آخر خبرافتتاحية

لبنان: انتخابات الهياكل، ضد الشباب والإصلاح

افتتاحية 

   سامي كليب:

                 لم تُحسم كلّ الترشيحات للانتخابات النيابية في لُبنان بعد، لكن ما رشح منها حتى الآن يشي بخزي وعار هذا الاستحقاق. يتصرّف أباطرةُ وقياصرةُ وأمراء وزعماء الأحزاب التقليدية وكأن شيئا لم يحصُل في هذا الوطن. لم تهوِ الدولةُ من برجِها الوهمي، لم يتسمّمْ الناس بسرطان النفايات، لم تُسرق أموالُ الفقراء ومتوسطي الحال في المصارف، لم تختفِ الكهرباء والماء والضمان الصحي، لم تنتحر الليرةُ على أبواب المصارف، لم تنتعشْ المذهبيةُ بأبشع صورها، لم يَجُع جيشنُا الوطني وقوى الأمن في بلد انعدام الأمن، لم تشتعل بيروت بنار المرفأ ( الذي ستُخفي الهياكلُ  حقيقتَه تماما)  ولا اشتعل الوطن بنيران الاقتتال.  

لا، لم يحصُل شيءٌ من كل هذا. تتحرّك الهياكل العظمية، لإعادة ترشيح هياكل عظمية أخرى كأن شيئا لم يكن. ليس العُمر هنا المقياس. فقد نجد عجوزا مُخلصا لوطنه وقادرا على الإنقاذ تماما كأي شاب، لكن المقياس هو ذاك التكلّس الفكري، وتجمّد القلب والشعور عند تلك الهياكل، التي نكّلت بالمواطنين، وأظهرت غباءً منقطعَ النظير في تدبير شؤون الدولة، وذكاءً منقطعَ النظير أيضا في تعزيزِ الطائفية وتثبيت الفساد كقاعدة للحكم، وتناهشت لحم الناس والوطن، وتذاكت في استجرار من يستعبدها من الدول والأمم و المحاور الخارجية، وهي تنادي بالوطنية.

           ما يرشح حتى الآن من الترشيحات التي تُبدع باختيارها تلك الهياكل في احتقارٍ منقطع النظير للناس، يؤكد المؤكد: فالج لا تُعالج، كما يقول المثل اللبناني. ولا بأس، في سياق الحفاظ على الهياكل وبعض العائلات المعتادة على تقاسم الجُبنة في كل الأوقات، والتلاقي في زمن الانتخابات رغم تبايناتها، أن تقفز فوق الخلافات السياسية والأيديولوجية والحزبية والعقائدية، فهذه كلّها بالأصل وُضعت ليس لتُحترم وإنما لتكون جسرا يحفظ الهياكل من الاندثار. ما هو الفرق بين اليمين واليسار في لغةِ الهياكل؟ لا شيء.

        هل نلوم الهياكل؟

بالطبع لا، فهذا دأبُها وشأنها، وهذا ما تُبدع به، وهي في زمن الانتخابات تُزيّن الكلام، وتُغدق الوعود، وتربّتُ على كتفِ كل مُحتاج، لا بل هي تتفضل بتخصيص بعض ما نهبت من جيوب الناس لارسال إعانات غذائية وبعض المازوت ثمنا للصوت الانتخابي القادم لا مُحالة. لم يتغيّر شيء سوى، ان الهياكل خائفة هذه المرة أكثر من المرّات السابقة، لأنها لا تعرف تماما كيف ستكون ردةُ فعل الفقراء والبطون الخاوية، ولا تعرف تماما الوزن الحقيقي للمجتمع المدني (أو قُل للمجتمعات). هي خائفة لأن الجوع جعل الضمائر تصحو، ودفع القابلين بالذل التاريخي الى القلق على أبنائهم.

       لا تُلام الهياكل، فهذه حدودُ قدرتها على التفكير. هي تعرف تماما كيف تتقاسم صفقة أو تحافظ على احتكار أو تتفاهم على طمس قضية كُبرى، أو تقمع القضاء، أو تشتري الاعلام، وذمم الكتّاب والمثقفين والنقابات. إنما الذي يُلام هم الناس العاديون. والذي يُلام أيضا هم بعض أرباب وعباقرةِ المُجتمع المدني، الذين وقبل أقلّ من نصف شهر على نهاية الترشيحات، لم يقدّموا بعد للناس مشاريع جاذبة وموحدة ولا شخصيات موثوقة وقادرة بمعرفتها وعلمها وخبرتها ووطنيتها على تُشكيل بديل حقيقي للهياكل، وترى بعضهم يسيرُ تماما على درب الهياكل في التحالفات والمناكفات، ومن قدّم ما يُبشّر بالخير هم قلّة. 

    والذي يُلام أيضا، هي تلك الشخصيات التي تدّعي بعض الثورية طيلة العام، ثم حين يأتي زمن الانتخابات والتحالفات، تراها تُجامل الهياكل وتعقد اجتماعات معها، على اعتبار أنها إذا لم تنجح كمُعارضة، فلا بأس بالنجاح من خلال الهياكل.

لا أحد يعرف لمن صوّت المواطن في الغرفة المُغلقة يوم الانتخابات، وعلى الأجيال الجديدة خصوصا أن تُقرّر، هل تصنع هي مستقبلَها الذي يُشبهها، أم تُعيد الهياكل الى التنكيل بها، كما نكّلت بمن سبق طيلة العقود الماضية.

هي معركةٌ بين أباطرة نظام تحلّل كجثة مُهترئة، وآمال شعبٍ يحلُم بوطن أجمل، ولا يعرف السبيل الى ذلك. هي معركةُ القرار بين القبول بالخنوع للهياكل التي تُرشّحها الهياكل رغم فشلها الذريع في كل شيء سوى في افقار المواطن وقتل الدولة، أو الانتقال الى بداية طريق الإصلاح ومجلس نيابي يضم نُخبة من الوطنيين الصادقين وأصحاب الخبرة لبناء دولة لم تُبنَ أصلا منذ الاستقلال بسبب ارتباط مصالح الهياكل بالخارج وبجيوبهم، أكثر من انتمائهم الى وطن وإيمانهم بدولة عادلة وديمقراطية ومدنية.

انظروا الى بعض الأسماء التي ترشح، تعرفون أن طبع الهياكل يغلُب دائما على التطبّع.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button