آخر خبرافتتاحية

الشعبان السوري واللبناني حقل تجارب اقتصادية فاشلة؟

سامي كليب:

يعيش الشعبان السوري واللبناني منذ سنوات كارثة اقتصادية حقيقية تتشابه في الكثير من أسبابها ونتائجها. هي لم تبدأ بالحصار الدولي أو التضييق العربي رغم قساوتهما، وإنما تجد جذورها في السياسات الاقتصادية الخاطئة التي رمت الشعبين في عالمِ الأوهام أو حقول التجارب.

ليس من قبيل الصُدفة أن يُعلن البلدان رفع الدعم عن مواد أساسية، فهذه شروط قديمة طرحها صندوق النقد الدولي عليهما، وكانا يفاخران بعدم الالتزام بها، لكن نظرا للأخطاء الفادحة في اقتصاد البلدين، ها هُما ينصاعان مغلولي الأيادي الى تنفيذ كل هذه الشروط تحت شعارات رنّانة لا تُطعم جائعا ولا تنفع فقيرا.

حين وصل الرئيس بشّار الأسد الى السُلطة في العام 2000، تحدث عن ” تطوير” النظام السياسي وعن ” اصلاح الاقتصاد” لا بل أنه كان عازما على نسف معظم الأسس القديمة للاقتصاد وقال في خطاب القسم الأول منتقدا السياسات الاقتصادية السابقة لعهد والده  : ” كانت المعالجة (الاقتصادية) تتمّ من خلال إصدار قوانين ومراسيم وقرارات تتسم أحيانًا بالتجريبية، وأحيانًا أخرى بالارتجال، وفي البعض منها كانت تأتي كردّ فعل على حالة معينة، ولكن قليلًا ما كانت تأتي هذه المعالجة فاعلة ولا منفعلة أي أن تأخذ هي زمام المبادرة. وبالتّالي أتت ضعيفة وفيها الكثير من الثغرات وكانت مسؤولة إلى حدّ ما وليس بشكل كامل عن الصعوبات التي نعانيها اليوم”.

لو دقّقنا في كل التجارب الاقتصادية التي تُمارس منذ ما قبل الحرب وفي خلالها نجد أنها ” ارتجالية” و”منفعلة وغير فاعلة” و”ضعيفة وفيها كثيرا من الثغرات”. وذلك فيما المحور الآخر كان يخطّط بدقة متناهية لجعل الحصار قاتلا، وهذه حرفته منذ القدم وفق ما يُفنّد بدقة الخبير الاقتصادي الدولي جون بيركينز في كتابه ” اعترافات قاتل اقتصادي”. أو وفق ما شرح بضميره الحي المقرر السابق للأمم المتحدة جان زيغلر في كتابه ” التدمير الشامل، جيوبوليتيك الجوع”.

ألم يكن مثلا إغراق السوق السورية بالبضائع التركية المُنافسة والتي كادت تقتل المصانع السورية، نوعا من ردة الفعل لتناسب التنسيق السياسي بين البلدين؟ ألم يكن ثمة ضياع كامل في تحديد هوية الاقتصاد السوري الذي ضاع بين اشتراكية قديمة متشددة، وليبرالية جديدة متردّدة؟ ألم يشتبك الخبراء الاقتصاديون السوريون الذين جيء بهم من مؤسسات غربية كبيرة مع إدارات صدئة لا تقبل التغيير؟ فغالى أولئك الاقتصاديون بالانفتاح وغالى القدماء بالانغلاق.  ألم يتحوّل أمراء الحرب في لُبنان من أفكار يسارية ونضالية وتحرّرية (مدنية أو إسلامية) الى شركاء في تقاسم جبنة الوطن فوق أجساد الفقراء؟ ألم يُصبح شيوعيون ويساريون خدّما في بلاط الرئيس الراحل رفيق الحريري حين لوّح لهم بالدولار؟

ورد في تقرير أصدره مركز دمشق للأبحاث والدراسات (وهو كان من أهم المراكز لكن للأسف أغلق أبوابه لاحقا) في العام 2016 أنّ: «معدل المشاركة بقوة العمل تراجع 10 نقاط مئوية خلال عشر سنوات لينخفض من 52 بالمئة عام 2001 إلى 42٫7 عام 2010، بما في ذلك معدل مشاركة الإناث في سوق العمل، ليصل إلى 12.9 عام 2010 الأمر الذي يعكس بوضوح الاختلال الهيكلي في الاقتصاد
السّوري».

مع وصول الأسد إلى سُدّة الرئاسة كانت سوريا تعاني التصحر الذي ضرب القطاع الزراعي الذي يمثل تقريبًا 23% من الناتج القومي الخام. أدّى التصحر إلى تراجع المحصول الزراعي على نحو أفقد الناتج القومي ما يقارب 8 بالمئة من مردوده وفق مؤشر التنمية لشهر نيسان/أبريل 2005. وكانت نسبة النّمو الاقتصادي اقتصرت على 0.6 بالمئة وبقي بالتالي عاجزًا عن دعم النّمو الديموغرافي البالغ 2٫5 بالمئة.

كانت كلّ الإحصائيات الرسمية تقريبًا، تشير إلى أنّ نحو مليونين ونصف مليون شخص من القوة العاملة في البلاد يعيشون من الزراعة والفلاحة؛ وأنّ نسبة البطالة ربّما وصلت إلى 20 بالمئة. وتبين لاحقًا، أنّ هذه النسبة من العاطلين عن العمل قد تكون استُخدمت وقودًا في الحرب التي استعرت ابتداءً من خريف عام 2011، ذلك أنّ الأرياف التي شهدت منسوبًا عاليًا من الحرب كانت تضم النسبة الكبرى من العاطلين عن العمل.

يقول الكاتب السّياسي والدبلوماسي الفرنسي السّابق، الذي خدم في دمشق جان بيار فيليو (Jean Pierre Filiu)، : «إنّ الشّعب السّوري تخطّى عام 2010 العشرين مليون نسمة، أي إنّ السّنوات العشر الأولى لحكم بشَّار عرفت زيادة ربع هذا العدد الذي تضاعف 3 مرات منذ بداية نظام آل الأسد عام 1970،   وكان 50 بالمئة من الشّعب السّوري لا  يزالون يعيشون في المناطق الزراعية»

في خطابه الأول دعا الرئيس السوري الى «إجراء تغييرات اقتصادية من خلال تحديث القوانين وإزالة العقبات البيروقراطية أمام تدفق الاستثمارات الداخلية والخارجية وتعبئة رأس المال العام والخاص معاً وتنشيط القطاع الخاص ومنحه فرصاً أفضل للعمل» وهو بالفعل أصدر مراسيم انفتاحيه وفتح الاسواق السورية أمام المصارف اللبنانية وغيرها وتم فتح البورصة وقطاعات كثيرة أخرى. لكن كانت النتيجة الأولى ظهور طبقة من الأثرياء والمطاعم والمقاهي الفخمة وقيام أحياء من المباني الحديثة مكان البيوت الفقيرة القديمة (كفرسوسة مثلا) وارتفاع هائل بأسعار المنازل. اليس هذا فشلا ذريعا لمن تولّى الاقتصاد؟

  حين سُئل الأسد في حديث لمجلة دير شبيغل عن السياسات الاقتصادية التي ينتهجها   قال : «بالأساس أنا لا أؤمن كثيراً بالتجارب المنسوخة. هناك اقتباس وهناك خصوصيات وهذه الخصوصيات تنبع من طبيعة المجتمع وتاريخه، وبالتالي سيكون هناك بكل تأكيد نموذج سوري فقط». مضيفا: «بالنسبة إلينا، نحن نقول إنّ الاشتراكية في سوريا هي عدالة اجتماعية “

الواقع أن الشعب السوري الذى دخل عامه الحادي عشر من الحرب، صار بمعظمه اليوم ناقما على هذا ” النموذج السوري” (اذا وُجد طبعا)، ولا يستوعب كثيرا ما الذي يحصل، خصوصا بعد رفع الدعم الأخير وما سيتبعه من خطوات تطال الخبز الذي كان بالنسبة لفكر حزب البعث خطاً أحمر. والشعب لا يفهم أيضا ما هي المقاييس لرفع الدعم عن 600 ألف عائلة قد يكون بينها فقراء؟  وهو لا يستوعب لماذا يتسوّل قارورة الغاز بينما هناك حليفان روسي وإيراني عندهما أكبر مخزون غاز في العالم، ولا يستوعب لماذا استعيدت معظم المناطق السورية، ولم تعد بعد منطقة الجزيرة الغنية بالنفط والثروة الزراعية؟ ولا يستوعب كيف أن لديه حليفا كبيرا كروسيا يمنع استخدام منظومة صواريخه على الاراض السورية حين تشن إسرائيل عدوانا تلو الآخر على الجيش السوري وليس فقط على قوات ايران أو حزب الله ؟ ولا شك أنه يسأل كيف يقول المحور الذي تنتمي اليه سورية إنه انتصر، وها هي أميركا ما زالت تقف حجر عثرة كبير أمام استعادة الثروات الضرورية على الارجح وتنجح في خنق سوريا ولبنان اقتصاديا؟

الحال نفسه في لُبنان، فالبلاد قامت منذ عقود طويلة على ” وهم الانتعاش” الاقتصادي. تحوّل اقتصاد لبنان برمّته الى اقتصاد ريعي يخدم مافيا سياسيا-مالية، وقُتلت كل القطاعات الأخرى. كان من السهل على اللبناني أن يضع أمواله في المصارف ليتقاضى فائدة وصلت الى 14% وهو غافلٌ تماما (أو مُغفّل حتما) عن حقيقة أخرى تقول إن كل هذا وهم، فلا توجد دولة في العالم ترتفع الفائدة فيها عن ما بين 1 و 4 بالمئة.

هل توجد بدائل؟

نعم، وقبل كتابة هذا المقال، سألتُ ثلاثة خبراء اقتصاديين عمّا اذا كان لبنان و سورية مُضطّرين لرفع الدعم، فكانت إجاباتهم جميعا أن البدائل كانت متوفّرة ولم يؤخذ بها، ولعل ما قاله أحدهم هو الأكثر تعبيرا :” يا أخي، من كان يرى الفخ يُحفر له، لا يستطيع بعد أن صار فيه قادرا على البحث عن بدائل، فكل السياسات الاقتصادية كانت خاطئة وغير مستندة الى أي واقع في البلدين، وكان الشعبان للأسف وما يزالان، حقل تجارب بامتياز”.

لا بأس في هذا الوقت، أن يغرق الشعب السوري بجدل عقيم حول إذا ما قاله الفنان السوري عبّاس النوري مُناسب أم لا (وهو قال أشياء كثيرة صحيحة في الواقع)، وأن يغرق الشعب اللبناني بجدل عقيم أكثر، هل بدأت الأزمة الاقتصادية بسبب حزب الله أو مع رفيق الحريري أو قبلهما؟ وأما الباقي فيلهو بتبديل العملة.

الخُلاصة الكُبرى من كل هذا، هو أن المحور عرف كيف يربح عسكريا، لكنه فشل على نحو ذريع اقتصاديا واعلاميا وسياسيا، وما عاد خطابُه مُقنعا لبطون جائعة. الحصار مسؤول طبعا عن جزء كبير من الكارثة، لكن انعدام الاستراتيجيات التي رافقت العمل العسكري مسؤول أيضا وربما أكثر. ومن يقول هذه الحقيقة سيتعرّض حتما لتخوين جيوش الكترونية، كثيرةِ الشتمِ عديمةِ الفكر.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button