ثقافة ومنوعاتشباب 20

لماذا أنا فلسطيني يا أبي…؟

مرح زياد الحصني

تزامناً مع يوم ٢٩ تشرين الثاني/ نوفمبر أي اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، قد يكون من المفيد العودة الى  رواية “الفلسطيني” للكاتب والسيناريست حسن سامي يوسف، الذي يعد من أصدق من نبش في الجراح الفلسطينية ووضع عليها برتقالاً وياسميناً، حيثُ يقول : “فلسطين راحت وأعطوا الفلسطينيين بدلاً منها خيشاً ومخيمات وإسطبلات”.

بشفافيةٍ تامةٍ كتب يوسف عن نظرة العالم الخارجي للفلسطيني، من دون بهرجة أو مغالاة أو خداعٍ أو استعطاف، فالفلسطيني بات بالنسبة للعالم جرثومة ضارة أو بؤرة فساد دون أي خجلٍ أو مواربةٍ أو اختباءٍ خلف الأصابع. راح الكاتب يعرّي الأشياء كي يفهم منطقها ، وكان بعد كلّ محاولة  يصرحُ بعجزه عن فهم هذا المنطق، وهو ما يشبه بحزنه فشل شارلي شابلن على حلبة المصارعة، فكيف لا يردد تلك العبارة القائلة إن “منطق الأشياء يقول: من حقِّ القويّ أن يأكل الضعيف..”؟ اليس هذا هو واقع الفلسطيني خصوصا والعربي بشكل عام في وقتنا الراهن؟ 

حسن سامي يوسف واضح وصريح وجريء وشفّاف، فهو يروي التاريخ كما يراه، أو يؤرخ الرواية، أو ينبش المنطق واللامنطق من ذاك الجسر القائم بين حقيقة التاريخ الضائعة، والرواية الباحثة عن الحقيقة في متاهات الحكايات المتعددة.   

 تشدّنا في الرواية،  شخصية مدرّس العلوم الذي لا يفقهُ شيئاً عن علم الحيوان والنبات، بلّ يعلم ويُعلّم طلابهُ كلّ شيءٍ عن علم الإنسان ومهر فلسطين الممزوج بالدماء، فتتراءى لنا شخصية غسان كنفاني. ثم تجذبنا شخصية حسن  الذي لايزال حتى يومنا طالبا وفيّا يحكي سيرة مدرسه العطرة أينما حلّ، تماماً كما يخبرنا عيسى في الرواية، من خلال سفره إلى الماضي مأساة طفولته، ثم ننتقلُ مع زوجته فاطمة ومرضها ولوعتها مع ذاك المريض النفسي الذي أحبته حتى الجنون، والذي بدوره هجرها حتى المرض، لم يكن عيسى مريضاً نفسياً حقيقياً بقدر كونه مهووساً بمعرفة الحقيقة التي لا سبيل إليها إلا الجنون والركض خلف المعارك والموت، فيقول مخاطباً فاطمة :“لأنك لا تدركين معنى أن يعلن محاربٌ قديم مثلي استسلامه بشرط أو دونما شرط”.

كان عيسى مهجوسا بمعرفة الحكمة من وراء كونه فلسطينياً، والحكمة من وراء كلّ التعاسة التي يعيشها في ظلّ لعنة الهوية، لكنه لم يصل يوماً إلى جوابٍ يرضي هوسه ويخرجه من دوامة الجنون اللعينة.

تنتهي الرواية بالرّحيل، فهو وسيلة عيسى للسير على خطى والده الذي رحل، فكان في رحيله أيضا رحيل الوطن. وكان في غياب الأب عن عائلته غيابا عن الوطن، فعاقب عيسى نفسه بالذهاب بقدميه إلى الموت، رحل ذلك الشاب الأشقر صاحب العيون الزرقاء رغم جميع الأقاويل التي تنفي رحيله، رحل عيسى دون أن يرى أحد جثته، رحل ولكنه بقي فلسطينياً من هنا وإلى الأبد.

مرت سنوات طويلة على هذه الرواية ( نحو 23 عاما) لكن كاتبها الذي أبدع في روايات لاحقة وفي سيناريوهات أفلام وُصفت بأنها خارجة عن مألوف كل ما عرفناه، لم يتغيّر، ولم يغيّر نظرته الثاقبة الى قضيته الام والى القضايا العربية بشكل عام، ففي رائعته الجديدة  “على رصيف العُمْر”،يسحرنا، كما في معظم رواياته وسيناريوهاته بتلك التفاصيل الدقيقة التي تكاد تلاحق النَفَس وليس فقط المشاهد، لتقدّم لنا في كل مرة مشهدية عامة تضع الاصبع على الجرح الحقيق في قلب هذه الامة، بعيدا عن التزلّف والقدح والمدح، فتصبح كل شخصية في رواياته او سيناريوهاته عاكسة كثيرا مما في دواخلنا، تقول ما نحاول عدم قوله او نخشاه أو نحيد عنه. 

 

نبذة عن حسن سامي يوسف

ولد في قرية لوبيا قرب طبريا في فلسطين عام 1945

بعد نكبة فلسطين هاجر مع أهله الى لبنان فسوريا  

تعلّم في مدراس الأنروا ثم في ثانوية عبد الرحمن الكواكبي.

بدأ حياته الفنيّة ممثلا في المسرح القومي في دمشق.

شكّل مع رفاق له  فرقة المسرح الوطني الفلسطيني بعد نكسية العام 1967

درس السينما في الاتحاد السوفياتي ثم بعد عودته الى دمشق عُيّن رئيسا لدائر النصوصو في المؤسسة العامة للسينما.

كتب عددا كبيرا من السيناريوهات لافلام روائية.

له جموعة من الروايات أبرزها : 

• “الفلسطيني”
• “الزورق”، 1990
• “رسالة إلى فاطمة”
• “فتاة القمر”
• “بوابة الجنة”
• “عتبة الألم”

  • هموم الدراما
  • عتبة الألم
  • على رصيف العمر

حائز على العديد من الجوائز العربية.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button