آخر خبرافتتاحية

كُلما هُزم العرب اخترعوا بطلا من وهم.    

سامي كليب:

يقول الكاتب والفيلسوف الفرنسي الشهير فولتير:” إن من عرف كيف يجعل الشجاعة في قلبه غيرَ قابلة للترويض، يُصبح بطلاً أو مُجرما”، والواقع أننا عرفنا في وطننا العربي الكثير من المجرمين على كل المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والقليل من الأبطال ونُدرةً من الشجاعة الحقيقية أي تلك التي تواجه الواقع وتعترف بالوهن كي تعالجه. ولذلك غالبا ما حوّلنا المجرمين أبطالاً، والعملاء رموزاً، وغالبا أيضا ما كان فعلُ البطولةِ الإجرامية أو الوهمية لهؤلاء ضد أهلهم وأشقائهم هو الأساس، وليس ضد أعداء أمّتهم، وما أكثرهم تاريخا وحاضرا.  

هذا بالضبط ما أشار اليه المُخرج والسينمائي الصيني “جون وو” بقوله:” إن كل بحثٍ عن بطل ينبغي أن يبدأ بما يحتاجه كلُّ بطل: أي العدو”. وإن لم يعرف العربي من هو عدوه بالضبط في مراحل البحث عن البطولات الوهمية، فهو حتما سيجد يد العون شرقا وغربا، ذلك أن مصانع السلاح، والشركات الباحثة عن الثروات تعرفُ تماما كيف تخترق المجتمعات الهشة والمُنهكة تخترع لها أعداء لإنعاش المصانع. أليس العربُ اليوم من المشرق الى المغرب ومن المحيط الى الخليج، هم أكثر من يشتري السلاح، وأكثر من يستخدمه في اقتتالهم الداخلي؟

لنأخذ لُبنان مثالا: فكلُّ طائفة تتمسكُ حاليا ببطلها، أو تبحث عن بطل، وفي بحثها هذا تبحث عمّا يحتاجه البطل كما قال المخرج الصيني: العدو. والواقع أن ثمة اختلافاً كبيراً جدا على تحديد هذا العدو، ولو استثنينا الفترة المضيئة التي نجح فيها أبناء الأرض في مواجهة من احتلّ أرضهم ونكّل بأهلهم، وواجهوا الدبابة والطائرة بالبندقية والأجساد أولا ثم ببعض القاذفات والصواريخ لاحقا، ولاقوا في حينه هبّة شعبية عربية نادرة ومهيبة تأييدا لهم قبل الانخراط في  متاهات الحروب العربية، فكلُّ البطولات الأخرى بعد ذلك انتقلت الى مجالات الوهم ، وصار الفقرُ والجوع عدواً أولا وغاب البطل المُنقذ. 

كان تعبيرُ “المقاومة ” يُطلق تاريخيا على من قاوم المُحتّل، لكن هذا التعبير صار يُستخدم أيضا من قبل الجبهة اليمينية اللبنانية سابقا ثم القوات اللبنانية لاحقا ضد الوجودين الفلسطيني والسوري في لُبنان، والآن ضد حزب الله وإيران. وكان تعبيرُ العدو يُطلق على اسرائيل، بينما اليوم في لبنان، ثمة من يعتبر ايران هي أيضا عدوا، والسعودية والامارات كذلك وفق الانتماء والمحور. ومنذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، توسّع مجال رافضي الوجود السوري ذي القبضة الحديدية والقاسية آنذاك وأيضا ضد الحزب على أساس انه ودمشق اتُهما فورا بالاغتيال ” لأسباب سياسية” وفق ما قال أحد قادة قوى 14 آذار في حينه. ارتفع مجال الرفض أكثر بعدما خرج الجيش السوري من لُبنان. لكن يُلاحظ أن الكثير ممن افاد جدا من ذاك الحضور الأمني والسياسي السوري الذي قبض على كل مفاتيح البلاد وأنعش مافيا لبنانية سورية تحكّمت برقاب الناس، تحوّل بقدرة قادر الى بطل بعد الانسحاب، تماما كما كان يُمارس البطولة قبل الانسحاب بفضل السوريين أنفسهم.   

لم تصمد تعابير البطولة طويلا بعد الخروج السوري، فقد اقتضت صفقات ” أبطال الخارج” أن يعاد فتح الخطوط بين لبنان وسورية، وُيساق أبطال الداخل سوقا الى دمشق. ومن يقرأ كتاب الرئيس إيلي الفرزلي ” أجمل التاريخ كان غداً” سيجد أن أفعال البطولة الوهمية والتاريخية لدى الكثير من القادة السياسيين اللبنانيين كانت تُخفي تعامُلا وضيعاً واستخباراتياً مع القبضة السورية.

قبل ذلك كان الخلاف كبيرا حول دور فرنسا وما فعله الجنرال غورو بلبنان وسورية، فانقسم اللبنانيون بين مُطالب بالاستقلال التام عن سورية والمرحّب ايما ترحيب بالفرنسيين وجنرالهم، ومناهض لسلخ البلدين عن بعضهما، ولو راجعنا وثائق التاريخ سنجد كوارث حقيقية في اختراع الابطال آنذاك (راجع كتاب الرسائل اللبنانية، قرنٌ من القلق من الانتداب الى التحرير الصادر عن دار هاشيت-أنطوان، في بيروت). سنجد كوارث كذلك حين اجتمعت الآراء اللبنانية في لحظة لُبنانية تاريخية مصيرية حول الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، ثم انقسمت بفعل الاحلاف الغربية من جهة وبعدما اكتشف اللبنانيون (متأخرين كالعادة) أن اتفاق القاهرة حوّل لبنان فقط بين كل الدول العربية (باستثناء الأردن لفترة قصيرة) الى ساحة القتال الفلسطيني ضد إسرائيل من خارج الحدود. (يمكن مثلا مراجعة علاقة عبد الناصر مع الشيخ بيار الجميّل مؤسس وزعيم حزب الكتائب، وفق ما رواها نجله الرئيس السابق أمين الجميل في كتاب مذكّراته الأخير والمهم والذي كشف فيه أيضا عمق العلاقة بينه وبين بعض القادة الفلسطينيين في أوج الحرب اللبنانية، بينما كتاب آخر للباحثة الأميركية كريستين شولتزه مثلا شرح بالتفصيل العلاقات القديمة بين الكتائب وإسرائيل، والتي صارت اليوم من التاريخ طبعا).

اليوم لا يوجد عدو واحد يتوحّد ضده اللبنانيون، ففي الداخل، كثُرت العداوات موحية بما كان عليه الأمر قبل الحرب الأهلية (التي لها أيضا اسبابُها وشروطها وأبطالها الخارجيون وبيادقها الداخليون وما أكثرهم). وأما في الخارج فلكلّ طرف أعداؤه وأبطالُه.  

يكفي أن تُشاهد الفضائيات لتلاحظ كلام البطولات الوهمية في حرب المحاور، ذلك ان افتراض البطولة والعدو، يحتاج الى بيادق وأبواق تُهاجم وتلاكم وتمدح وتقدح. لا بأس لو أن صحافيا كبيرا انزلق الى متاهات الشتيمة والتجريح، فهذه أيضا من عُدّة البطولة المطلوبة. ولا نستثني أحدا، فالجميع انزلق الى هذا الدرك، وصارت الجيوش الالكترونية التي تضم شتّامين كثيرين ومثقفين نادرين، تتولى قيادة معارك البطولات الوهمية.

 رحم الله من قال يوما: ” ولا خير في ود امرئٍ متلونٍ /إذا الريحُ مالت مال حيث تميل/  فما أكثر الإخوان حين تعدهم/ ولكنهم في النائبات قليل ” .

ويمكن أن نضيف اليوم أنه حين يكثرُ الشتّامون والمادحون من الإعلاميين والمثقفين ومدّعي الفكر على أبواب الساسةِ، تتحول الأوطان الى ساحة شطرنج لبطولات وهمية وتتحوّل الشعوب وقادتها الى بيادق في صراع الأمم. وفي هذا الوقت بالضبط، تتفاوض الأمم من موقع القوة بحثا عن مصالحها ، ويتفاوض العرب على لحم بعضهم البعض وقودا لتلك الأمم.

 تحتاج أوطاننا الى قليل من التواضع، وكثير من العِلم والفكر والعلوم والتكنولوجيا، وكثير من الكرامة الوطنية والانتماء الى الوطن لا للخارج ، اذا أردنا دولا تحترم نفسها لا أبطالا من وهم كتماثيل الثلج تذوب عند طلوع الشمس.  

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button