هل يتفق ترامب مع الصين وروسيا ضد إيران واوكرانيا

هل يمكن أن يصبح الديزل الروسي جسراً اضافيًّا بين واشنطن وموسكو فيساعد الرئيس ترامب قبل الانتخابات المقبلة ويحدُّ من تأثير اضطرابات مضيق هرمز، ويفتح بابًا ولو مؤقَّتًا أمام تصدير النفط الروسي؟ وهل يضحي الرئيس الأميركي بمصالح أوكرانيا على مذبح موسكو رغم اعتراض أوروبا وقلق الرئيس فلودومير زيلنسكي الذي سارع الى وصف الاتفاق الروسي الأميركي بأنه مُخز واستثمارٌ في الحرب؟
في السياسة الدولية لا مكان للمشاعر، فالمصالح الكُبرى قطارٌ يسير فوق الدول الصغيرة وفوق الجثث وحقوق الانسان، وقد تصبح فاتورة غالون البنزين في أميركا أهم من أي علاقة دولية. وهذا ما يدفع للتفكير اليوم بمستقبل العلاقات بين إدارة ترامب من جهة وروسيا والصين من جهة ثانية…وتأثير ذلك على الحروب والأزمات المشتعلة من أوكرانيا الى إيران فالشرق الأوسط والبحر الأحمر.
بحسب الإتفاق الأميركي الروسي، تبدأ إمدادات الديزل الروسي بأكثر من ثلاثمئة ألف طن، تليها خمسمئة ألف في تشرين الثاني نوفمبر، ثم كميات إضافية يرتبط جانب منها بحالة المصافي الروسية التي استهدفتها أوكرانيا. ولتسهيل ذلك، أصدرت الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح باستيراد الديزل الروسي حتى السابع من نيسان أبريل المقبل. هكذا، تحصل موسكو على منفذ لتصدير الوقود، وتحاول واشنطن تخفيف أزمة أسعاره.
الرئيس الأوكراني سارع الى الشجب والقلق، فبعد ان وصف الاتفاق بالمخزي، قال إن هذا الاتفاق سيكون تخفيفاً للضغط على دولة تواصل حربها ضد بلاده، وإن السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية يمثل استثماراً في استمرار الحرب، وطالب بأن يرتبط أي تخفيف للعقوبات بتهدئة، واضحة، ودائمة ومتبادلة.
القلق الأوكراني مُبرر، فالرئيس ترامب الذي يرتبط بعلاقة ودية مع نظيره الروسي أقدم على خطوات عديدة لم تكن في صالح زيلنسكي وهو غير قابل للتوقع فقد يفعل ما يصدم حتى أقرب المقربين إليه واقرب حلفائه. ومصلحة سيد البيت الأبيض الان كبيرة ذلك أنَّ وصول الامدادات الروسية يخفّف الضغط العالمي ويساعد سيد البيت الأبيض على تحسين صورته قبل الانتخابات المقبلة. لكنَّ خبراء تحدثوا إلى وكالة أسوشيتد برس شككوا في قدرة الاتفاق على إحداث تراجع كبير ومستدام للأسعار.
ثم ماذا عن الصين؟، ففي قمة واشنطن، التي عقدت من الثالث والعشرين إلى الخامس والعشرين من أيلول سبتمبر الماضي، طلب ترامب من شي جينبينغ زيادة إنتاج المشتقات النفطية للمساعدة في استقرار الإمدادات العالمية. كشف ذلك مدى حاجة ترامب الى تخفيف أزمة الطاقة حتى لو لجأ الى منافسيه الاستراتيجيين أي روسيا والصين.
قمة العملاقين الأميركي والصيني التي ستليها قمة أخرى في الشهر المقبل في الصين، لم تحسم الخلافات بشأن التجارة والتكنولوجيا وتايوان، لكنها أبقت التفاوض مستمراً، وثمة اعتقاد بأنَّ القمة المقبلة التي ستعقد على هامش منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ ستكون حاسمة خصوصا انها ستلي مباشرة الانتخابات النصفية الأميركية، وسيكون ترامب آنذاك بحاجة لسبر رأي الصين خصوصا إذا قرر القيام بعمل عسكري ضد إيران ذات العلاقة الاستراتيجية مع طهران.
الواقع ان المصالح كبيرة بين الولايات المتحدة والصين، والأرقام تكشف بالتفصيل ذلك. فوفق مكتب الممثل التجاري الأميركي، بلغ تبادل السلع والخدمات بين البلدين نحو أربعمئة وخمسة وتسعين مليار دولار في عام ٢٠٢٥، رغم انخفاضه بنحو خمسة وعشرين في المئة عن العام السابق. ومن هذا الإجمالي، بلغت تجارة السلع قرابة أربعمئة وخمسة عشر ملياراً. نحن إذا أمام مصالح ضخمة، حتى بعدما أضعفتها المواجهة التجارية.
لكن ماذا يعني ذلك بالنسبة للملف الإيراني؟
ثمة إشارة تستحق الانتباه: الخارجية الصينية أعلنت بعد قمة سبتمبر أنَّ الرئيسين اتفقا على ضرورة التزام إيران بعدم تطوير أسلحة نووية، وعلى رفض فرض رسوم على الممرات المائية الدولية. هذا موقف يوضح أن مساندة الصين لطهران لا تعني تأييد كل خياراتها، خصوصاً حين تمس هذه الخيارات أمن التجارة والطاقة.
كذلك روسيا، فرغم شراكتها العميقة مع إيران، لكن هذه الشراكة لا تتضمن التزاماً بالدفاع العسكري المتبادل. مع ذلك فروسيا كما الصين ما زالت تتمسك بالحل الدبلوماسي وترفض الضغوط والحرب والعقوبات، ولنتذكر أن بوتين قال لنظيره الإيراني مسعود بزشكيان في خلال قمتهما في تركمانستان : نحن مستعدون لبذل كل ما في وسعنا لمساعدتكم لحل هذه الأزمة وعلاقاتنا الثنائية تتطور بشكل ملحوظ حيث ان حجم التبادل التجاري بين روسيا وإيران ارتفع بأكثر من 21% في نهاية عام 2025 واستمر على هذا النحو خلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام”.
بوتين اكد أيضا أن أن إيران تبذل جهودا جادة لإنهاء الصراع الذي اندلع في المنطقة
ما يمكن استشرافه الآن هو تفاهمات جزئية: وقود مقابل استثناءات، وتسهيلات تجارية مقابل تعاون، وضغوط لاحتواء الحرب مع إيران. فإذا ترافقت مع تهدئة فعلية وأمن للملاحة، فقد تخفف أزمات المنطقة. أما إذا اقتصرت على شراء الوقت، فستبقى احتمالات التصعيد قائمة، من الخليج إلى الجبهة الأوكرانية.
الدول الكبرى قد تتعاون في سوق الطاقة، بينما تختلف في ساحات الحرب. وحاجات الصين وأميركا وروسيا المتبادلة قد تتقدم على التزامات كثيرة تجاه الآخرين، وإن لم تُلغِ تنافسهما.
ولذلك فالسؤال الذي يطرح نفسه الان: عندما يتفق الكبار على تخفيف كلفة أزماتهم… هل يخففون كلفة الحروب عن شعوب دول الحروب ، أم ينقلون الفاتورة إليها؟
من مواجهة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، إلى محاكمة جرائم الإبادة في رواندا، وصولًا إلى التحقيق في حرب غزة… يمتد مسار القاضية نافي بيلاي، التي أُعلن أمس فوزها بجائزة نوبل للسلام، تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي.
بيلاي، المفوضة السابقة لحقوق الإنسان والقاضية السابقة بالمحكمة الجنائية الدولية، ترأست لجنة تحقيق خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. واللجنة نفسها وثّقت جرائم حرب ارتكبتها حماس، وطالبت بالإفراج غير المشروط عن الرهائن.
ترامب هاجمها، واتهمها بكراهية إسرائيل، وقلّل من شأن مسيرتها، بينما جدّد اعتراضه على عدم منحه الجائزة.
وبعد ساعات من إعلان فوزها، فرضت واشنطن عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية نفسها، موسّعةً حملة سابقة استهدفت مسؤولين فيها. وهي المحكمة التي أصدرت مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت. تقول الإدارة الأمريكية إنها تحمي سيادتها ومواطنيها وحلفاءها؛ فيما تصف المحكمة العقوبات بأنها اعتداء على سيادة القانون.
هذا التزامن يعيد طرح السؤال عن قدرة العدالة الدولية على العمل حين تمسّ تحقيقاتها مصالح الدول الكبرى وحلفائها. وبين الهجوم على بيلاي والضغط على المحكمة، تتقدّم إلى الواجهة قضية المحاسبة وحدود النفوذ السياسي.
الليلة، نقرأ مواقف هذه القاضية، ونبحث ما تكشفه المواجهة حولها وحول المحكمة عن مستقبل القانون الدولي.




