افتتاحية

الاتفاق اللبناني الاسرائيلي، هل يصنع السلام أم يؤجج الحرب

ما إن تم الإعلان ليل أمس عن اتفاق الاطار بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، حتى   نزل مناصرو حزب الله الى الشوارع في محاولة لقطعها قبل تدخل الجيش اللُبناني وإعادة فتحها. وها هو أمين عام حزب الله  يشن حملة ضد الاتفاق والسلطة، فيصفه بأنه اتفاق مذلة وعار  ويطالب السلطة بالتخلي عنه لانه يشرعن الاحتلال ، واكد ان المقاومة مستمرة… كذلك حليفته الشيعية حركة أمل أصدرت بيانا الليلة تعتبر فيه الاتفاق غير متوازن ويكرس وقائع لمصلحة العدو، وهو أيضا موقف الرئيس السابق للحزب الاشتراكي وليد جنبلاط الذي كتب فوق لوحة سوداء على منصته إن هذا الاتفاق الثلاثي في الشكل والاحادي في المضمون غيّب بشكل كامل اتفاق الهدنة…
ولم تمض ساعات قليلة على ذلك، حتى اندلع اشتباكٌ عسكري محدود بمداه لكنه واسع برسائله العسكرية والسياسية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران عبر تبادل القصف والهجمات بعد اتهام الرئيس دونالد ترامب لطهران بخرق الاتفاق عبر استهداف سفنِ في مضيق هرمز بمسيرات هجومية…
الواقع أننا أمام جبهتين متواصلتين بين جنوب لبنان وإيران، رغم تأكيد لبنان الرسمي  وأميركا وإسرائيل عبر الاتفاق وبعده على استبعاد  إيران والحزب عن الاتفاق ، خصوصا أن الحزب أصلا رافضٌ للمفاوضات المُباشرة الإسرائيلية اللبنانية وما نجم عنها …
 فأمين عام حزب الله ، دعا لتطبيق مندرجات مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، وقال نحن لم نترك الميدان في أصعب الظروف ولن نتركه الان فهذا هو الخير والخلاص..
وايران من جانبها أتهمت أميركا وإسرائيل بشن هجوم على لُبنان، ثم اكدت أن  لا مرور في مضيق هرمز دون التنسيق معها وأنها مستعدة للرد على أي هجوم عسكري بمثله، لكنها شكرت في الوقت عينه باكستان على استمرار جهودها لأجل السلام…
أما إسرائيل فزادت الطين بلة الليلة عبر تاكيد وزير جيشها يسرائيل كاتس ان لا انسحاب لاسرائيل من لبنان، وانها ستحافظ على المنطقة الامنية في جنوبه بما فيها قلعة الشقيف  مع الحفاظ على حرية العمل  ضد حزب الله.
رغم كل هذا التصعيد نلاحظ  أن لا وزراء حزب الله  ولا وزراء حليفته حركة أمل برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري انسحبوا من حكومة نواف سلام التي كانت قبل شهور نزعت الشرعية ايضا عن سلاح الحزب، ولا أيران قررت وقف التفاوض مع واشنطن رغم اتهامها إدارة الرئيس ترامب بخرق البند الأول من الاتفاق معها. ِ
ما زلنا إذا في حدود الاطار التفاوضي، لكن لا شيء يضمن عدم الانزلاق مجددا الى الحرب بين ايران وأميركا وإسرائيل، أو بين إسرائيل وحزب الله، أو الانزلاق الى فتنة داخلية في لُبنان   وهذا ما دفع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري القريب من حزب الله الى التحذير من الغرق بالفتنة.
ولو دققنا قليلا ببنود الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، فهي بشكل عام ضد الحزب  …
فالبند الثاني من الاتفاق يقول بوضوح لا لبس فيه : تلتزم حكومة دولة إسرائيل وحكومة الجمهورية اللبنانية بمسار متبادل ومتدرج، وفق تسلسل واضح وشروط محددة، تتولى بموجبه القوات المسلحة اللبنانية بسط سلطة الدولة الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية، بما يتيح للقوات الإسرائيلية إعادة انتشارها تدريجياً إلى خارج الأراضي اللبنانية..
يعني ليس المطلوب نزع سلاح حزب الله فحسب، بل أيضا تفكيك بنيته التحتية….
وفي البند الخامس من اتفاق الاطار يتضح أن الاحتلال الإسرائيلي سيستمر في لُبنان طالما لم يتم نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته على كامل الأراضي اللُبنانية وليس في الجنوب فحسب، مع ترتيبات أمنية تبقى غامضة لانها ليست مذكورة في الاتفاق بل في الملاحق التي لم تكشف تماما بعد…
وفي البند الثاني عشر ثمة اعلان واضح عن الذهاب نحو اتفاق سلام بين البلدين مقابل غياب واضح لأي ذكر لاتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل الموقع منذ العام 1949  ، وغياب آخر لأي كلام عن  خطة السلام العربية التي تم إقرارها في قمة بيروت العربية للسلام في العام ٢٠٠٢  … وهذا ما دفع البعض لانتقاذ ذلك على اعتبار انه ينسجم مع دعوة الرئيس ترامب لسبع دول عربية وإسلامية للانضمام الى اتفاقات إبراهام دون الاعتماد على الخطة العربية المشتركة ..
ثم غاب عن الاتفاق فعليا أي الزام لإسرائيل بوقف قتل عناصر حزب الله او العدوان على مناطق في لبنان بذريعة ضرب حزب الله، وغاب عنه أي كلام عن إعادة الاسرى من المعتقلات الإسرائيلية، وهذه نقطة كانت من النقاط التي اكد عليها الرئيس جوزف عون حين قرر الذهاب نحو التفاوض المُباشر، والنقاط كانت وقف الحرب وانسحاب إسرائيل وعودة الاسرى من المعتقلات وعودة النازحين الى بيوتهم.
هذه الأسباب وغيرها، تدفع حزب الله ومن خلفه إيران الى المعارضة العلنية للاتفاق باعتباره موجها قبل كل شيء ضد الحزب وإيران  أما الدولة اللُبنانية التي تعتبر الاتفاق خطوة أولى نحو الاستقرار والسلام فهي ترى ان لا سبيل آخر غير التفاوض، وأن تحقيق الانسحاب الإسرائيلي حتى ولو طال أمده سيتحقق خطوة خطوة طالما الرعاية الأميركية مستمرة والاحتضان العربي كبير. وترى ان العمل العسكري أثبت عقمه فلم يمنع إسرائيل من احتلال مناطق واسعة في الجنوب وتدمير بلدات وقرى عديدة واستهداف الضاحية والبقاع وقلب بيروت وتشريد اكثر من مليون ومئتي ألف شخص ناهيك طبعا عن العدد الكبير من الضحايا .
وبناء على كل ما تقدم يُصبح الوضع اللُبناني أمام خطر حقيقي خصوصا أنه أحد أوراق التفاوض الأخطر بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران حتى ولو ان واشنطن تعلن انها تريد فصل المسارين اللبناني والإيراني … وهو فصل صعب طالما البند الأول من التفاهم الإيراني الأميركي يؤكد على وقف الحرب على كل الجبهات وفي مقدمها جبهة لبنان بطبيعة الحال .
لكن هذا الوضع اللُبناني سيبقى خصوصا مرهونا بعدة أمور ، أولها وأهمها استمرار المفاوضات الأميركية الإيرانية او انهيارها،  وثانيها مدى نجاح الجيش اللُبناني في الانتشار في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل وتسريع هذه الوتيرة لاقناع الناس بأن إسرائيل ستنسحب فعلاً ولتثبيت دعائم الدولة … ثالثا أن يمتنع نتنياهو عن الاستمرار باستهداف عناصر وقادة حزب الله إذا أراد للاتفاق مع لبنان  أن ينجح.  
فهل تتقدم المفاوضات على لغة الحرب وبراثن الفتن، أم يغرق لبنان مجددا في أتون حروب ودماء ودموع لا تنتنهي …. لننتظر ونر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى