آخر خبرقالت الصحف

ماذا حصل في القدس يوم الأحد؟ تعقّل أم خيبة أمل؟

الكاتبان ابراهيم الامين وهاني المصري يقدّمان قراءتين

 بقلم: هاني المصري- مسارات-فلسطين

إذا كانت هبة القدس ومعركة سيف القدس في العام الماضي انتصارًا للفلسطينيين؛ حيث جسّدوا وحدتهم، واستعدادهم للمقاومة بكل الأشكال، وفي كل التجمعات الفلسطينية، دفاعًا عن قضيتهم وحقوقهم وقدسهم وأقصاهم؛ فإنّ ما حصل يوم الأحد الماضي هزيمة، لا سيّما في ظل نجاح مسيرة الأعلام، بمشاركة عشرات الآلاف من المستعمرين المتطرفين، وممارسة بعضهم لطقوسهم الدينية، لدرجة قيام العشرات منهم بالسجود الملحمي لأول مرة في باحات المسجد الأقصى، والاعتداء على شعبنا وممتلكاته في مناطق عدة في القدس، وشتم العرب والنبي والدعوة لموتهم، والتهديد بارتكاب نكبة جديدة ضدهم، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا لا يجسّد “وحدة القدس” كما يدعون، بل بدت منقسمة أكثر من أي وقت آخر، ولا يعطي للاحتلال حقًا ولا يترتب عليه أي التزام.إنّ انتصار أيار الماضي ليس كاملًا ولا حاسمًا ولا نهاية المطاف، ولا هزيمة أيار الحالي ضربة قاضية، بل هذه وتلك جولتان في صراع مستمر منذ أكثر من مائة عام، ومرشح أن يستمر لسنوات قد تطول إذا لم تتغير الظروف التي يمر بها الفلسطينيون والعرب وأنصارهم وأصدقاؤهم على امتداد العالم، وهناك إرهاصات وبشائر على أن التغيير قادم .لم يكن انتصار الفلسطينيين في أيار الماضي حاسمًا، ولم يحقق تغييرًا شاملًا لقواعد الاشتباك؛ إذ لا بد من البناء عليه على أساس وطني لا فئوي، وكان مكلفًا خصوصًا لشعبنا في قطاع غزة، وكذلك انتصار المستوطنين المستعمرين في مسيرة الأعلام لم يكن حاسمًا، بدليل أن القدس بدت صامدة شامخة في وجه مسيرتهم، رافعة العلم الفلسطيني عاليًا كما لم يُرفع في مواجهة العلم الإسرائيلي، إضافة إلى الدفاع عن القدس والنفس والممتلكات وتنظيم المسيرات المضادة، على الرغم من آلاف الجنود من الشرطة والوحدات الخاصة، واستنفار القبة الحديدية، وتحليق الطيران طوال الوقت تحسبًا لمشاركة المقاومة في غزة.في هذا السياق، حسنًا فعلت المقاومة في أنها لم تتدخل، وهذا لا يرجع إلى صفقة وليس ناتجًا أساسًا عن الضغوط العربية والإقليمية؛ لأن المقاومة لو فعلت وأطلقت الصواريخ لوقعت في الفخ الإسرائيلي؛ حيث كانت إسرائيل موحدة خلف مسيرة الأعلام، ومستعدة لشن عدوان عسكري غادر على قطاع غزة، هدفه ممارسة تكرار سياسة جزّ العشب، وتلقين المقاومة درسًا لن تنساه، وممارسة دعاية انتخابية تعزز فرص الائتلاف الحكومي في الانتخابات القادمة، وتأكيد الهيمنة الاحتلالية، وليس السيادة على القدس، والأقصى تحديدًا، واستعادة هيبة الردع التي تعرضت لامتحان صعب في معركة سيف القدس، وسلسلة العمليات العسكرية والمواجهات الشعبية التي شهدتها فلسطين، خصوصًا منذ أيار الماضي إلى أيار الحالي.ما ساهم بشدة في جعل مسيرة الأعلام هزيمة لنا وجريمة لن تغتفر لهم أن المقاومة كبرت حجرها، ووضعت شروطًا وخطوطًا حمرًا، ووعدت بما لا تستطيع الوفاء به، حين صورت أنها قوة عظمى، وساهمت التصريحات والإعلام، وخصوصًا برنامج “ما خفي أعظم” في هذا الأمر، وبالتالي كانت الجماهير بانتظار تحقيق الوعود بإطلاق الصواريخ بأعداد ودقة أكبر من السابق، وكان هناك توقع بأنّ محور الممانعة لن يبقى ساكنًا، وأن حربًا إقليمية ستندلع، وهذا ساهم في أن عدد المرابطين في الأقصى والمتظاهرين في القدس ليس كما تستدعي التحديات والمخاطر؛ لأنه عندما تتكلم الصواريخ تسكت أشكال النضال الأخرى، أو تتضاءل أهميتها ودورها.أخطأت المقاومة عندما بالغت بقوتها، وقللت من قوة عدوها، وعندما أنذرته بزلزلة الأرض إذا قام باغتيال قادة من المقاومة، ولم تفعل الشيء نفسه عندما قام الاحتلال بأخطر وأوسع اقتحام للأقصى منذ العام 1967.على المقاومة أن تعي ما يعد لها، وهو الاستعداد لشن عدوان عسكري ضدها، يراد أن يلحق بها ضربة قوية إن لم تكن قاصمة تفتح الباب لتدخلات عربية ودولية تغير الوضع القائم في قطاع غزة؛ حيث تُفرض عليه تهدئة طويلة الأمد من خلال إعادة سلطة أوسلو إلى القطاع أو من دون إعادتها .هناك من يرد على ما سبق بأن المقاومة قوية، وأن ردها المزلزل قادم في التوقيت الذي تحدده هي، وليس في الوقت المناسب لعدوها، وهذا جيد، ولكنه لا يقدّم الصورة كاملة، وهي تكتمل إذا أضفنا أن الصراع لا يجب أن يأخذ شكل الحرب العسكرية أساسًا، مع أهمية الاحتفاظ بالمقاومة المسلحة، واستخدامها ضد أهداف عسكرية في الأوقات التي تكون مجدية، وأن تكون جزءًا من إستراتيجية موحدة، ولا يعتمد أساسًا على الصواريخ التي أثبتت أهميتها وجدواها، ولكن في الدفاع عن النفس ومنع احتلال القطاع مجددًا، والاستخدام في لحظات استثنائية، مثل ضم أراضٍ جديدة لإسرائيل، وترسيم التقسيم الزماني والمكاني للأقصى تمهيدًا لهدمه، والرد على مجزرة كبيرة؛ ذلك لسبب بسيط، ولكنه في منتهى الأهمية، وهو أن ميزان القوى العسكري لا يزال مختلًا لصالح الاحتلال، وأن الأوضاع العربية والإقليمية والدولية غير ملائمة للمقاومة لكي يأخذ الصراع شكل الحرب العسكرية، بل يناسبها أكثر بكثير أن يأخذ الطابع الشعبي والمقاطعة بكل أشكالها، وملاحقة الاحتلال على كل المستويات والمحافل الدولية، الثقل الرئيسي والمسنودة في حالات طارئة بالمقاومة المسلحة.وللتدليل على ذلك، نشير إلى أن خسائر الشعب الفلسطيني البشرية منذ العام 2006 وحتى الآن أكثر من 7 آلاف شهيد، بينما خسائر الاحتلال خلال المدة نفسها أقل من 300 قتيل، وهي أقل بكثير من المعدل العام للخسائر البشرية للجانبين منذ بدء الصراع؛ حيث ارتقى أكثر من 100 ألف شهيد فلسطيني مقابل حوالي 25 ألف قتيل إسرائيلي، وإذا عدنا إلى حرب 1948 سنجد أن عدد الشهداء أكثر من 15 ألف شهيد مقابل مقابل 6373 قتيلًا إسرائيليًا، وفي الانتفاضة الثانية أكثر من 4 آلاف شهيد فلسطيني مقابل أكثر من ألف قتيل إسرائيلي.وهنا يُطرح سؤال: كيف سيتحقق الترابط بين غزة والقدس وشعبنا في الداخل وأماكن اللجوء والشتات، إذا لم تكن صواريخ غزة حاضرة لنجدة القدس والأقصى وجنين ونابلس؟الجواب بسيط، ويتمثل في تحقيق الوحدة التي يمكن أن تتحقق عن طريق واحد فقط، من خلال وحدة المشروع الوطني والبرامج السياسية المتكاملة، ووحدة المؤسسة الوطنية الجامعة والقيادة الواحدة على أساس الأهداف والقواسم المشتركة على الرغم من الخلافات والتباينات القائمة، التي ستبقى وهي تجسد التعددية الفلسطينية التي هي من أهم مصادر حيوية ومناعة القضية الفلسطينية وبقائها حية رغم كل المؤامرات والحروب والمجازر والويلات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني.يجب ألا تنتظر الوحدةُ وحدةَ القيادات عبر حوار الطرشان والاتفاقات التي لا تنفذ، وإنما من خلال الوحدة الميدانية في كل المجالات والمستويات والقضايا، ومن أسفل إلى أعلى، ومن خلال تشكيل جبهة وطنية عريضة مفتوحة لكل فلسطيني ولكل فصيل مؤمن بالأهداف الوطنية والكفاح لتحقيقها؛ أي وحدة وطنية على أسس شراكة حقيقية وديمقراطية توافقية تستند إلى الاحتكام إلى الشعب والمؤسسات الشرعية المنتخبة.تأسيسًا على ما سبق، على المقاومة أن تضع في حساباتها أن الوحدة أولوية وقانون الانتصار لشعب يعيش مثل الظروف التي يمر بها الشعب الفلسطيني، وبالتالي عليها ألا تتجاهلها وتتعايش مع الانقسام، وبالتالي عليها ألا تعطي كل اهتمامها حتى لكيفية الرد العسكري على مسيرة الأعلام وتدنيس الأقصى، بل الرد الحقيقي هو في استعادة الوحدة ليس من خلال تسليم قطاع غزة لسلطة أوسلو التي سقفها بات أقل حتى من أوسلو، ولكن من خلال بلورة رؤية ومشروع وطني تنبثق عنه إستراتيجيات مشتركة تناسب ظروف وخصائص كل تجمع من تجمعات تواجد الشعب الفلسطيني، من دون مغامرات، وحرق للمراحل، وتفكير بالتمني، وتعلق بخرافات وتنبؤات عن زوال إسرائيل في هذا العام، أو عندما تبلغ ثمانين عامًا من دون توفير عوامل زوالها، التي يمكن أن تتم على دفعات ومراحل وعبر تراكم الحقائق والانتصارات، ومن دون تخاذل واستسلام وقبول التعايش والتعاطي مع ما يطرحه الاحتلال.سلطة أوسلو مسرورة لما حصل يوم الأحد الماضي لجهة عدم إطلاق الصواريخ؛ لأن هذا يذكي، ولو مؤقتًا خيارها، ويضعف المقاومة، ولكنها لن تفرح طويلًا، فالمقاومة الشاملة المستمرة والوحدة على أساس مشروع وطني يحدد ما يمكن تحقيقه في كل مرحلة من دون أن ينسى الهدف النهائي، وعلى أساس أن معادلة المقاومة تزرع والسياسة والمفاوضات تحصد هي طريق الانتصار .

بقلم ابراهيم الأمين-جريدة الاخبار 

حتى مساء الأحد، كان كثيرون يتوقّعون انفجاراً عسكرياً كبيراً في فلسطين، وتوقّعوا أيضاً أن يتمدّد إلى خارجها. واستند هؤلاء إلى تقدير بأن «مسيرة الأعلام» ستدفع المقاومة إلى ردّ عسكري حتميّ، ينطلق من قطاع غزة، ما سيؤدّي إلى مواجهة قاسية مع العدو، تستوجب تدخّل «محور المقاومة» من جبهات أخرى. وعندما مرّ الوقت ولم يكن التوقّع في مكانه، تنازعت الجمهورَ ــــ وحتى المراقبين ــــ؛ مناخاتٌ تداخَل فيها الإحباط بالخيبة والحسابات الخاطئة.

مَن يراجع تجارب المواجهة بين المقاومة الجادّة والعدوّ، في لبنان أو فلسطين، يدرك أن أبرز عناصر قوّتها تكمن في أن العقل، لا الانفعال، هو ما يتحكّم بخطواتها وقراراتها. وكلّ حساب خاطئ ينجم عن حماسة أو سعي لمكاسب خارج ميدان المقاومة، يقود حُكماً إلى نتائج سلبية.

فقط للعلم، لم يبقَ مسؤول عربي أو إقليمي أو دولي تربطه صلة بالمقاومة، إلا مارس كلّ أنواع التهويل ضدّ قيادات المقاومة في فلسطين، في حال تدخّلت لنصرة أهل القدس. ولم تبقَ جهة رسمية عربية إلا هدّدت أهل غزة بالجوع والقهر والحصار، إن حصلت المواجهة. وجرَت خطوات عملانية تهدّد بزيادة الضغط على الناس، ليس حياتياً فقط، بل حتى عبر تغطية عدوان إسرائيلي كان رئيس حكومة العدو نفتالي بينت، يريده قاسياً أكثر من أيّ وقت سابق، ضدّ القطاع ومقاومته وأهله.

طبعاً، لا يمكن تجاهل أخطاء الإدارة الإعلامية والسياسية لفصائل المقاومة خلال السنة الماضية. لم يكن انتصار «سيف القدس» أمراً عابراً، وما جرى خلال سنة من موجة عمليات ومواجهات في القدس والضفة الغربية وحتى داخل الأراضي المحتلّة عام 1948 كان مذهلاً، وهو يمثّل اليوم مركزَ القلق عند العدو. لكنْ، ثمّة مَيلٌ إلى المبالغة، برز عند نشطاء وإعلاميين ومؤثّرين من أنصار المقاومة، وكذلك عند قيادات فيها، وتمظهر في الحديث عن الربط التلقائي لأيّ مواجهة بين أهالي القدس والعدوّ، وبين مقاومة غزة. لكن هذه الأخطاء لا تبرّر مناخ الإحباط الذي يُراد له أن ينتشر بقصد النيل من قرارات قيادات المقاومة في «حماس» أو «الجهاد الإسلامي»، أو بقية الفصائل.

ومَن لا يعرف عن تفاصيل إدارة هذا النوع من المعارك، عليه أن يرجع إلى الخلف قليلاً، ويتذكّر أن القادة الحاليين للمقاومة في لبنان أو فلسطين أو بقية المنطقة، يستنِدون في قراراتهم إلى حسابات يحكمها العقل. وكما بيّنت التجارب، أنّهم لا تنقصهم الشجاعة والإقدام والاستعداد لتحمّل المسؤولية والتضحيات، فهم أيضاً لا تنقصهم الحكمة التي تحتاج إليها كلّ مقاومة عاقلة.

ولمن لم يرَ المشهد جيداً، فليتذكّرْ بأن إسرائيل التي كانت تجتاح وتقتل وتهدم وتقوم بكلّ ما يحلو لها، صار جُلّ مبتغاها أن تنجح في تنظيم مسيرة لم تجذب سوى متطرّفي المستوطنات في الضفة الغربية، دون بقيّة مستوطني المدن. وانظروا إلى هذه الدولة التي تملك جيشاً جباراً كانت تستخدمه عندما يحلو لها، وأينما تريد، انتهى بها الأمر بأن تدرس كيفية تنفيذ عمليات أمنية في هذه المنطقة أو تلك، من دون ترك بصمات، لكي تحول دون تدفيعها الثمن.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button