مقال اليوم

لا حلول بلا فلسطين  

أشكينازي في القاهرة للنزول عن الشجرة

سامي كليب 

نستطيعُ أن نتخيّل بسهولة كيف يُمضي بنيامين نتنياهو لياليه هذه الأيام. لا شكّ أنه يقلق كثيرا وينام قليلا منذ أن صُدم بهبّة كل فلسطين وكلّ حرّ في هذا العالم  ضده وضد سرطان المستوطنات والتطرف والعنصرية. وصُدم بحجم وعدد الصواريخ التي أطلقت من غزة والتي كان لها على ما يبدو إمتدادات تعبُر دول الشرق صوب طهران رغم كل الجهد الاستخباري الاسرائيلي، وصُدم بصحوةِ بعض الضمير العالمي في قلب الدول التي كانت تؤيد إسرائيل مهما فعلت فصارت تُطالب بوقف نظامها العنصري وتجميد المساعدات لها، وها هو نتنياهو يُصدم الآن بجنوح السياسة صوب تركيب حكومة من قيادات يسار الوسط وحلفائهم.

كان الرجُل حتى الأمس القريب ينام على حرير الوسادات، فصديقُه دونالد ترامب أهداه أكثر مما تمنى وبدعم من التحالف الانجيلي-اليهودي القائل بقيام الهيكل قبل عودة السيدة المسيح. وبعضُ الدول العربية جعلته يعتقد بأن زمن القضية الفلسطينية قد ولّى الى غير رجعة، وأنه يستطيع العيش في رفاهية زمن ” صفقة القرن”، ويستطيع خصوصا أن يفلت من قبضة القضاء التي سترميه عاجلا أم آجلا في السجن بتهم الفساد وسوء الإدارة وغيرها من الفضائح التي لا شك ستنتشر كالطحالب بمجرد أن يصبح أمام قوس المحكمة.

لعل نتنياهو الذي جزم في مؤلفه السابق ” مكانٌ بين الأمم” أن لا فلسطين ستقوم ولا القدس ستعود ولا حدود عام 67 ستُحترم ولا حق العودة سيبقى، وأن الأردن سيُصبح الوطن البديل، وأن على الفلسطيني أن يقبل بدولة يهودية أو يرحل، لعلّه يختصر في قلقه الحالي، قلقاً أسرائيليا أكبر، ما عاد يتعلق بالحدود وإنما بالوجود.

ليست الهبّةُ الدولية التي رأينها تصل الى قلب الكونغرس الأميركي ومراكز القرار الأوروبية والعالمية، هي فقط بسبب الصحوة ضد عنصرية الحكومة الاسرائيلية والمستوطنين وغلاة المتطرفين، فالعنصرية تُمعن قتلا ونهبا بالجسد الفلسطيني منذ عقود. وإنما بعضُ هذه الهبّة ينطلق من الحرص على إسرائيل نفسها، ومن القناعة بأن بقاءها ووجودها باتا مرتبطين عضويا بالعودة الى التفاوض، والقبول بوقف سرطان المستوطنات، وبقيام دولة فلسطينية حقيقية غير مقطعة الأوصال وذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية.

ثم إن هذه الهبة الكبيرة في أوساط مثقفين وفنّانين ورياضين وأناس عاديين في الغرب، إستندت الى ما بقي من مأساة الرجل الأميركي ذي الأصل الأفريقي جورج فلويد وهو يموت ويحشرج قائلا :” لا أستطيع التنفّس” بينما قدم الشرطي العنصري الأبيض تضغط أكثر كلّما تألم الشهيد فلويد أكثر.

عادت هذه الصورة البشعة والمؤلمة كثيرا في الأسابيع الأخيرة الى أذهان الراي العام العالمي عبر الصورة التي نقلتها وسائل التواصل الإجتماعي من فلسطين، حيث العشرات من الشبّان الفلسطينيين يصرخون ويحشرجون  كل يوم  أن الاحتلال يخنقهم وما عادوا قادرين على التنفس، وما كان أحد يسمعهم.

إسرائيل وصلت الى الحائط. ما عادت عنصريتها مقبولة ولا قابلة للتستّر مهما كثرت المساحيق والدعايات. لا بُد للغرب إذا من البحث عن وسائل أخرى لحمايتها من نفسها ودفعها للتفاوض.

هذا بالضبط ما كان يستند اليه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران حين ذهب الى قلب الكنيست يطالب بالاعتراف بمنظمة التحرير، فهو لم يفعل ذلك حُبّا بالرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، وإنما خوفا على مستقبل إسرائيل نفسها التي كان يُدرك أن تطرفها سيقودها الى المأزق. وهذا بالضبط ما يفكّر به يهودٌ أميركيون في الوقت الراهن حتى في قلب ” الأيباك” واللوبيات الأخرى ، وهذا ما يدفع أعضاء في الكونغرس الأميركي وقيادات غربية وشرقية للضغط على إسرائيل بغية تقديم تنازلات. هؤلاء جميعا يعلمون أن ثمة جيلا فلسطينيا جديدا يبدو أكثر صلابة ويقينا حيال أرضه وقضيته وبيته وزرعه وكرامته ما عاد قابلا للسكوت والصمت وإنما انتفض ينفث النار كما الجمر من تحت الرماد.

يعيشُ الإحتلال الإسرائيلي في الوقت الراهن، مأزقا وجوديا، ليس لأنه ما عاد يمتلك القوة. فهو ما زال قابضا على أسلحة متنوعة وهائلة ورؤوسا نووية وتكنولوجيا عالية الدقة، وما زال يتمتع بحضانة دولية كبيرة، ودعم مالي لا ينضب، ولكن كل ذلك، ما عاد ينفع، لقد إنكسر الحاجز النفسي، واستعاد الكثير من الفلسطينيين ومعهم الكثير من  الشباب العربي يقينا سابقا بأن إنتصار فلسطين ممُكن، وهذا ما يضع قيادات ومجتمع إسرائيل أمام خيارين، أحلاهما مُر، فإما الاستمرار بالعنصرية والتطرف والقتل، وهذا ما عاد قابلا للهضم في مجتمعات غربية وقد يجرّ الى حروب مرشحة للتحول الى كارثة أمنية على اسرائيل حتى لو دمّرت الكثير في  دول خصومها، وإما التراجع والجلوس الى طاولة التفاوض، والعودة الى ما كان سيقبل به إسحق رابين قبل أن يقتله المتطرفون الإسرائيليون الذين دعموا نتنياهو لأكثر من عقدين من الزمن.

كان يُقال سابقا للعرب من قبل عرب آخرين مثل الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة مثلا :” إقبلوا بما تعطيكم إياه الآن إسرائيل كي لا تندموا عليه لاحقا”، والآن يبدو أن الآية قد قُلبت، بحيث يُمكن القول لإسرائيل :” أقبلي الآن ما يعرضه عليك الوسطاء وأوقفي سرطان المستوطنات ولا تعترضي على قيام دولة فلسطين حقيقة عاصمتها القدس الشرقية، وأوقفي هذه العنصرية الدموية البغيضة، كي لا تندمي لاحقاً ” .

فهل تفاوض أم تغرق وتُغرق الشرق الأوسط بحرب الانتحار والدمار ؟ لا شك أنها ستفاوض، ليقينها أن لا  حلول بلا فلسطين.  وقد بدأت فعليا بذلك من خلال إرسائل وزير خارجيتها الى مصر، في زيارة هي الأولى منذ 13 عاما، فقلب الشعب المصري تماما كقلوب العرب عاد ينبض بقوة على قلب فلسطين.

Related Articles

One Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button