سفير أميركي سابق: إسرائيل تحاكي هزيمة الصليبيّين

روزيت الفار- عمّان
توقّع السّفير الأمريكي السّابق باتريك ثيروس في مقالة نشرها في مايو 2024 في صحيفة ناشونال هيرالد، أن يعيد الشّرق الأوسط أمجاده في التّحرّر؛ على غرار تحرّره من الاستعمار الصّليبي على يد صلاح الدّين الأيّوبي.
قال ثيروس إنَّ الرّئيس السّوري الراحل حافظ الأسد، والذي كان معروفًا بجدّيّته في دراسة التّاريخ وحقائق الماضي، قام قبل خمسين سنة؛ باستضافة هنري كيسنجر وزير خارجيّة أمريكا السابق في وقت متأخّر من اللّيل وأجلسه مقابل لوحة ضخمة تمثّل معركة حطّين الّتي انتصر فيها البطل القومي السّوري صلاح الدّين الأيوبي على الصّليبيين وتمكّن من استعادة القدس وإنهاء مملكتهم. أخبر الأسد كيسنجر بأنَّ العرب استغرقوا 100 عام لفعل ذلك، أي هزيمة الصّليبيّين، وأكّد له بأنّهم يمتلكون الصّبر ليفعلوا ذلك مرّة أخرى مع إسرائيل، الّتي اعتبرها مملكة الصّليبيّين في القرن ال20. وقال بأنّها، مع مرور الوقت، ستسقط هي الأخرى.
قد نتساءل الآن، هل ستكون حرب غزّة القرن 21 نسخة حرب حطّين القرن ال20 عبر تقويض الدّولة اليهوديّة داخليّاً وتدمير سمعتها على المستوى الدّولي؟
صّور الغرب الحروب الصّليبيّة، وهي أّوّل محاولة للاستعمار الأوروبّي الغربي للشّرق الأوسط، بشكل رومانسي؛ على خلاف ما يراه العرب. وحسب اعتقادهم، فقد فشل الصّليبيّون لأنّهم لم يستطيعوا التّأقلم مع طبيعة الأرض الّتي احتلّوها.
بالنّسبة للمؤرّخين العرب، مسيحيّين ومسلمين، لم يكن الدّين الدّافع الحقيقي وراء الاستعمار الغربي بقدر ما هو تأمين إقطاعيّات جديدة لأبنائهم وأحفادهم الّذين أصبحوا بلا أرض بسبب النّظام الّذي توارثوه عن أجدادهم. فقد حاول المُستعمِر زرع هذا النّظام في أرض غريبة، فما كان منها إلّا أن رفضته. ففشلوا وتمَّ طردهم.
ينظر سكّان الشّرق الأوسط لإسرائيل على أنَّها التّجسيد أو الانبعاث الاستعماري الجديد للحروب الصّليبيّة، يُذكر بأنَّ جميع الدّول العربيّة الحديثة والّتي كانت قد استُعمِرت، استطاعت تحرير نفسها من الاستعمار الغربي في الذّاكرة الحيّة. ويعتبر الشّرق أوسطيّون أنَّ إسرائيل قد فشلت كالصّليبيّين، في التّكيّف مع المنطقة ومن إقناع سكّانها باستعدادها للعيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها. وفي حين اعتبرها مؤسّسوها مثل غولدا مائير وبن غوريون دولة علمانيّة حديثة قامت على غرار القِيم السّياسيّة الأوروبيّة، لكنّها عمليّاً، أثبتت أنَّها مخصصّة لأشخاص ينتمون لديانة واحدة وعرق واحد.
يرى العرب بأنَّ إسرائيل تنمو وتزدهر فقط بالدّعم المالي والعسكري الّذي يقدّمه الغرب لها -وخصوصاً الولايات المتّحدة الأمريكيّة- والّذي تحتاجه للسّيطرة على المنطقة، وهذا بنظرهم، التّعريف الدّقيق للمشروع الاستعماري.
إنّ وجهة نظر العرب نحو إسرائيل كمشروع استعماري هي ذاتها لدى معظم الدّول الّتي استُعمرت سابقاً، كما يظهر من خلال الأغلبيّة الّتي تميل لصالح فلسطين في الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة.
إنّ شراسة ووحشيّة الهجوم الإسرائيلي على غزّة تذكّر هذه الدّول (المستعمَرة سابقاً) بما عانته على أيدي مستعمريها. فلا يزال الهنود يتذكّرون مجزرة أمريتسار 1919.
إنّ التّعاطف الدّولي مع خسارة 1139 إسرائيليّاً، كما يقول الكاتب، قد هزُلت قيمته أمام هول المجازر الّتي ارتكبتها إسرائيل، ولا تزال، وقتلها لما يزيد عن ال35000، وأصبح يتجاوز ال 37000 فلسطيني حتّى الآن؛ والّذين استسلم الكثيرون منهم للجّوع والعطش وتمّ تدمير مرافقهم الطّبّيّة على يد جيش الدّفاع الاسرائيلي.
يقول ثيروس إنَّ تحويل قطاع غزّة بأكمله إلى أرض قاحلة مليئة بالأنقاض إضافة إلى الحرمان المجحف من الغذاء والماء، أدّى إلى تشويه سمعة إسرائيل على المستوى العالمي بشدّة. وللمرّة الأولى يواجه الإسرائيليّون اتّهامات دوليّة محتملة بارتكاب جرائم حرب وحتّى إبادة جماعيّة.
ناهيك عن أنَّ إصرارها على القضاء على حماس سوف يفشل هو الآخر، الأمر الّذي يجعل مستقبل إسرائيل أكثر قتامة. فالجيش الإسرائيلي لم يستطع أن يهزم حماس، ويراها تستمر في الظّهور في المناطق الّتي ادّعى بأنَّه قام بتطهيرها، ممّا جعل إسرائيل تواجه تمرّداً دمويّاً مُكلفاً لن ينتهي سريعاً.
إنّ حرب غزّة تهدّد بتنفير الشّعب الوحيد الّذي دعمها لما يقرب من 3 أجيال؛ أي الأمريكيّون. فقد أصبح الشّباب الأمريكي، بما فيهم اليهود، يتظاهرون من أجل فلسطين ولكنّهم يتعرّضون للسّخرية والقمع بالرّغم من أنَّهم يمثّلون النُّخبة المتميّزة الّتي ستُدير البلاد في ال20 سنة القادمة. وهذا أمر غاية في الأهميّة. فإذا كان لدى قادة إسرائيل الحالييّن بُعد نظر؛ فعليهم أن يشعروا بالقلق.
وما هو أبعد من ذلك، فأنَّ حرب غزّة، كما وصفها الكاتب، أدّت إلى توتّر تجاوز نقطة الانهيار، وهو احتمال عدم إيجاد إسرائيل لموطن آمن لها في المنطقة. فحتّى القادة المُستبدّون، أمثال نتنياهو ومَن حوله، لا يمكنهم تجاهل الغضب الشّعبي الّذي حرّكته هذه الحرب.
لقد انضمت مصر، صاحبة أكبر مصلحة من السّلام مع الإسرائيليّين، إلى طلب جنوب إفريقيا المُقدَّم لمحكمة العدل الدوليّة؛ والّذي يطالب بإعلان الحملة الّتي تشنّها إسرائيل: “إبادة جماعية”.
لم تلحق حرب غزّة الضّرر بنظرة العالم ونظرة الجوار فحسب، بل أدّت إلى تفاقم صراع إسرائيلي داخلي قد يكون مميتاً. وهي تواجه الآن أمام العالم مسؤوليّة العبء الاقتصادي الكبير المتمثّل في الحفاظ على حياة 2.4 مليون من سكّان غزّة الّذين تقطعت بهم السُّبل في ظلِّ الأحوال الّتي خلّفتها الحرب. ولن تتمكّن أيّ من الدّول العربيّة من تمويل إعادة الإعمار بغياب قبول إسرائيلي مُتعنّت لقيام دولة فلسطينيّة، كذلك، لا يُتوقّع أن تتحمّل أمريكا دفع الفاتورة في عام الانتخابات الرّئاسيّة.
لقد مكّنت الأزمة؛ الجناح اليمينيّ المُتطرّف في الحكومة الإسرائيليّة، من التّعامل بوحشيّة مع اليهود المتظاهرين كما لو كانوا عرباً. كما وأدّى إغلاق مكاتب قناة الجزيرة؛ إلى إزالة البرنامج الإخباري الأكثر مشاهدة في المنطقة. إضافة إلى حقيقة أن نصف سكانها استخدموا الحرب لتعزيز الثّيوقراطيّة (حكم رجال الدّين الّذي يرجع إلى الله).
إنّ الإسرائيليّين الّليبراليّين العلمانيّين الّذين أنشأوا إسرائيل يجدون أنفسهم يعيشون في بلد لا مكان لهم فيه. كما ويدرك الدّبلوماسيّون بأنَّه لا توجد “فرصة أخيرة” على الإطلاق، وبأنَّه لم يعد للولايات المُتّحدة الأمريكيّة نفَس أطول لإقناع إسرائيل وقادتها بالاعتراف بأنَّ مستقبلها لن يكون مضموناً إلّا إذا تكيّفت مع المنطقة وتقبّلت بأنَّ السّلام لن يتحقّق إلّا من خلال الدّبلوماسيّة وليس بالقوّة العسكريّة، وإلّا؛ فسيكون مصيرها كمصير الدّولة الصليبيّة في القرن 12، بمعنى الاندثار والمكوث بغياهب النّسيان.
يُذكر بأنَّ باتريك ثيروس، هو السّفير الأمريكي الأسبق في قطر والمستشار الاستراتيجي لمنتدى الخليج الدّولي بنيويورك والمسؤول السّابق في وزارة الخارجيّة الأمريكيّة الّذي يتّهم الرّئيس بايدن بعدم جدّيّته في إيقاف الحرب الإسرائيليّة على غزّة، مؤكّداً بأنّ واشنطن يمكنها فعل ذلك لو أرادت. وكان ثيروس المعروف بدبلوماسيّته وبعد نظره، قد حذّر مؤخّرا من أّنَّ طرد المقاومة (حماس) من الدّوحة وإغلاق مكاتبها في حال عدم استجابتها لصفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل، سيشكّل كابوساً لدى البيت الأبيض ويجعل أَّي مفاوضات مستقبليّة مستحيلة.