كيف تحمي دول الخليج نفسها من الحرب المقبلة؟

مع عودة قرع طبول الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، رغم استمرار بصيص أمل التفاوض، يبدو السؤال مُلّحًا عمن يمكن فعلا أن يحمي دول الخليج وناسها وملايين العمّال الأجانب على أراضيها ومطاراتها ومنشآتها النفطية ومصالحها الاقتصادية؟ هل أعدّت هذه الدول منظومة دفاع داخلية جديدة بعدما انهالت الصواريخ الإيرانية عليها في خلال الحرب الأخيرة، وهل تستطيع فعلاً القيام بذلك منفردة أم تحتاج إلى شركاء جدد بعدما تبيّن محدودية المظلّة الأميركية؟
منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من شباط/فبراير، تعرَّضت دول الخليج لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، وطالت الأضرار منشآت الطاقة والبنية المدنية والعسكرية. وفي الثامن والعشرين من نيسان إبريل، اجتمع قادة خليجيون في جدة لبحث كيفية انتقال الخليج من تجنب الحرب إلى مواجهة تداعياتها المباشرة.
الدرس العسكري كان قاسياً والخيبة من طهران كانت كبيرة لأنها أعقبت اتفاقا كبيرا بين السعودية وإيران في الصين وتقاربا ملحوظا بين طهران ودول الجوار. فالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، كشف تحليل نشره في آذار/مارس الماضي، أنَّ أكثر من أربعة آلاف مقذوف إيراني أطلقت باتجاه دول مجلس التعاون حتى التاسع عشر من ذلك الشهر. ورغم ارتفاع معدلات الاعتراض، فإن إصابة أهداف عالية القيمة كشفت حدود منظومات الدفاع الجوي والصاروخي. المعنى هنا واضح: الصواريخ التي تُسقَط مهمة، لكن الصاروخ الذي يفلت قد يعطل منشأة استراتيجية، ويهز الأسواق، ويضع ملايين الناس أمام الخطر.
هذا ما برّر التقارب السعودي الباكستاني بعيد الحرب. ففي السابع عشر من أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، وقّعت الرياض وإسلام آباد اتفاقاً للدفاع المتبادل، اعتبر الاعتداء على إحداهما اعتداءً على الاثنتين. اتفاقٌ منح العلاقة العسكرية القديمة إطاراً مؤسسياً أقوى، وأثار سؤال المظلة النووية الباكستانية. لكن امتلاك باكستان السلاح النووي لا يكفي لإثبات وجود ضمان نووي تلقائي للسعودية؛ فالتفاصيل المنشورة لا تحسم طبيعة هذا الالتزام ولا شروطه.
ثم اتسعت الدائرة إلى تركيا. ففي آب/ أغسطس، وقّعت أنقرة والرياض وإسلام آباد اتفاق مكة للدفاع المشترك، وتحدَّثت وزارة الدفاع التركية عن آليات سياسية وعسكرية، وتدريبات مشتركة، وتعاون في الصناعات الدفاعية. نحن، إذاً، أمام محاولة لجمع التمويل والقدرات السعودية، والخبرة العسكرية الباكستانية، والصناعة الدفاعية التركية، في ترتيبٍ يتجاوز شراء السلاح إلى تنسيق استخدامه.
هذا الترتيب يواجه الآن اختباره العملي. فقد اتفقت الدول الثلاث، في اجتماعها الأخير في الرياض، على الشروع في تنفيذ التزامات الدفاع الجماعي وتسريع نشر القدرات في السعودية. وحدَّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، المجالات المحتملة للمساندة: الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والدعم الفني؛ مستبعداً المشاركة التركية في عمليات هجومية أو ارسال أي قوات تركية لقتال الحوثيين في اليمن. ورغم محدودية هذا الأمر، الاّ أن الاتفاقية تحتاج أيضًا إلى التصديق البرلماني التركي على الاتفاق كي يصبح نافذًا.
الإمارات تحرّكت بدورها أيضا صوب الشريك الآسيوي الكبير، ففي الخامس عشر من أيار/ مايو الماضي، اتفق البلدان على إطار لشراكة دفاعية استراتيجية تشمل الصناعات والتكنولوجيا والتدريب والأمن البحري والدفاع السيبراني وتبادل المعلومات. هذه شراكة مهمة، لكنَّها، بحسب ما أُعلن، لا تعادل تعهداً بالدفاع المتبادل، وهي تكشف اتجاهاً خليجيّاً إلى توسيع شبكة الشركاء والقدرات، مع بقاء اختلاف المصالح بين دول الخليج نفسها.
كذلك دول الخليج وسّعت مجالاها صوب افريقيا، فالساحل الافريقي المقابل للجزيرة العربية، والقرن الأفريقي، وباب المندب، أكثر من مهم لأمن الملاحة والطاقة. ولا شكّ في أن الدول الخليجية تسعى مع شريكاتها الافريقية إلى تعاون أمني يحمي الممرات البحرية، إضافة إلى توسّع مجالات الاستثمارات لأكثر من مئة مليار دولار سنويًّا.
وهنا نسأل، أين الولايات المتحدة من كلّ ذلك؟ فالقول إنها حمت دول الخليج فيه الكثير من المغالاة، ونشاهد بالعين المُجرّدة اليوم مثلا موقفها الممتنع عن ضرب انصار الله الحوثيين بينما هم يقصفون مطارات السعودية، لكن القول بأنها لم تتحرّك للدفاع عن حلفائها في خلال الحرب الإيرانية الأميركية الأخيرة، فيه أيضا مغالاة، فالقوات الاميركية اعترضت صواريخ إيرانية استهدفت المنطقة، ونفذت ضربات على إيران قالت إنها جاءت رداً على تهديدات للملاحة. وهي على الأرجح اليوم تقدم معلومات استخبارية للجانب السعودي لصد الحوثيين حتى ولو انها رفضت المشاركة بالقتال المُباشر ضدهم.
لكن الدفاع عن القوات الأميركية، والرد على طهران شيء والدفاع المُباشر عن دول الخليج شيء آخر تماما
فماذا سيكون موقف أميركا لو تجددت الحرب، الجواب غير محسوم، لذلك نجد ان دول الخليج سرّعت أيضا خطواتها الداخلية لتعزيز الدفاع المشترك. ففي أيلول، سبتمبر من العام الماضي، وبعد العدوان الإسرائيلي على قطر، قرر مجلس الدفاع الخليجي المشترك زيادة تبادل الاستخبارات، ونقل صورة الموقف الجوي بين مراكز العمليات، وتسريع الإنذار المبكر، وتحديث الخطط وتنفيذ تمارين مشتركة. وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، تكثّفت اجتماعات تكامل الدفاع الجوي والإنذار ضد الصواريخ. كل هذا مهم لكنّه ليس كافيا بعد.
الآن وفيما المنطقة تغلي فوق جمر الاستعدادات لحرب مقبلة، نجد الخليج العربي ينوع مصادر حمايته، يقوي دفاعه المشترك، ويمنع أن تصبح أراضيه ساحة لكل مواجهة؟ لكن بين بناء الردع داخليا وخارجيا ومحاولة تجنب الحرب، يبقى الاختبار الحقيقي هو قدرة هذه الاتفاقات على حماية الناس والمنشآت، عندما ينطلق الصاروخ التالي. فهل غيّرت دول الخليج استراتيجيتها ولن تكتفي بالدفاع لو تعرّضت لصواريخ جديدة؟ هذا ممكن لكنه غير مؤكد بعد.. وربما يحتاج الأمر إعادة نظر ليس في منظومة الدفاع الخليجية فحسب، بل في كل المنظومة الأمنية العربية في مرحلة رسم الخرائط .




