آخر خبرافتتاحية

” لبنان بين الأمس والغد” مرجعُ الثوّار لوأد الطائفية

سامي كليب 

اشتريتُ كتاب ” لبنان بين الأمس والغد”  من مطار بيروت وأنا مغادرٌ لبنان الى سويسرا للمشاركة في مؤتمر حول الشرق الأوسط. لم يجذبني عنوانه العادي جدا والذي كنت أفضّل ان يكون ” لبنان نحو الجمهورية الثالثة” ، وإنما جذبني اسم مؤلفه، نوّاف سلام، فالرجل الذي أثار جدلا كثيرا حين طُرح اسمه لرئاسة الحكومة اللبنانية، يندرج في خانة المثقّفين الموسوعيين الحقيقيين، حيث انتقل من تدّريس القانون والعلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت وتاريخ الشرق الأوسط في السوربون الفرنسية، الى منصب سفير لبنان في الأمم المتحدة،  ثم تولى الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، ليحط به المطاف قاضيا في محكمة العدل الدولية، ولم تثنه مناصبه العديدة هذه، عن توسيع دائرة ثقافته ومعارفه وسعة اطلاعه، وهو نادرا ما يكتب، لكن حين يكتب فإنما يجترح فكرة جديدة يسندها بمراجع كثيرة، حتى تغدو نموذجا يُحتذى في الفكر السياسي أو الدستوري.

وأما الجدل الذي أثاره، ويقيني أنه بعيدٌ عنه، فذلك لأن ثمة من خشي من ارتباطاته الخارجية الغربية والخليجية، وثمة من خشي من تاريخه اليساري والفلسطيني، وثمة من هابَ أفكاره الإصلاحية ومنافسته داخل طائفته، وآخرون أخافتهم سعة ثقافته في بلد لا مكان فيه للمثقف الحقيقي غير الطائفي حتى ولو كان أبن عائلة سلام البيروتية العريقة التي أنجبت رؤساء وزراء ووزراء ومسؤولين كباراً في الدولة.

كان التمهيد للكتاب موفقاً تماما باعتماده إحدى عبارات الفيلسوف وعالم اللسانيات الإيطالي الماركسي التوجّه أنطونيو غرامشي، والتي تقول :” تكمن الأزمة تحديدا في أن القديم يحتضر بينما الجديد لا يستطيع أن يولد بعد. وفي فترة الالتباس هذه بين العتمة والنور تظهرُ شتى أنواع الأمراض”.

فهل أكثر من هذه العبارات تعبيرا عن واقع انهيار النظام اللبناني (أو اللانظام أصلا) وبين البحث عن نظام آخر لم تتضح معالمه بعد؟

في المقدّمة يُظهر نوّاف سلام انحيازه الكامل لانتفاضة تشرين الأول 2019 (وهو ما عزّز أصلاً حذر الجماعة السياسية منه) وذلك في سياق بحثه عن كيفية ” تجاوز” النظام الطائفي فيتحدث عن إحياء ” الأمل بإمكان تجاوز النظام الطائفي الراهن خصوصا من خلال ما عبّر عنه الشباب من تضامن وتعالٍ على الانتماءات الطائفية والمناطقية والفئوية على امتداد أيام الانتفاضة “.  ثم يسارع الى شرح فكرته كي لا يُساء فهمها من قبل ملوك الطوائف الخائفين على عروشهم المتهاوية فيقول:” ليس المقصود دولة تُقام في وجه الطوائف من جهة، ولا دولة تقوم على تسامح الطوائف تجاهها من جهة أخرى، بل دولة قادرة على احتواء الطوائف من ضمنها وعلى تجاوزها في الآن نفسه”، كشرط لتعزيز شعور اللبنانيين بأنهم مواطنون متساوون وأحرار.

” الطوائف المُهيمنة” كما يصفها الكاتب، هي علّة هذا النظام، لكنه يذهب الى ما ذهب اليه الباحث الألماني ثيودور هانف في مؤلفه-البحثي الهام عن لبنان بعنوان ” لبنان تعايش في زمن الحرب”، بحيث لا ينظر الى هذه الطوائف كوحدات متجانسة في داخلها وبيئتها، وانما هي أيضا تشهد انقسامات، ولذلك فهي تحتاج الى التفاعل بين بعضها البعض لإنتاج ما نراه من تنوّع في المجتمع اللبناني. فثيودور هانف كان قد شرح أيضا من خلال الاحصائيات و استمارات سبر الآراء أن الشعب ليس طائفيا وإنما قادته غذّوا هذه الطائفية لإحكام السيطرة عليه وضمان مصالحهم، وان الكثير منه ينشد دولة مدنية لا بل وعلمانية أكثر مما يحلم بدولة طائفية أو محكومة من طرف واحد.

لعل القسم الأكثر أهمية في هذا الكتاب خصوصا للذين انتفضوا صادقين بغية إصلاح أو تغيير النظام الحالي، هو ذاك الحامل عنوان ” مسألة المساواة والمشاركة السياسية” والمندرج تحت العنوان الرئيسي ” المواطن المُكبّل” ، ففي هذا الباب، يشرّح نواف سلام بمبضع رجل القانون والدستوري العريق وبعقل رجل الدولة ذي الخبرة العميقة، خزعبلات وفبركات وهندسات الاحتيال على الدساتير جميعا منذ الاستقلال حتى الطائف ( خصوصا الطائف)، ويُبرز تناقض المواد داخل الدستور الواحد، فمثلا تنص المادة 12 على أنه :” لكل لبناني الحق في تولّي الوظائف العامّة، لا ميزة لأحد على الآخر الاّ من حيث الاستحقاق والجدارة حسب الشروط التي ينصّ عليها القانون “، ثم يعلّق المؤلف قائلا :” أما التشويهات التي سيتعرض لها هذا الحق بسبب المنطق الطائفي فتندرج ضمن السياق نفسه من التشويهات التي أشرنا اليها بخصوص المادة 7، والحقيقة أن المبدأ العام الذي تكرّسه هذه المادة تقوّضه أيضا المادة 95 من الدستور.

واذا يضع الكاتب إصبع رجل القانون على مخالفات القوانين ويشير الى ان ” المنطق الذي اعتمده مجلس الشورى هو تمييزي بامتياز”، فانه يصل الى نتيجة مأساوية مفادها:” أن مبدأ التوزيع الطائفي للوظائف العامّة، الذي يُفترض أنه يُنظّم حالة التعايش بين الطوائف، أضحى بفعل تراتبيه الحقوق المتباينة الناتجه منه، مصدر نزاع ومواجهة بين الطوائف”.

ومع اعترافه بأن ” تجربة السنوات الماضية التي تعزّزت فيها الهويات الطائفية تُظهر لنا، مدى وهم الاعتقاد بإمكان حل أزمة النظام اللبناني من طريق الإلغاء الفوري للطائفية على وجه كامل”، فإنه يطرح عددا من الحلول المؤقتة والنهائية ومنها :

  • الجمع في نظام واحد وبطريقة خلاّقة، بين الحفاظ على وسائل التعبير عن الهويات الجماعية وإيجاد مساحات سياسية يُمكن للأفراد أن يعبّروا فيها بالكامل عن أنفسهم بوصفهم أفرادا.
  • العمل بنظام المجلسين (كما تنص المادة 22 من الدستور) لحصر التمثيل الطائفي في مجلس الشيوخ وتحرير مجلس النواب من القيد الطائفي ليضمن المشاركة الوطنية.
  • عدم اخضاع الوظائف الإدارية لغير معاير الجدارة والكفاءة
  • أن ننظر مستقبلا في استبدال التوزيع الطائفي الثابت والصارم للمناصب الثلاثة العليا في البلاد ( رئاسات الجمهورية ومجلس النواب والحكومة) بصيغة المداورة
  • يتعزّز استقرار لبنان لو التزم فعلا سياسة النأي بالنفس أي بكلام آخر سياسة عدم الانحياز تجاه المحاور الإقليمية والدولية مع تأكيد تضامنه الثابت مع قضايا العرب المشتركة والعمل من أجلها.
  • ان اتفاق الطائف نجح في احتواء العنف الطائفي لكنه عزّز الطائفية، وهو اذ نجح في اسكات المدافع، الا أنه فشل عبر تطبيقه الجزئي والمشوّه في وضع لبنان على طريق بناء دولة، كما انه وضع لبنان على منزلق يقود الى نظام من ” الشهوات الطائفية” الذي يعزّز نفسه بنفسه، لذلك لا بد من إصلاحه، دون أن يؤثر ذلك على التعديل الدستوري ولا سيما ما يتعلق منه بالتجاوز التدريجي للطائفية.
  • تطبيق ” الاقتراع التفضيلي ” في لبنان ” بهذا الأسلوب المشوّه الذي اعتمد في قانون 2017، وتاليا في انتخابات 2018، أدى الى عدد من النتائج المعاكسة للفوائد المرجّوة من النظام النسبي، فحصل الاقتراع التفضيلي مثلا بصوت واحد (بل اثنين على الأقل) وجعل التنافس داخل اللوائح أشد أحيانا من التنافس في ما بينها ، مما قوّض المعنى السياسي للانتخاب على أساس اللوائح وبرنامجها.

لا يحبّذ نوّاف سلام فكرة الإلغاء الفوري للطائفية وانما يريدها على نحو متدّرج ويقول :” ان الإلغاء الحقيقي للطائفية سيعتمد على ظهور وتطور قوى اجتماعية جديدة وتشكيلات سياسية حديثة ذات طابع وطني غير طائفي… أي ان إلغاء الطائفية إنما هو تحدٍّ يقع على عاتق قوى المجتمع المدني”.

كتاب ” لبنان بين الأمس والغد” الواقع في نحو 180 صفحة من القطع المتوسط، والصادر عن دار ” شرق الكتاب” هو بالأصل مجموعة من نصوص سابقة صدرت في كتب للمؤلف وكان معظمها باللغة الفرنسية. ويقيني أنه مفيد لا بل ضروري لكل الشباب اللبناني الحالم بالإصلاح او التغيير والذي يفتقر لبعض المراجع العلمية الموثوقة لكيفية التدرج بإصلاح النظام المحتضر، خصوصا ان القسم الأخير منه المندرج تحت عنوان:” من أجل اصلاح دستوري” يفنّد الاختلالات الدستورية الأساسية في لبنان وكيفية أعادة الدستور الى سكة تحقيق المواطنة والخروج من عنق زجاجة الطائفية البغيضة الى الجمهورية الثالثة المنشودة، أو الى … وطن.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button