مقال اليوم

  أن تكون ابنتُك مختلفة…وانت تخترع الأمل بعد الألم

سامي كليب:

كثيرون يرفعون شعار المساواة وعدم التمييز ويدّعون تقبّل الآخر، لكن نادرين من ينقلون الشعار الى حيّز التطبيق ويؤمنون عميقاً به. فماذا لو كان الامرُ يتعلّق بأمٍ انتظرت الفرح بطفلةٍ كانت تزرعُ لها طريق المُستقبلِ بالورود وهي ما تزالُ نُطفة في أحشائها، وترسمُ لها قوسَ قُزح بانتظار ولادتها، فإذا بها تولد موسومة بالصدمة، وبذاك المرض المؤلم لها وللأهل، أو بالأحرى الخلل الكروموزومي الذي يؤدي الى التأخر بالنمو العقلي واللغوي والحسّي والحركي والمعروف غربيا باسم Down syndrome  أو  Trisomie21

حين وصلني كتاب الأستاذة الجامعية والخبيرة النفسية الدكتورة الصديقة بهاء يحيى بعنوان:” السواء، الاختلاف، وزمن الكورونا”، لما يفاجئني عُمقَ المضمون، ولا سلاسة الكتابة، ولا تسلسل الأفكار، فالكاتبة التي تتولى إدارة فرع علم النفس في احد فروع الجامعة اللبنانية، عريقة في مجالها، عميقة بثقافتها، شجاعة بطرحها، صقلت علومَها في لُبنان وفرنسا، وعززّت خبرتها بدراساتها وأبحاثها وتعليمها الجامعي، ومرّت على الاعلام مرور الكرام، حيث تزاملنا في إذاعة فرنسا الدولية لفترة قصيرة لكنها كانت كافية للتأكد من سعة مداركها، وأصالة انتمائها الى وطنها والقضايا العربية، وصدق وشفافية كتابتها، ولعلّ هذه التجربة الإعلامية القصيرة عزّزت عندها سلاسة الجملة الاكاديمية.

لكن ما أن بدأتُ بقراءة الصفحات الأولى، حتى نسيتُ معظمَ الخبرة الطويلة، وعمق التجربة، ووجدتني أمام الام، الانسانة، المرأة، التي صُدمت، وتوقّف عقلُها عن التفكير، فصار قلبُها المجروح يحتلُّ كلَّ المكان، حتى كادت تهجرُ ابنتها لمصيرها، وتتركها لرعاية جدّتها، وتنزوي في عالمها الخاص، طارحة أسئلة وجودية مقرونة بالدموع التي تنهمرُ بلا أرادة ولا قدرة على ايقافها.

في هذه الحالة بالضبط، حالة الأم وطفلها، يتوقّف كل منطق الكون، وتسقط كل العلوم والنظريات، وتعود الام الى بداية الكون والى الأسئلة الوجودية الأولى والى غريزة البقاء والى الشك بكل شيء. فالطفلةُ هي الامتداد الطبيعي للأم، وغالباً ما ترسمُ الأم لامتدادها ما تُريدُه ضمنيا لنفسها، وما لم تحقّقه في حياتها، وما تأمل بأن يكون استثنائيا في كل شيء.

تمرُّ فترةٌ طويلة قبل أن تعود الأم المصدومة والجريحة الى رُشدها، فتبدأ رحلة تقبّل هذا الواقع الجديد والتكيّف معه، ثم تنتقل الى مرحلة معالجته واحتضان فلذة كبدها، لتصل في نهاية المطاف الى أن تُصبح هذه الطفلة المصابة بخلل النمو محورَ حياتها، لا بل ومبعثَ فرحها واعتزازها، لا بل تتحول في لحظات العمق الإنساني الى أمها في لعبةِ تبادل الأدوار التي تلامسُ شغافَ قلب القارئ حتى ليكاد يشعر بيد الفتاة الصغيرة تُلامسُ وجنتيه.

كادت هذه النهاية أن تكون سعيدة، وأن تستمر حياة العائلة الصغيرة بين الأم وزوجها وابنيهما (صبي وبنت)، لكن مآسي الوطن فاقت المتلازمة وخلل النمو وكل المصائب الأخرى التي عرفتها الدكتورة بهاء وجيلُنا في عقودنا السابقة. فجاء تفجير مرفأ بيروت، وجاءت جائحة كورونا، وحلّ الفقر وانهيار العُملة الوطنية ضيفا ثقيل الوطأة على البيوت والقلوب.

في الكتاب ربطٌ عميق وذكي وشفّاف بين الطفلة التي تنمو بخللها وحبّها وحنانها وابتسامتها المُشرقة، وبين كل المصائب الآنفة الذكر، فتنتقل الأسئلة الوجودية من صدمة الولادة الي الصدمات الإنسانية الكثيرة الأخرى التي لا شكّ غيّرت مسارات كثيرة في حياتنا.

تقول الكاتبة:” الصدمة والذهول هما عنوان حالتنا في الأيام التي تلت المجزرة- المأساة، زينب أبنتي التي كانت نائمة حين حدوث الانفجار وأيقظها الصوت المدوّي، ظلّت تبحث في ملامح وجوهنا الكئيبة عن سرّ هذا الصوت الذي سمعته، عن سبب تسمّرنا أمام شاشات التلفزة ساعات وساعات، عن هذا الفزع الذي بات يعشعش في قلوبنا، عن هذه النظرة المنكسرة في عيوننا لأننا لم نستطع حماية الوطن وأبناء هذا الوطن، هي لا تفهم في السياسة ولا في الأمن والعسكر، هي تعرف في البهجة والفرح والحب، فكيف لها فهم ما يعترينا؟ “

وتضيف:” بعد هذا الانفجار لم أعد أريد أن اعرف كيف ومتى ومن ولماذا حصل كل ذلك، بل أريد فقط أن انزوي في قوقعتي، أحضن طفلتي وأدخل عالمها المختلف، ولكن المتعافي من كل هذه السموم التي ينفثها عالمنا في الخارج، ومن كل هذا السواد الذي أضحى عنوانا ليومياتنا”.

قد تشعر عزيزي القارئ، كما شعرتُ أنا، بأن الكاتبة مالت نحو السوداوية، وانزلقت الى أتون اليأس، واستعادت صورة صدمة ولادة طفلتها، لكن الذي حصل هو العكس تماما، فالكاتبة أرادت، وبسبب حبّها لولديها، وبفضل تعمّقها بهذا الوجود الذي نعبره بأحلامنا وأوهامنا وأسئلتنا، أن توظّف كل ما عانته، من فقد شقيقتها التي كانت سفيرة للبنان ومثقفة استثنائية وسيدة رقيقة كورقة ياسمين قبل ان يقتلها السرطان، ومن ولادة ابنتها بهذه الحالة، ومن حروب وويلات وتفجيرات واغتيالات وانهيارات في الوطن الجريح، أرادت الكاتبة أن توظّف كل ذلك لترسم الامل بألوان قوس قزح وبلمعة عيني طفلتها.

قالت:” وتكبر زينب ويكبر حبّي لها لا بل عشقي لها، اختلافها ما عاد يحزنني، و” تخلّفها” أيضا، فأنا أرى العالم كلّه اليوم من خلال نظراتها الحنونة، وأسمع أعذب الألحان في ضحكاتها الرنانة التي لا حدود لها، وعند إغفاءتاها يستكين الكون”.

كتابٌ عميق ورقيق وانساني، يليق بقلب زينب وبقلب أمّها وبكل من مرّ بتجربة مؤلمة كتجربتهما. وهو سلسُ القراءة، جميلُ العبارات، وصادر عن ” مؤسسة الديوان للطباعة والنشر والتوزيع ” في بيروت.

 

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button