مقال اليوم

استئناف الحوار الاستراتيجي بين واشنطن والقاهرة…من ربحَ الرهان؟

هادي جان بو شعيا  

بدأت الإدارة الأميركية مرحلة استئناف الحوار الاستراتيجي مع مصر بعد تعليقه لعدة سنوات. وهي تتطلع إلى انعاش الشراكة الاستراتيجية معها على مستويات مختلفة اضافة الى العمل على تعزيز الاصلاحات السياسية. وقد حصلت لقاءات هامة في الايام الماضية خصوصا بين وزيري خارجية البلدين انتوني بلينكين وسامح شكري، اضافة الى لقاءات تمهيدية اخرى بين وفودهما.

هذه العودة الأميركية الكبرى الى مصر بعد الانفتاح المصري اللافت على روسيا والصين والذي وصل الى مرحلة استراتيجية، دفعت الكونغرس الى جدل تضاربت فيه المواقف حيال تعليق المساعدات الأميركية بذريعة حقوق الانسان، حيث انتقد السناتور الجمهوري تيد كروز حجب إدارة الرئيس جو بايدن 130 مليون دولار أميركي من المساعدات الخاصة بالأمن ومكافحة الإرهاب بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان. وهو من بين مسؤولين أميركيين يعتقدون ان اضطراب العلاقات مع الدول الحليفة تقليديا، سيدفعها أكثر الى تعزيز علاقاتها مع الدول المنافسة وفي مقدمها الصين وروسيا وهذا ما حصل أيضا مع دول الخليج وبينها السعودية.

تُطالب إدارة بايدن القاهرة بإطلاق سراح سجناء لكن دون الاعلان عن أسمائهم خشية ردود فعل أميركية وذلك لان مصر تؤكد انها تعتقلهم بتهم الارهاب وهم في معظمهم ينتمون الى جماعة الاخوان المسلمين المحظورة  والمتهمة بالارهاب في مصر والى تيارات تكفيرية.

وقد كانت إدارة الرئيس باراك أوباما أول من شجع علانية الاخوان في مصر ودعمتهم على نحو مُباشر خصوصا في الخطاب الشهير لاوباما  أمام طلاب جامعة القاهرة في العام 2009 حيث ظهر خطابه، رغم انه القاه في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، وكأنه مجموعة نصائح للحكم الاخواني المقبل وكيفية التعامل مع التيارات والطوائف والاحزاب والحريات وغيرها. كما أن الاخوان سارعوا للانفتاح على اسرائيل بعيد تولّي الرئيس محمد مرس الحكم الذي بعث برسالة ” اخوية” الى رئيس الوزراء الاسرائيلي ( وفق ما وصفها الاعلام آنذاك) ، ولم يتطرقوا ابدا الى مسألة الغاء اتفاقية كامب دافيد، وقيل إن السبب في ذلك هو  الرغبة في تعزيز العلاقات مع الادارة الديمقراطية في أميركا ، وهي أيضا الرغبة في ” التمكّن” من الحكم الداخلي بداية.

بالمقابل فان الادارة الاميركية الحالية رفعت عاليا شعار إقران المساعدات بتعزيز الديمقراطية والدفاع عن الحريات، وهو ما اعاق سلسلة من المساعدات الاميركية لمصر التي شهدت في السنوات القليلة الماضية نهضة اقتصادية وعمرانية لافتة بفضل تدفّق الاستثمارات الداخلية والخارجية وتحويلات المصريين. لكن هذه النهضة الاقتصادية لم تمنع منظمات حقوقية كبيرة من توجيه الاتهامات بشأن الحريات، ومنها مثلا منظمة حقوق الانسان ” هيومن رايتس ووتش” التي غرّد رئيسها  كينيث روث قائلا : “وعد الرئيس بايدن بأن يقود العالم في مجال حقوق الإنسان، لكن عندما يتعلق الأمر بمصر والسعودية وإسرائيل وسوريا، كبدا متقاعسا، فأن تكون لديك مبادئ أمر له دائمًا كلفة. وعندما تكون الأولوية في الغالب للمصالح الأخرى لا يعود الأمر مبدأ”.

الواضح اليوم ان إدارة بايدن قد أدركت انها لا تريد خسارة علاقات مع مصر  تعود الى القرن التاسع عشر، وشهدت أوسع التعاون في ملفات عديدة على مدى عشرات السنين، وقد قالت نائبة مساعد وزير الخارجية الاميركية كارين ساساهارا التي كانت في عداد الجانب الاميركية الذي بدأ التمهيد لاستئناف الحوار الاستراتيجي :” ان الحوار الاستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة الاميركية فرصة رائعة ناقشنا في خلالها ملفات مهمة في المنطقة” وشدّدت على أن  :” مصر هي  من بين الاقتصادات القليلة التي حققت نموا خلال السنوات الأخيرة الماضية ونريد لمجموعات العمل الأعمال الأمريكية أن تشارك في هذا البلد، ومصر تريد منا تعزيز الشراكات فيما يتعلق بالتكنولوجيا والاتصالات، والتقيت مع أعضاء من غرفة التجارة ولديهم نشاط كبير جدا ويعرفون واشنطن بشكل جيد ويريدون مزيدا من الدعم في كثير من المجالات”

بناءً على ما تقدم يمكن رصد ثلاث قراءات بشأن العلاقات المصرية الأميركية حاليا:

– الأولى: واضح ان عودة واشنطن الى هذا الحوار، تُرسل إشارات على تعديل النهج الاميركي حيال مسائل حقوق الانسان في مصر ، رغم ضغوط بعض اعضاء الكونغرس وتأكيدات منظمة حقوق الانسان بشأن احتجاز واساءة معاملة سجناء سياسيين وناشطين، وتشديد الرقابة على وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وفق منظمة هيومن رايتس ووتش ومراسلين بلاد حدود. واذا كانت إدارة بايدن بحاجة ماسة الى مساعدة مصر حاليا في ملفات اقليمية مهمة من غزة الى السودان فإثيوبيا وليبيا وسورية وغيرها، الا ان بعض اللوبيات الضاغطة، وبينها جمعيات مصرية في أميركا، تقول ان على ادارة بايدن ربط المساعدات بالضغط في مجال احترام حقوق الانسان.

– الثانية: واضح أيضا ان الحاجات والمصالح المُلحة للولايات المتحدة الاميركية في المنطقة خصوصا عشية استكمال انسحاباتها المعلنة، تحاول عبر تجديد الشراكة الاستراتيجية، التغافل عن انتقادات أميركية وحقوقية بشأن تعزيز دور الرئيس والقوات المسلّحة في مصر بعد التعديلات الاخيرة التي أقرّها مجلس النواب المصري، والتي وصفها بعض الناقدين بأنها تشبه حالة طواريء غير معلنة، خصوصا ان قانون محاربة الارهاب تعزز جدا بعد الاختراقات الارهابية الكبرى التي حصلت قبل سنوات في سيناء وغيرها. كما يجري العمل حاليا في القاهرة للتوقيع على قانون جديد لمواجهة المعلومات المضللة في عصر فيروس كورونا، ما قد يعزز قوانين الطواريء ونقل سلطات أكثر الى الحكومة والجيش.

– الثالثة: رغم ان  الرئيس بايدن لم يتحدث مع الرئيس المصري في خلال الأشهر الأربعة الأولى الا ان الملفات الاقليمية وضعته امام حقائق المنطقة والمتعلقة بمحورية الدور المصري في ملفات مهمة، خصوصا بعد اندلاع موجات العنف بين إسرائيل والفلسطينيين حين هاجم مستوطنون مدعومون من الجيش الاسرائيلي الحي الفلسطيني التاريخي في منطقة شيخ جرّاح وحاولوا طرد السكان وهدم البيوت، فكاد الأمر يُحدث انتفاضة فلسطينية كبرى حتى في المناطق الداخلية التي لم تعرف تاريخيا انتفاضات، وحدها مصر  نجحت في الوساطة والتوصل إلى صيغة لوقف إطلاق النار، فكان لا بد من التحادث بين الرئيسين.

رغم كل ما تقدّم، فان الادارة الاميركية التي رأت انزلاق اثيوبيا الى حرب أهلية ضروس بعد ان كانت هذه الدولة نفسها تهدد مصر والسودان في قضية سد النهضة، وتريد الاستمرار في انهاء آثار الحرب في ليبيا، وتستعد لضمان مستقبل الشرق الاوسط بالنسبة لحلفائها وفي مقدمهم إسرائيل التي شهدت علاقاتها بمصر تعاونا كبيرا في السنوات الماضية في قضية أمن سيناء وتهدئة اوضاع الداخل والوساطة بينها وبين حماس، وترى السودان يتخبط في انقلابه الأخير، والشركات العالمية الكبرى من الصين وروسيا وفرنسا وغيرها تحضر بقوة الى سواحل الغاز والنفط في البحر الابيض المتوسط، عادت الى المربّع الاميركي الاول مع مصر، بحيث أنها لا تستطيع حل أي من هذا الملفات دون التعاون مع القاهرة، ثم ان الانفتاح الروسي والصيني الكبيرين على مصر وكذلك استتباب الوضع الامني وما تخلله من نهضة اقتصادية، امور لا يمكن لاي ادارة اميركية تجاهلها، فهل تختار ادارة بايدن التمسك بمباديء رنّانة في حقوق الانسان، وتتخلى عن مصالحها التي تدرك انها بدون مصر ستفقد أبرز أجنحتها العربية؟

الأكيد انها ستختار مصالحها، كما ان للقاهرة مصلحة كُبرى في تنويع علاقاتها الدولية كما تفعل حاليا، ذلك ان اي انحياز كامل الى محور في هذه الاوقات الدولية المعقّدة لن يكون لصالح استكمال مسيرتها في نقل مصر الى مرحلة متقدمة من النهضة الاقتصادية والاستقرار السياسي والعودة للعب دور أكبر في المنطقة، وبين ذلك دورها حاليا الذي عاد يتوسّع مثلا في لبنان في ظل الغياب السعودي والتقدّم التركي. ولا شك ان أميركا تبقى وجهة مهمة وكبيرة لمصر مهما تقلّبت العلاقات. وبعد التهديدات الأميركية قبل فترة قصيرة لمصر، ها هي القاهرة تربح الرهان، على الاقل حتى الآن، وذلك في عودة الحوار الاستراتيجي الذي لا شك سيتطلب مؤشرات حسن نوايا مصرية في مجال الحريات. أما قضية الاخوان فهذا على ما يبدو خطٌ أحمر عند القيادة والجيش المصريين، ولا يمكن التساهل معها مهما ارتفعت الضغوط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى