقراراً في ظل حكم الحزب الواحد ” حزب جبهة التحرير” ثم انفتاحاً نحو التعدد، ثم انتخابات، ثم 10 سنوات من الحرب الضروس في ما عُرفت ب ” العشرية السوداء، أو الحمراء”، ثم محاولات لزرع الفتنة بين العرب والأمازيغ( رغم انهم اشقاء في الحياة والنضال) وعرفت الفساد السلطوي، ثم جاءت  الثورة الأخيرة فيها لتُشكّل نموذجا فريدا للإطاحة بالسلطة سلمياً….

 في كل هذه التقلّبات بقيت الجزائر تردّد شعار الرئيس الراحل هوّاري بومدين:” نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”. وفي كل هذه التقلّبات، بقي قلبُ الجزائريين ينبض على قلوب القضايا العربية، لا بل أن الشعب الجزائري كان يقف مُصفّقا لفريق كرة القدم الفلسطيني ضد فريق بلاده. وهذه حالة نادرة في العالم.

من تاريخ ” النيف” الاجتماعي والسياسي هذا، تعود الجزائر للتحرّك صوب القضايا العربية. تجذّف في عدد من القضايا ضد التيّار، فتعمل مثلا على طرد إسرائيل من الاتحاد الافريقي فيما صفقة القرن كادت تدفع معظم الدول العربية للتطبيع، وتسعى لإعادة سورية الى مقعدها في جامعة الدول العربية رغم اعتراض علني من دولٍ أخرى، وتقف الى جانب مصر في أمنها القومي المائي بشأن سد النهضة، وتعمل على انهاء حرب ليبيا بطرق سلمية صحيحة بعدما تحوّلت وعود أنهار اللبن والعسل والحريات والديمقراطية للدول التي اجتاحتها الى خراب وتقسيم وإرهاب وفتن واقتتال ونهب للثروة.

تستند القيادة السياسية والعسكرية للجزائر على عمقٍ شعبي مؤيد للقضية الفلسطينية حتى النخاع. فتبادر الى محاولة جمع التيارات الفلسطينية المتناقضة او الأحرى المتناحرة رغم ان تناحرها (الغبي) لا يخدم الا إسرائيل، وتسعى لإعادة تعزيز فكرة السلام مقابل الانسحاب وليس فكرة السلام لأجل اللاشيء، رغم صعوبة ذلك في الأجواء العربية الحالية.

من هذا المُنطق يُمكن فهم أهمية القمة الجزائرية المصرية الأخيرة، والملفات التي طُرحت فيها والتي لم يُفصَح عن الأهم فيها. صحيح أن مصر كانت الدولة العربية الأولى في التطبيع مع إسرائيل عبر اتفاقية كامب دافيد، لكن الصحيح أيضا أن القاهرة مُستاءة ضمنيا من الانفتاح العربي الكبير الذي حصل حيال تل أبيب في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، فهي دولة كبيرة وعندها مؤسسات عريقة، نجحت في منع الدعاية الإسرائيلية حتى الآن من جعل شعبها يتقبّل التطبيع، وما زالت نقاباتها تُقاطع وتُعاقب من يُطبّع فكريا وثقافيا وفنيّا وغيرها. لذلك فالقاهرة  بالمقابل تنظر بعين القلق الى سرعة الاندماج الإسرائيلي في الدول التي طبّعت مؤخرا، والى المشاريع الكبيرة التي يجري التخطيط لها عند حدودها والى خطورة الاختراقات الكبيرة مُسقبلا.  

مصر والجزائر دولتان عربيتان وافريقيتان كبيرتان ومهمّتان، فالأولى تخطى عدد سكانها المئة مليون نسمة، والثانية وصل الى 44 مليونا، ولا تقل مساحة الجزائر عن 2،382 مليون كلم2، ودورها في محيطها الجغرافي العربي الافريقي كبير لكونها مُحاطة بليبيا وتونس والنجير ومالي والمملكة المغربية وموريتانيا، وفيها ثروات باطنية كبيرة وشعب ذو نسبة عالية من الشباب واليد العاملة.  

واذا كانت الجزائر قد ارتبطت تاريخيا بعلاقات قوية مع الاتحاد السوفياتي، الا أنها في السنوات الأخيرة صارت أكثر تعزيزا لعلاقاتها مع روسيا فلاديمير بوتين، بعد أن كانت واشنطن وباريس تتنازعان التنافس على الصفقات معها وتسعيان للعب سياسة العصا والجزرة حيال بلد كسر كل العصي تاريخيا وليس في معهوده البحث عن جزر.   

في العام 2006، ألغى بوتين ديون الجزائر التي كانت وصلت الى 4،7 مليار دولار، وتعزّز التعاون في مجالات مختلفة، من الأسلحة ( ثلثا السلاح الجزائري يأتي من روسيا) الى المجالات البحرية والجوية الى النفط والتجارة والتربية والثقافة، وانتقل التبادل التجاري من 200 مليون دولار في العام 2000 الى أكثر من 5 مليارات دولار في العام الماضي. يكفي ان نذكر مثلا ان الاتفاق الشهير الذي تم توقيعه بين الجزائر وروسيا في العام 2007 عبر شركتي “غازبروم” و “سوناطراك” قلب معادلات نفطية كبيرة على مستوى المنطقة، ذلك ان التحالف الغازي بين الجانبين صار يضمن 27% من الغاز الى أوروبا، وارتفع معدل العائدات الجزائرية من هذا القطاع مرتين تقريبا.

كذلك فإن الجزائر التي تعيد منذ فترة تعزيز علاقاتها العربية من الخليج الى مصر وغيرها، طوّرت علاقاتها مع إيران، والذي تفرضه ملفات عديدة بينها موقف البلدين حيال إسرائيل، ولكن أيضا التبادل المصلحي، فمثلا الجزائر تحتاج الى تكنولوجيا المعلوماتية في سياق الحروب السيبرانية خصوصا بعد صراعها مع جراتها المغربية. وقد اتهمت الجزائر غير مرة أجهزة إسرائيلية باختراق شبكاتها من خلال الجوار المغربي، وهو ما نفته الرباط مرارا. كما تطورت العلاقات الجزائرية التركية على نحو لافت مؤخرا، وتم التوقيع في أواخر العام الماضي على سلسلة من الاتفاقيات الهامة بين البلدين. 

كل ما تقدّم، يُفيد بأن الجزائر التي منذ استقلالها نجحت في منع أي دولة خارجية من التحكم بقراراتها الداخلية، وألزمت المستعمر السابق بعدد من الخطوات وبينها فتح الأرشيف القانوني والقضائي في خلال الاستعمار والحرب، تستطيع أن تلعب دور الوساطة في أكثر من قضية عربية، وهي تُشكل مع مصر ركيزة مُهمة لإعادة تحديد أسس العلاقات العربية، واستنهاض مشروع عربي، وتعزيز الدور العربي في المحيط والعالم وإعادة تصويب بوصلة الصراع العربي-الاسرائيلي.

ولو تعزّزت العلاقات بين هذا الثنائي والسعودية مثلا وفق ما نرى من الخطوات الكثيرة الجارية حاليا، يُمكن الشروع في استنهاض عدد من المشاريع والخطط العربية للمستقبل، خصوصا ان العرب سيواجهون في العقود المُقبلة خطرا كبيرا حيال ثرواتهم الطبيعية والبشرية، وبسبب التخلّف العلمي والتكنولوجي، وهم قادرون في الوقت الراهن على الإفادة بعمق من التنافس الدولي الذي سيزداد شراسة في المستقبل بين الدول الأطلسية من جهة والصين وروسيا من جهة ثانية. فكل هذه الدول بحاجة إليهم كما هم بحاجة اليها.   

لنذكر فقط ان عدد سكان الدول الثلاث مصر والسعودية والجزائر يكاد يصل الى 180 مليون شخص، وان فيها من الثروات الطبيعية والبشرية واليد العامة والأراضي الخصبة (خصوصا في الجزائر) ما يجعل احتمالات النهضة قائمة فعليا واحتمالات التكامل أكثر من حتمية، خصوصا إذا ما تم تخطي مشاكل الحاضر وفي مقدمها المصالحة الضرورية بين الجزائر وجارتها المملكة المغربية، وانهاء الحروب العربية، وإصلاح جامعة الدول العربية.  ولعل ما بدأته مصر مع الأردن والعراق، يُمكن أن يتعزز أكثر مع الجزائر أيضا.

هل هذا كثير؟ وهل هو فعلا مستحيل؟ ألم يحن الوقت للخروج من الخراب العربي نحو خطة ولو متواضعة صوب نهضة اقتصادية وعلمية وفكرية ووقف حروب لا طائل منها؟  

لا بُدّ من بعض النيف الجزائري لهذه الأمة؟

Related Articles

2 Comments

  1. عنوان يلعب على وتر العاطفة، كعادتنا نحن العرب… و مقال جميل يحمل الكثير من الأفكار التي تحتاج فعلا الى التأمل! ماذا لو فعلا اجتمع شمل العرب حول مركز ثلاثي (السعودية-مصر-الجزائر)؟ محور قوي يمكنه اذا اصطف حوله كل العرب أن يكون قوة دبلوماسية و اقتصادية تغير موازين القوى في العالم بأسره! لكن… للأسف! عزيزي سـامي فاتتك نقطة مهمة جدا أو قل شرط بدونه يصعب، بل يستحيل، أن يتحقق ما ذكرته… الجزائر (و الكلام ينسحب على مصر و السعودية و كل الدول العربية) مستلبة للأسف، تحكمها طغمة اغتصبت الحكم و احتكرته.. ما حصل من انتخابات افرزت تبون رئيسا مجرد مسرحية. نفس العصابة لازالت تحكم و بنفس الوجوه تقريبا بعد أن ضحوا ببعض الوزراء و المسؤولين! بدون ديمقراطية حقة و حرية تعبير و دولة مدنية لن نحصل الا نفس الفشل. العسكر يحكمون الجزائر و العرب قاطبة و هم لب المشكل. و سأتوقف هنا لأنه لا يمكن أن أطيل تعليقي أكثر من هذا. شكرا.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button