آخر خبرافتتاحية

بيروت بين وجعِ العِتاب، وعشقِ الكتاب

سامي كليب:

قبل 6 سنوات حين شاركتُ للمرة الأولى ككاتب في المعرض الدولي للكتاب في بيروت، شعرتُ باعتزاز الانتماء الى مدينة رَسَمتَ بالحبر، قبل وبعد الدم دائما، مجدَها الثقافي والتنويري والفكري، وحين زرتُ المعرض أمس، رأيتُ مدينةَ حزينةً وعاتبةً وغاضبةً، تكتمُ غيظها خلف ابتسامات بعضِ الكُتُبُ على الرفوف، وتعضُ على جروحها المتناثرة في كل خلايا جسدها المتهالك، وتصطنع شيئا من الفرحِ بين أجنحةٍ قليلة وزوّارٍ يتفحّصون أسعارَ الكُتُبِ قبل عناوينها، كي لا تُحرِجُهُم جيوبُهم الفارغة والمناقضة عقولَهم التوّاقة الى اقتناء كتاب جديد.

بدا معرضُ الكتاب في يومه الأول كتلك المُدُن المكسيكية المهجورة في أفلام الكاوبوي، يُطلّ من خلف طاولاتها بعضُ أصحاب دور النشر قلقين، راغبين في أن يُلقي عليهم بعضُ الزوّار التحية، حتى ولو لم يشتروا. تتناثرُ بين الاجنحة ذكرياتٌ حزينة، تحملُها بعضُ عناوين صُحُفٍ توقّفت عن الصدور، ك” السفير” مثلا، التي ما زال عنوان صفحتها الأولى الصفراء بفعل الزمن يقول:” بيروت تحترق ولا ترفع الراية البيضاء”. يؤرّخ العنوان، لفترة كان فيها عنفوان الصحافة والكتب والثقافة والفكر والنضال كبيرا في أوج الاجتياح الإسرائيلي الوحشي لبيروت.

نحاول أن نكتم الحُزنَ، تماما كبيروت، ونعضَّ على الجرح، تماما كالمعرض، ونسير بصحبة بعض الأصدقاء، نسأل عن الجديد. تتقدّم الشاعرة والناشطة الثقافية منى مَشّون بابتسامتها الدائمة وشعرها الجعدي صوبنا مُرحّبةً وحاملةً ديوانها الأخير ” بيروتُ اغنية السلام”، تقول في اهدائه:” الى الذين عانقت اشلاؤهم بحرَ بيروت، الى الذين جمعوا ما تبقّى فيهم من روح..وسندوا بعضاً من هذا الحُطام”.

كُتبُ بيروت غالبا ما عكست روحَها. فلو ضيّعت شيئا من زمانها وتاريخها، ابحث عن كتاب صدر في ذاك الزمن تجد ما تبحث عنه. من كتابها الأول ” الثورة الانثى” الهادم لتقاليد كثيرة وموروثات ذكورية مقزّزة، الى بيروتيها-بيروتِنا المتألمة، تحاول منى مَشّون أن تمرّ في ديوانها الجديد على الحب بِوَصلِه وبعاده، بعمقه المُقارب التأليه حتى مُنتهى الصوفية، وقسوته الجائرة القاتلة والقائلة:” إرحل. إرحل/ لم يعد للنصل خِنجَر/ ولا شِريانٌ لتقطع..اعتقدنا لبُرهة/ أنّ بَوحَنا سيجعلُنا أقرب/ الاّ أن الجُرحَ فقط/ صار أعمق”.

لكن بيروت تبقى القضية بحزنها وثورتها، بالحنين والأمل: ” بيروت ما أبقى الكلامُ للكلام كلاماً/ بيروت أغنية السلام”، تقول مُنى ثم تسعى لإقناع نفسها بوجوب إضاءة شمعة في ليل المدينة بدلا من لعن الظلام، فتكتب :” عندما ينكسر الوطنُ..ليس المطلوبُ منكَ تقديمَ الكثير..يكفي أن تُلملم ما تبقّى فيك من روحٍ وتسندَ بعضا من هذا الحُطام”. بين الوجع والأمل يستقر الديوان الجديد، بين العشق وبيروت الباحثة عن لملمة حُطامها بعد تفجير المرفأ، بين الانكسار وروح التمرّد على النظام والزعيم، تقف مُنى عند مُفترق الشعور وعلى ناصية الحُلم، فتكتب الوطنَ على صفحتها اليُمنى :” وطني. افتش عنكَ لا أراكَ..الا في قلبي “، وتضيف الحبَّ على صفحتها اليُسرى فتقول :” أنا وأنتَ. عَبَرتَني/ اجتزتُ المَسام. أشبعتَ باللثّمِ الهِضابَ/ القفيرُ امتلأ…عادَ الطّوفانُ/ كلُّ ما عليها فانٍ/ الاّ اثنان..أنا وَأنتَ”

في الديوان قصائد حُبّ أيضا لمصرَ والأردن ولمرجعيون وجويّا (قرية جنوبية)، وفيه حنان الأم لأبنيها، وفيه رثاءٌ لذاك الفتى ” البطل” الياس خوري الذي قضى في تفجير المرفأ، وفيه :” حينَ يغيبُ الزمن/ تُعيدُ النجومَ الى أولِ البدء/ تُرتّبُ أجنحةَ الحمام/ وتكتب :” بيروت ما أبقى الكلامُ للكلام كلاما/ بيروت أغنية السلام”.

الديوان إضافة الى رصيد دار نشر ناريمان لصاحبته المثقفة والأديبة والشاعرة الصديقة ناريمان علّوش الثابتة على طريق النشر رغم قلة الموارد وحزن المدينة، والحالمة، مثلنا جميعا، بأن يكون كلُّ ما تمرّ به بيروتُنا، مجرّد كابوس أوصلنا اليه ساسةٌ عديمو الثقافة والقلوب، ودولٌ يغيظُها دائما دلالُ هذه المدينة الصغيرة التي أنتجت فجرا وعلما وثقافة وصحافا أكثر مما يُسمح لمثلها أن تفعل.

ما أن ودّعنا جناح دار ناريمان، حتى رأينا وجوها شابة نابضة بالحياة، تتحلّق حول رواية مشتركة تحمل عنوان ” بريتيوم” وتوقيع مجموعة من الكتّاب الشباب تشاركوا في صياغة حروف ونسج شخصيات هذه الرواية، وهم : نور يونس، حسين شكر، جيهان حمود، بشرى زهوة ومحمد الصغير، وذلك في إطار مبادرة رائدة مستمرة منذ سنوات بإشراف عبد الرحمن جاسم وتهاني نصّار ( معروفة باسم نون عبد الرحمن)، بغية تدريب الشباب على الكتابة والرواية والأدب والسيناريو في دار-المجمّع الإبداعي.

هذه محاولة مُهمة ورائدة من قبل الصديقين عبد الرحمن ونون، تجيب كما يوضح الجاسم في مقدمة الرواية على عدد من الأسئلة : هل يُمكن لشخصين حالمين أن يقوما بشيء من غير تمويل من أي جهة أو دولة أو فصيل أو مجموعة؟ وهل ما زالت الثقافة بمفهومها الأدق والأصدق مقبولة/مرغوبة لدى الناس ضمن مجتمعات مؤطره ومقيّدة كالمجتمعات العربية؟

لن أستفيض في الحديث عن هذه الرواية، قبل قراءتها، ولنا عودة أكيدة اليها.

ما أن نُغادر هذا الجمع الشبابي الحالم بثقافة تُشبه همومه وجيله وآماله من فوق أشلاء بيروت العاتبة والغاضبة والحزينة والتي ستقوم كما معهود عادتها منذ غابر الزمن من تحت الرماد، حتى ألتقي بالدكتورة والاستاذة الجامعية نغم أبو شقرا مع زوجها وابنهما. كم أسعدني اهتمامها بالصين التي وضعت عنها مؤلفا قيّما بعنوان:” الصين من الريادة الإقليمية الى الزعامة الدولية، دراسة في العلاقات الدولية والاقتصادية”، وكذلك اهتمامها بتركيا لتؤلف عنها كتابا بحثيا عميقا أيضا بعنوان :” تركيا بين الإرث الثقيل والواقع المتمرّد”. وهما كتابان سنتحدث عنهما قريبا بتفصيل أكثر ويشيان بجهد بحثي وتوثيقي كبير.  

نُكمل السير بين الأجنحة اليتيمة ودور النشر الحالمة بعودة شيء من الانتعاش، فاسمع صوتا شابا يناديني، إنه محمد علي حسين خليفة، يقترب حاملا بيده كتابه الأول:” الحكومة العالمية بين السُنن التاريخية والتجارب البشرية” يقدمه كما الدكتورة نغم هدية…هكذا هم اللبنانيون، يتناسون ضيق الحال، والأيام العجاف، ويهدونك في أوج أزماتهم وانهيار اقتصادهم وعملتهم، ثمرة انتاجهم الفكري آملين في العبور صوب الناس.

في تقديمه لكتاب الحكومة العالمية، يقول إدريس هاني إن في الكتاب:” ما يفتح مجالا لآفاق ثورية على طريق مستقبل أفضل، لا يمكن أن يكون كذلك الا بقيام حكومة عالمية توحيدية عادلة، فيها ومعها فقط يتحقق منتهى السلام العالمي وكرامة الانسان”. هي إذا فكرةٌ خلاّقة تثير حُشريتنا لقراءة الكتاب وتقديم دراسة نقدية تُناسبُ حجم الجُهد التوثيقي المبذول فيه من قبل مؤلفه محمد علي حسين خليفة.

لطلال أبو غزالة دارٌ خاصة به. تقف أمامه شابة جميلة وأنيقة، نرمي عليها التحية واعدين بالعودة بعد استكمالنا جولتنا الاستكشافية الأولى على المعرض، تُسارِع الى اهدائنا مؤلفاً بعنوان :” طلال أبو غزالة، رجلٌ تسكنه المعرفة”، وعلى أسفل الغلاف اسم الكاتب والسياسي اللبناني كريم بقرادوني الذي له ” في كل عُرسٍ قرص” كما يقول المثل اللبناني.

الواقع أني شخصيا مُهتمٌ بطلال أبو غزالة منذ فترة طويلة ليس لصفاته التجارية والاقتصادية والمالية الكثيرة التي وقفت خلف شهرته، وإنما لشروحاته وتحليلاته السياسية التي صار منذ سنوات ينشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغالبا ما تُصيب لا بل وتستشرف المستقبل بدقّة لافتة.  لكن ما زاد اهتمامي هذه المرة هو توقيع كريم بقرادوني، فهذا السياسي المُعتّق والذي تقلّب في السياسة وثبت في الفكر والتأليف، يُغري بالقراءة مضمونا، وأسلوباً ورواية وتوثيقا. ولو أنه كرّس حياته للكتابة بدلا من موقع الرجل الثاني دائما في كل تجاربه السياسية المتناقضة لكان اليوم مُتربّعا على عرش من المؤلفات القيّمة.

في الكتاب قصة تفصيلية وتحليلية وتوثيقية لحياة طلال أبو غزالة مُذ خرج من فلسطيننا الحبيبية الى حيث تربّع على قمة المجد والشهرة. وقد وضعت الكتاب الى جانب سريري ليكون من بين الكتب التي سأقرأها قريبا.

الواقع أني أحرص منذ سنوات طويلة، على عدم تلقّي الكتاب هدية، فأنا أشجع على شراء الكتب لتعزيز وضع دور النشر والكتّاب، لكن كيف تُردّ هدية مُرفقة بمحبة ترسمها ابتسامات المؤلفين أو أصحاب دور النشر الآملين بأن يعبر الكتاب من بين يديك الى القرّاء؟

في جولتنا الأولى أمس، اشتريت مجموعة أخرى من الكتاب، في طليعتها مذكّرات الرجل الثاني في ليبيا سابقا عبد السلام جلّود، فقد كنت قد قرأت أبرز تفاصيلها على صفحات “العربي الجديد” ووجدت الرجل كعادته حين كان في السلطة جريئا الى أقصى حد وسليط اللسان حيث يجب ويقدّم روايات كثيرة عن أحداث ما عرفنا يوما سرّها. وسوف أكمل في الكتاب :” الملحمة” ما قرأته في الصحيفة.

كما اشتريت كتاب الصديق والوزير السابق ملحم رياشي، أولا لأنه هو كاتبه وأنا احب أسلوبه وشفافيته والمحبة المتدفقة من بين كلماته والسطور والتي غالبا ما تُقارب روحانية النُسّاك، وثانيا لأنه يروي حياة رجل كان من أكثر السياسيين نزاهة وتواضعا وشفافية، النائب السابق ألبير مخيبر والذي قدّمه رياشي بالقول :” البير مخيبر هذا العاشق للحرية والعاشق للديمقراطية على عوراتها، كما كان يردّد، وعاشق المجلس النيابي وساحة النجمة وساحات المتن، للشعب ومن الشعب”.

كما أعجبتني عناوين اشتريتها دون معرفة دقيقة بعد بعمق مضمونها ومنها:” البعد المسيحي للسياسة الروسية في المشرق العربي” لمؤلفه سليم هاني منصور، و:” امبراطورية في حالة تراجع-الولايات المتحدة الأميركية بين الماضي والحاضر والمستقبل” لمؤلفه فيكتور بولمر توماس، و:” لبنان الكبير في المئوية الأولى-بيتٌ بدون سياج” لمؤلفه داود الصايغ الذي غالبا ما أحرص على قراءة كل ما يكتب.

حملتُ مع أصدقائي كُتُبَنا المُهداة أو المُشتراة، فصارت بيروت أجمل، لأن بيروت بلا كتب ولا ثقافة ولا فكر، تُصبح ثكلى وحزينة وتفقد الروح. وقريبا بإذن الله سأختصر لكم الكثير مما سأقرأ.

 

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button