ثقافة ومنوعات

الحبّ لا يعرف العمر

ديانا غرز الدين 

من قال إن حب الكبار عيب وعار وغير لائق؟ و كأن القلوب تخفق فقط في صدور الشباب؟  لكن الحقيقة هي ” ان الحب يبقى دائما عزاء الكبار و شقاءهم.  و هو لا يقل عنفا او عمقا عن حب الصغار لكنه يمتاز بالخضوع و التسليم الممزوجين بالتضحية و المحبة، ودائما بالعنف الجسدي.”

و الحب من النظرة الاولى صحيح.  ينكره البعض لكنه اذا حدث يلتحم و لا يزول و الويل لمن اصيب بسهمه.  هو يقع مثل النار، قد ينطفىء و قد يحدث حريقا. و هو يؤلم اذا لم يكن بنفس المقدار او النوع او المستوى بين الطرفين و قد يصبح حب من طرف واحد ، فيحدث ان تحب شخصا لا يبادلك الشعور و تقضي عمرك في محاولة اسعاده و ارضائه لكنه يحب شخصا اخر قد لا يبادله الحب هو ايضا و هكذا دواليك.  و الحب انواع، فالذي يحبك لشخصك و لانك انت ليس كالذي يحبك لجمالك و مظهرك او لمنصبك و مالك.

و اخيرا الحب عند الكبار هو امان و سلام، احترام و اهتمام، تسامح و اطمئنان. و هو ايضا وعي و ثقافة  و صدق و صراحة، و هنا يحدث الزواج بنوع من الاندماج الروحي و التقارب الفيزيائي. و قد يكون ايضا غيرة و تملّك، و شك و خيانة..

” السعادة ليست ابدا جامدة، و هي ليست في الهروب، ان السعادة هي دائما الراحة ضمن الاضطراب و القلق..”

كتاب اوديل و ايزابيل العشيقة و الزوجة ( اسمه الحقيقي مناخات الحب ) لمؤلفه العالم النفساني  الفرنسي اندريه موروا العضو في الاكاديمية الفرنسية ( مواليد عام ١٨٨٥)والمجاز في الادب ، يحكي قصة الحب بين الواعين او فلسفة الحب الواعي.  كتبه على كبر و هو نوع من سيرة ذاتية يحكي قصة حبه و يدور حول التسامح و التضحية حتى الموت . و حول الفشل الزوجي و اثار الشك و الغيرة المدمرة والتي تجعل من صاحبها شخصية قلقة . كتاب رائع في تحليل النفس البشرية في مواجهة الحياة بافراحها و احزانها . كتبه عام ١٩٢٨ و تميز بجمال سرده مع تشبعه برؤى نفسية عميقة و استحضار علم النفس او ما يعرف بتيار الوعي الذي راج بين الكتّاب في القرن ال ١٩ . فأبدع في الحوارات الداخلية للشخصيات . كما ابدع في عرض مشاعر العشق و الشبق و الجنون و الغيرة و الشك  بطريقة مشوقة.

” ان الحب يحتمل البعد او الموت اكثر مما يحتمل الشك او الخيانة..”

فيليب مارسينات رجل صناعة فرنسي مثقف و لطيف لكنه تقليدي يقع في حب اوديل الجميلة المغناج بجنون و يتزوجها على الرغم من تحفظ عائلته . لكن   حب التملك أعماه و الغيرة دفعته الى التطرف فابتعدت عنه زوجته رغم حبه الشديد .

 يتزوج فيليب بعد ذلك بايزابيل المخلصة المتفانية التي اعماها حبها لله فنذرت نفسها لسعادته.  لكن فيليب ينزل على زوجته الجديدة نفس المشاكل التي تحملها على يد اوديل. فهو اهملها و دفعها للشعور بالشك و الغيرة ، لكن نزاهة اوديل و تصميمها على انقاذ زواجهما  يغيران في نتيجة المعادلة النهائية.

 رواية ممتعة مكتوبة بشكل سلسل وعميق تجعلك تعيش تقلبات الحب و ديناماكياته بعمق و صدق. هذا الكتاب لا يقل من حيث التحليل النفسي عن رائعة تولستوي انا كارينينا او رائعة غوستاف فلوبير مدام بوفاري من حيث تركيبة النساء الابطال في الروايات التلاث اللواتي ابتلين برجال او ازواج ذوي خصائص او طباع معينة دفعتهن جميعا الى الانتحار.

” مسكينة اوديل التي كانت تحب الحياة كثيرا والتي قلما عرفتها، في حين ان اشخاصا مصنوعين للموت، مثل ايزابيل و انا ، يستمرون، دون ان يرغبوا، في البقاء في عيشة رتيبة “

” المرض هو نوع من السعادة الادبية لانها تفرض على رغباتنا و همومنا حدودا صارمة” ، يقول المؤلف.

من مؤلفاته : صمت الكولونيل بوامبل، خطابات الدكتور اوغرادي. حياة قلب ، الموجة العذراء و غيرها

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button