شباب 20

يومَ تجرأتُ على المقدّسات

 ميسون الشاهين


منذ طفولتي وأنا أميل لرفض كل القيود والأصفاد وأمقتُ الخطاب الفوقي للعادات والتقاليد والدين والمجتمع، كبرت وزاد على القائمة الخطاب الفوقي للسياسة إذ كنت لا أفقه الكثير عنها حينذاك وأظن أنّي لا زلت!.

كنت أميل إلى التشكيك في المقدسات وأتساءل حولها تارة بمنطق وتارة بسخرية دون أن أفكر للحظة بعاقبة هذه السخرية وما قد تحمله لي من قصاص رغبة مني بالشعور بالتحرر وعدم التبعية والاستعباد لأية مقدسات أياً كانت ماهيتها، إلى أن شاركت منذ مدة بإحدى التدريبات الصحفية حين طُلِب منا أن نذكر سبع صفات سلبية نكرهها بأمهاتنا في محاولة  -من المدرب- أن نذهبإلى الكيان الأكثر قدسية وعظمة نهزّه ونراه بعين مجردة، فرغم قساوة التمرين إلا أنه حتمي وضروري كي يكون الصحفي قادراً على رؤية الأمور بموضوعية وتجرد ويستطيع محاكمتها محاكمة منطقية.!

يا الله على هذا المأزق سبع صفات سلبية سأبحث عنها فيكِ يا أمي وأقولها لهم وأمامهم؟ نظرت إلى الورقة البيضاء والخالية من كل شيء إلا وجهكِ الذي ارتسم فجأة فوقها، لوهلة نسيت وفقدت كل الجدالات والسجالات واختلاف الآراء الصارخ ووجهات النظر المتطرفة والمتباينة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار لكلتينا.

حاولت أن أنظر بتلك العين المجردة التي تحدثوا عنها وأن أراك ِمجرد امرأة عادية لا أكثر ولا أقل، أمسكتُ قلمي علّني أبدأ بأولى الصفات فارتجف قلبي كأني أوقّع على شهادة زور أو وفاة!حاولت مرّة أخرى كأنك امرأة عادية لها من الإشراق نصيب كما لها من الظلام،  فكتبت أنك مزاجية يا إلهي إنها صفتي الأبرز- وقلت أنك عنيدة إنها صفتي أيضاً وأنّك قلقة ومتشائمة أحياناً بطريقة تدعو إلى يأس لا طائل منه، ويا للعجب إنها أنا مرة ثانية، يزعجني أحياناً أنك تبالغين في الترفّع عن الصغائر رغم أن ذلك من شيم الكبار إلا أنني أشعر بضرورة إعطائك كل ذي حق حقه وألا يكون العطاء والتسامي إلى هذا الحد الذي يدفع بالآخرين إلى الاعتياد على ذلك كحق مشروع.

أرغمت نفسي مجدداً في البحث عن سمات أخرى فتذكرت وسواس النظافة القهري الذي أربكتنا جميعاً به وللأسف أورثتني إياه، حينها ابتسمت وتساءلت عمّن أكتب عني أم عنك؟

راقبت من حولي هل هم مثلي قلبهم ينبض بسبب هذا الاختبار؟ وهل يداهم ترتبك أثناء الكتابة، إلى أن حان وقت البدء؛ وددت أن أكون الأولى كي أثبت لنفسي أو لهم أنني استطعت النظر بعين مجردة ولكن في الحقيقة رغبتي في أن أبدأ كانت كي أتخلص من عبء هذا الاختبار، لكنّي لم أتجرأ فحاولت أن أكون الثالثة ولم أنجح، كنت أستمع إلى إجابات الآخرين وكيف يتحدثون عن أمهاتهم كنساء عاديات قد يتّصفن بالعصبية أو الغرور أو الإهمال أو حتى لعب دور الضحية كما قالت إحداهن، رغم أن قليل من المراقبة للأحاديث التي دارت تكشف لك بصورة أو بأخرى كم نشبه أمهاتنا بل كم نقلّد أمهاتنا مهما بدينا رافضين لبعض صفاتهنّ أو ردود أفعالهنّ.

انتظرت أن أكون العاشرة وأبدأ ولم أستطع، صبرت وحاولت إلى أن قررت أن أكون الأخيرة ومسك الختام، لا أدري أي ختام وأي مسك وفي يدي تلك القائمة السوداء لما يسمونه عين مجردة ونظرة موضوعية، حاولت أن أرفع يدي أخيراً فشعرت بانقباضة شديدة في قلبي كيف لي أن أتجرأ على حضورك في غيابك؟ كيف لي أن أقف أمامهم بكل ثقة وأشير في يدي وأقول يزعجني فيكِ هذا وذاك؟!.

خمسة وعشرون عاماً لم أشعر يوماً خلالها أو أعرف معنى أن أتجرّأ على المقدسات إلا في تلك اللحظة.. لكأنك يقيني الوحيد يا أمي لكأنك أماني الأول والأخير لكأنك قدس الأقداس ولتسقط عند عتبة قلبك كل النظريات والفلسفات والتشكيكات وحتى الاختبارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى