ثقافة ومنوعات

المسيح والمهدي وكربلاء في إبداع الرحابنة

هل ثمة حضور ضمني للسيد المسيح والمهدي المنتظر وكربلاء فعلاً في بعض أعمال وإبداعات الرحابنة في لبنان ( عاصي ومنصور والسيدة فيروز) ؟ هناء صالح توضح

هناء صالح

خلال فترة الحرب الاهلية اللبنانية وخلال كل عدوان كان يقع على لبنان كان صوت فيروز يصدح في الإذاعات ” غمر الطوفان الأرض ورجعوها اللي بقيوا، استعبد الظلام الناس وحرروهن اللي بقيوا…”

مسرحية الاخوين رحباني التي عرضت في العام 1969 تحكي قصة ظلم واستبداد المستعمر “فاتك المتسلط” -أنطوان كرباج -الذي غزا بلدة جبال الصوان واحتلها وعاث فيها ظلما وفسادا وأصبح سيدها وحاكمها. “مدلج”- عاصي الرحباني-“مات على البوابة” وهو يدافع عن ارضه.

“غربة “- فيروز- ابنة مدلج. كانت لا تزال صغيرة السن يوم مقتل ابيها فهربت مع من هرب. وكان مصيرها أيضا الموت بعد عودتها لتحرر الأرض. وكان موتها أيضا، على “البوابة”. وبموتها، ازاحت “غربة” ظلم السنين ولم تعد سيوف “فاتك المتسلط” تقوى على عزيمة وعنفوان اهل هذه البلدة فكان ان انسحب جارا وراءه اذيال الخيبة والهزيمة.

  جبال الصوان، أكثر الانتاجات الرحبانية التي كنا نسمعها في الإذاعات، إثر كل اعتداء على لبنان وخلال كل اشكال أمني بين ميليشيات الحرب الاهلية. ظاهرها بطولة واستشهاد لدحر المحتل الظالم وفي طياتها ابعاد اخرى.

في جبال الصوان يلعب عاصي الرحباني شخصية مدلج. لم يتجاوز حضور عاصي سوى دقائق قليلة من وقت المسرحية. ولكن كان لحضوره تميزا في الشكل والمضمون. “مدلج” الثائر والمناضل الذي رفض ان يتنازل عن ارضه للمعتدي، القوي والمتسلط فاتك. فكانت معركتهما الأخيرة في الليلة الأخيرة على “البوابة”. البوابة تختزن العديد من الرمزيات؛ هي الحد الفاصل بين الموت والحياة وبين الحق والباطل وبين الاقدام والتراجع. وكأننا بها امام واقعة الطف والبوابة ليست الا كربلاء الحسين.

لا نعرف ان كان عاصي الرحباني عالما بتفاصيل واقعة كربلاء، ما قبلها وما بعدها ومطلعا على حيثيات شخصية الحسين حيث اننا وجدنا بعضا من التفاصيل التي قد تكون متشابهة بين “البوابة” وكربلاء وبين “مدلج” والحسين.

جبال الصوان، القتال يدور بين الطرفين. الغلبة تبدو بوضوح في كفة المعتدي فيصيح قائلا: “مدلج، يا قيدوم جبال الصوان، يا بطل جبال الصوان اركع، انذل. …روس جبالك بأيدينا، افتح البوابة بايدك واعزمنا لعندك.”

وبعزم الرجال الابطال يرد عليه مدلج، بعد ان تركه اصحابه:” يا فاتك المتسلط، مش راح اترك البوابة. فوتوا بالقوة.”

وهنا نستذكر قول الحسين عندما طلب منه الرضوخ والاذعان:” والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد.”

 وعن مقتل مدلج قال أحد رجال فاتك ” كان موتو أقوى من السيف”. وقالت بعض النساء في مدح مدلج أمام فاتك: ” تعب السيف ما تعب البطل، سكر السيف ما سكر البطل، انكسر السيف، انكسر اللي انتصر، انكسر الموت ما انكسر البطل”.

وما اشبه هذا القول بما عرف عن واقعة الطف ومقتل الامام الحسين بانها المعركة التي “انتصر فيها الدم على السيف”.

 قاتل مدلج مع رجاله. وكان منهم من هرب ومن قتل. عندما اشتدت رحى المعركة، قال لهم: “إذا بعدني القايد، حليتكم مني، طيعوا الامر وروحوا”.

 في الليلة العاشرة، قال الحسين لأصحابه”…واني قد اذنت لكم، فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم مني حرج ولا ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا.”

رجال مدلج تفرقوا كما رجال الحسين (الا من اهله ورجاله المقربين) بعد ان دخل الخوف في نفوسهم فقتل كما الحسين وحيدا فريدا.

تناول عاصي ومنصور موضوع الانتظار في الكثير من الاعمال الفنية: “هالة والملك” و “المحطة” و “صح النوم و ” وغيرها.

اما في جبال الصوان فكان للانتظار بعد غيبي. “غربة” ابنة مدلج عادت بعد انتظار طويل. اشتد الظلم والجور على الناس وبلغ الفساد والاستبداد حدا ضاقت به الناس ذرعا. فباتوا بانتظار المخلص. فكان لعودة غربة ظهورا مسيحيا ومهدويا. فالمسيح والمهدي باعتقاد الطوائف المسيحية والمسلمة هما من سيخلصان الأرض من الظلم والفساد ويملآنها قسطا وعدلا. وهكذا البس عاصي ومنصور غربة

ثوب الثورة والقداسة. فكانت المرشدة الثورية والاجتماعية وقد أعادت بظهورها الامل في النفوس التي حطمها اليأس.

 وكما لظهور المسيح والمهدي علامات تنبئ عن قرب الظهور، كان لظهور غربة أيضا علامة؛ هي الغيمة التي كبرت فوق الجوزة:

” شوفوا، شوفوا الغيمة   كبرت فوق الجوزة، مأكد بدو يصير شي”.

لم يرحل الحزن الا بعودتها ولم تتحرر جبال الصوان الا بمقتلها على البوابة، الرمز.

كم انت عظيم أيها العاصي وكم في كلامك عمق وثورة وحب. وكم انت عظيمة ايتها العائلة الرحبانية بكل ما قدمته لهذا الوطن العربي الكبير من جمال وفن راق. كنت مدرسة لا نزال ننهل منها. سوف تبقين بالتأكيد علامة فارقة على جدار هذا الوطن.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button