ثقافة ومنوعات

كتاب” جذور وانتماء” تمنيّت لو لم أقرأه، ولكن…

سامي كليب:

هذا كتابٌ تمنيّتُ لو أني لم أقرأه، لكن من الضروري قراءتُه، فهو ينكأ جراحاً كنّا قد قرّرنا دفنها في ذاكرتنا عن اقتتال أهل القضية الواحدة من أحزاب وحركات ومنظماتٍ قومية ويسارية وفلسطينية وعربية، لا بل عن اقتتالٍ انتحاري بين الرفاق والرفاق داخل الحزب الواحد،  وذلك حين سقطت القضايا في فخاخٍ نُصبت لها من قبل عدو الأمة الدائم وأعدائها الطارئين أو نصبتها لنفسها.

 الواقع أن الفارس النبيل والمناضل الصادق الشفّاف والمروان الذي اشتق اسمه من مروة أي الصخرة الصلبة، والمثقف الموسوعي العاشق للأدب والشعر والألسنية والفكر بلغتيها العربية والفرنسية، كان أكثر جُرأة منّا جميعا نحن الذين عايشنا كثيرا من تلك المرحلة، فلم يدفن رأسَ النعامة في الرمال كي ننسى كما فعلنا، وإنما رفع رأسها عاليا فوق التُراب، ليقول لأجيال المُستقبل: “حاذروا من الوقوع في فخاخ مُماثلة”.

يحمل الكتاب عنوان ” جذور وانتماء”، وفوق العنوان إسمٌ أضاء كل المناصب التي تولاها من طالب في مدارس وجامعات لبنان من البقاع الى الجنوب فالجبل، الى أستاذ في المدارس والجامعات على امتداد مساحة واسعة من الوطن، الى قيادي طليعي في حزبه خصوصا في مجالي الثقافة والعلاقات الخارجية، الى نائبٍ في مجلس النواب دافع بكل خلايا المثقّف عن الجامعة اللبنانية وجاهد لرفع مستوى التعليم فيها بدلا من مافيات الجامعات التي نبتت كالطحالب لتقتل الجامعة الأم وقاتل بكل قوى الاقناع الفكري والتشريعي لحماية الملكية الفكرية.

على غلاف الكتاب، صورةٌ للمؤلف مُبتسِماً، والواقع ان من عرَفه مثلي من أوج السنوات الأخيرة للحرب الأهلية البغيضة وحروب الآخرين على أرضنا حتى اليوم، يُدرك ان الصورة وفيّة تماما لشخصه، فابتسامتُه كانت مفتاحَه الى قلوب الرفاق والخصوم، وهي صمدت فوق المدافع والقذائف والنار والموت، لا لتُعبّر دائما عن سعادة، وإنما لتضحك على سخرية الحياة مرة، وعلى الصراعات بين الرفاق مرة أخرى، أو ببساطة لتقول لقسوة الأيام في حياة مناضل مثله، وللأمراض التي حاولت الإساءة للقامة الفارعة والفكر المتقّد: “لن تهزمينا”.

في شهر الحصاد من العام 1947، ولد، أي قبل عام تقريبا من تقسيم فلسطين الحاضرة دائما في عقله وقلبه، كان والدُه في حمصَ حين ولد، فكيف لا تتفتح عيناه على تلك العلاقة الوطيدة بين شعب واحد في وطنين أو لنقل شعوبا واحدة على مساحة أوسع كما تخيلها الزعيم المؤسس؟

 ومن رائحة القمح المدروس تحت النورج، والشمندر السُكري، انساب اليه أريج الأرض فعزّز فيه أصالةَ أبناء القاع والبقاع ولم يفارقه. ومن نافذة المناضل الشعبي العربي الكبير ابن صيدا الشهيد معروف سعد، أطلّ على العروبة واليسار عند بوابة الجنوب، ومن مقته للطائفية والمناطقية والكيانية، عَبَر صوبَ الطلبة القوميين الاجتماعيين، ومن نكسة عام 67 انفتح القلبُ للمقاومة الفلسطينية، ومن البير كامو الفيلسوف الوجودي الفرنسي، أدرك براعم الحرية الفكرية والنضالية، ومن فردينان دو سوسور وغيرِه نهل علمَ اللسانيات، وفي عقر دار فرنسا ناقش رسالة الدكتوراه التي قال فيها للجنة الفاحصة بجرأة المثقف الأصيل :” إن نشر الثقافة الفرنسية في لبنان كان تاريخيا لتحقيق غايات استعمارية وليس لغايات ثقافية وحضارية فحسب”، فكان نصيبُه شهادةَ دكتوراه بدرجة تفوّق، ليزداد قناعة بأن من يحافظ على كرامته وشرفِ ثقافتِه يُكرّم، وأن ثمة فرقا كبيرا بين مثقف يبيع ضميره وثقافته لنعال الحُكّام والدول المستعمرة والغازية والطامعة ولحفنة من الدراهم، ومثقفٍ يضع الشمسَ في الجبين والفولاذ في العصبِ.

كتاب:” جذور وانتماء” يختصر ليس حياة رجلٍ صادق في نضاله، متألمٍ من حروب شوارع الرفاق، ومن الاقتتال بين أهل القضية الواحدة، ومن اغتيال قادة ومناضلي حزبه وبينهم مُطلق الرصاصة الأولى ضد العدو في شارع الحمراء الشهيد خالد علوان، ومتألم حتى النُخاع من حرب المخيّمات، وانما هو أيضا شرحٌ بالوقائع لفكر الحزب الذي انتمى اليه ولمأساتِه في غابة الطائفية، فيقول:” وحيثما حوربنا، كان قدرنُا أن نواجه الطوائف، وقد فقدنا على أيديها خيرة شبابنا”.

نكتشف في الكتاب أسرارا كثيرة تُقال للمرة الأولى، ويقيني أن المؤلف لم يقل عشرة بالمئة مما يعرف، ربما لأنه وكما دأبُه في كل تاريخه، يسعى لجَسْر الهوة بين أهل القضية الواحدة، لا لتوسيعها، فنعرف مثلا أن وفدا إيرانيا هو الذي قام بدور الوساطة بين الحزب القومي وحركة التوحيد الإسلامي في طرابلس منذ العام 1984، وأن العلامة السيد محمد حسين فضل الله كان الصديقَ والناصحَ في الكثير من المراحل، وأن منح رتبة الأمانة داخل الحزب القومي عزّزت دكتاتورية الفرد الواحد بدلا من أن تبقى كما أرادها مُشرّعها الأول، وان أمين عام جبهة التحرير في الجزائر فاجأه بالحديث عن النصارى في أول لقاء ثم جاءه من يعتذر قائلا ان المقصود بالنصارى هم الفرنسيون. ونكتشف ان الحذر كان سيد الموقف في العلاقة الأولى مع حزب الله بسبب توجهه الديني ووقعت معارك عسكرية بين الجانبين بعد العملية البطولية للشهيدة سناء محيدلي، لكن الامر استقر لاحقا وتلاقى الحزبان في الكثير من المواقف وخصوصا وفق ما يقول المؤلف ” على صعيد حلفنا الثابت مع القيادة الشامية ومع المقاومين لأعداء الأمة أينما وجدوا “.

قلتُ في البداية، إن هذا كتاباً تمنيّتُ لو أني لم أقرأه بعد ان استعدت مشاهد مجازر الرفاق ضد الرفاق في الأحزاب الوطنية واليسارية والقومية الذين حوّل بعضُهم جواهر القضايا الى مزابل الفساد والارتهان لا بل والخيانة، لكني حين قرأت رقة الكلام مع السيدة مُنى التي رسخت الحكمة القائمةَ أن وراء كلِّ رجلٍ عظيم أمراه،  وان خلف كلِّ قومي اجتماعي، قوميةً اجتماعية صلبةً مثله، وكيف أحبها، وكيف تزوجها تحت القصف والمدافع بلا الأهل، وكيف عشق عينيها الجميلتين وفكرَها المتقد ونضالَها الى جانبه، وكيف تعلّق بأمه وأخواتِه، وحين قرأت  عمقَ ورقةَ ترجمته لشعر الأديب الكبير والمؤرخ الكبير والشاعر العبقري صلاح ستيتيه الذي قال عنه بعد أن قرأ الترجمة : ” استطيع الآن أن اموت مطمئنا، أيها المتواطيء معي “، وحين قرأت شعره الخاص، وحين تمعنّت بالإنجازات الهائلة التي حققها الكاتب المناضل والمفكّر الموسوعي والانسان الرقيق في مجال العلاقات الخارجية  لحزبه مع الشرق والغرب ومن المشرق الى المغرب ، قلتُ في نفسي، إنه كتابٌ مرجع، فيه ما يؤلم صحيح، لكن فيه رسالة هائلة ومضيئة لأجيال المستقبل ولكل مناضل شريف في هذا العالم.

أما العبرةُ التي أوردها في كتابه والتي تصلُح اليوم كما في الأمس، فهي تلك التي قالها له الرئيس ياسر عرفات في آخر اتصال بينهما: ” أرجو ان تحافظوا على حزبِكم الذي يُحافظ على جوهرِ القضية القومية”.

لعلّ الحزب الذي ما زال يعاني من الانشقاقات، بحاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى لهذه النصيحة.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button