الوجبات السريعة المُصنّعة تغتال مناعتَنا

روزيت الفار 

 تعرّف المناعة الذاتيّة بأنها عملية مهاجمة جهاز دفاع ومناعة الجسم لأنسجته وأعضائه. فحين لم يعد بمقدور هذا الجهاز التمييز بين الخلايا السليمة وبين الكائنات الحيّة الدقيقة الضّارة التي تهاجمه، يقوم بمهاجمة نفسه بنفسه محدثاً خللاً وأمراضاً يصعب شفاؤها تُعرف بأمراض المناعة الذاتيّة.

ففي الوضع الطبيعي، يقوم جهاز المناعة بصد الأجسام الغازية أو الدخيلة مثل البكتيريا والفيروسات عن طريق إفراز أجسام مضادة   Antibodies   وخلايا ليمفيّة Lymphocytes  بهدف القضاء عليها وتأمين الحماية للجسم.

في مقال نشرته صحيفة الغارديان  بتاريخ 9/1/2022 حول علاقة الحمية الغربيةWest Diet   بأمراض المناعة الذاتية، جاء بأن أسباب  تلك الأمراض يعود للانتشار المتزايد لنمط الغذاء الغربي المُتمثِّل بالوجبات السريعة الجاهزة.

   وأفادت بأن أعداد المصابين بهذه الأمراض شهد  زيادة خلال الأربعين عاماً الماضية في الدول الغربيّة، علماً بأنها بدأت تنتشر في دول لم تكن تعرفها من قبل. فقد أصبحت دول الشرق الأوسط  ودول شرق آسيا تشهد أكبر زيادة في أمراض الالتهابات المعويّة؛ إحدى أشكال هذه الأمراض.

تُبذل جهود دوليّة بحقل الأبحاث لمواجهة هذه المعضلة بما فيها “مبادرة معهد فرانسيس كريك العلمي” بلندن؛ حيث يقوم بالإشراف عليها عالِمان خبيران هما: “جيمز لي” و”كارولا فينوسا” وفريقان  متخصّصان؛ للمساعدة  في تحديد الأسباب الحقيقيّة لهذه الأمراض.

يُذكر أن عدد الإصابات المسجّلة في المملكة المتحدة وحدها بلغ أكثر من 4 ملايين حالة، أُصيب بعضهم بأكثر من نوع منها بذات الوقت. أما عالميّاً؛ فتتراوح الزيادة السنوية للإصابات من 3%-9% وهي نسبة زيادة عالية تستحق التوقّف عندها.

يقول جيمز لي، الذي يعمل بجامعة كيمبريدج، إنّه لم يحدث أيُّ تغيير للجينات البشريّة خلال العقود القليلة الماضية، فلا بدَّ إذاً من وجود تغيّر بالعالم الخارجي  يسبّب زيادة الاستعداد لتلك الأمراض والإصابة بها؛ الأمر الذي وافقته عليه زميلته “فينوسا” من جامعة استراليا الوطنيّة؛ والتي نوّهت للتغيرات الصحّيّة التي كانت تحدث نتيجة تزايد أعداد الدول التي أدخلت  الوجبات السريعة في نمط غذائها اليومي ؛إذ أصبح الناس يقبلون بكثرة على شراء  تلك الأطعمة والوجبات السهلة.

تفتقد هذه الأطعمة -كما أشارت فينوسا- لبعض المكوّنات الغذائيّة الأساسيّة والهامّة للجسم كالألياف؛ وهذا بدوره يؤثر على المايكروبَيوم (وهي الكائنات الدقيقة الموجودة داخل الأمعاء) والتي تلعب دوراً كبيراً في الكثير من وظائف الجسم، وأن أيَّ تغيير بها من شأنه تنبيه أمراض المناعة الذاتية، والتي أصبحت متعدّدة الأنواع ومختلفة العواض والتأثير؛ وتتجاوز بعددها المئة. أهمّها:

 السكّري النوع الأول، التهاب المفاصل الروماتويدي، التّصلّب المتعدّد اللّويحي Multiple Sclerosis ، الّلوبس Lupus ، التهاب الأوعية الدمويّة وغيرها الكثير الذي يصيب الأعضاء الداخلية للجسم ومنها القلب والكلى.

غير أن الشخص الذي لا يملك استعداداً جينيّا للتّجاوب مع تلك الأمراض لا يمكن أن يصاب بها مهما بلغ حجم الوجبة التي يتناولها

وبسبب عدم القدرة على التحكم  بعمل سلاسل المطاعم العالمية التي تقوم ببيع مثل هذه الأغذية -التي في معظمها عبارة عن ساندويتشات وشرائح بطاطا مقليّة ومشروبات غازيّة-؛ فإن البديل يبقى فهم الآليات الجينيّة الجوهريّة التي تحدّد أمراض المناعة الذاتيّة وما هو السبب الذي يجعل بعض الأشخاص يتأثرون بها دون غيرهم.

 أصبح بالإمكان الآن القيام بذلك بفضل التّطّور بأساليب فحوصات الحمض النووي ولأعداد كبيرة من الأشخاص وكشف الفروقات الدقيقة بينهم مما يسهّل تحديد الأنماط أو النماذج الجينيّة المشتركة بين مَن يعانون منهم من تلك الأمراض، ساهم  في ذلك أيضاً توفُّر المعدات الّلازمة لعملية تعقّب الحمض النووي؛ ما جعل عدد المتحوّرات( المتغيّرات) الجينية التي تحفز تلك الأمراض يتجاوز ال 250 متغيّر بعد أن كان ولوقت قريب 6 فقط. وهذا ما يركّز عليه العلم الآن بهدف فهم كيفيّة عمل المسارات الجينيّة المختلفة وكشف أسباب اختلاف وتعدد أصناف أمراض المناعة الذاتيّة .

 إذا نظرنا مثلاً لمرض اللّوبس Lupus ، نجد ه يأتي بالعديد من الأشكال التي تختلف باختلاف مسارها الجيني؛ مما يصعّب عملية إيجاد علاج مناسب لكل منها.

 وبالرغم من كل ما وفرّه  لنا العلم والأبحاث من معرفة؛ غير أنّنا لا نزال عاجزين عن توفير العلاج المناسب لكل حالة؛ ما يزيد من مستوى الاحباط  لدى المريض وخصوصاً أنّ هذه الأمراض عادة ما تطال -وبجميع أشكالها- الفئات الشابّة التي لا يزال بعضها على مقاعد الدراسة أو يبحث عن عمل أو يسعى لتأسيس عائلة، ما ينتهي  الأمر بإجراء عمليات جراحيّة لهم أو بتلقّي حقناً بانتظام وعلى مدى الحياة، كما وأن ذلك من شأنه زيادة الأعباء الخدميّة للجهات الصحّيّة المعنيّة.

وأخيراً؛ الا يوجب ذلك الأمرعلينا أن نتوقّف عنده  والتفكير بالعودة إلى مطبخنا الشرقيّ الغنيّ بالمكوّنات والعناصر الغذائيّة، والمتنوّع الأصناف من خضار وفاكهة وزيت زيتون والكثير الكثير غيرها والذي يؤمّن لنا حياة صحّيّة سليمة ؟

lo3bat elomam

Recent Posts

Le libanais qui a sauvé la Suisse

Le libanais qui a sauvé la Suisse Nadine Sayegh-Paris Au cœur d’une crise industrielle sans…

1 day ago

الحرب كارثة على النمو الاوروبي والخسائر بالمليارات

 أود باريتي دي لاغارد – مراسلة لوفيغارو في برلين لن يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي…

6 days ago

بابا الفاتيكان في الجزائر، زيارة تذكّر بتاريخ وحاضر التسامح في معقل أوغستين

حيدر حيدورة-الجزائر  تستعد الجزائر في الأيام القليلة القادمة لاستقبال البابا ليو الرابع عشر في زيارة…

6 days ago

ترامب تورّط والجميع خاسر

سامي كليب حين تشتعل الحروب، يسأل الناس: من ربح؟ ومن خسر؟ لكن هناك حروبًا لا…

6 days ago

دمّروا بيت الجنوب وبقيت أرزتُه شامخة

د.ماريز يونس ( باحثة واستاذة العلوم الاجتماعية ) خريطة رقمية اخترقت صباحنا، لا وزن لها،…

6 days ago

مكتبة ليلى شهيد في معهد العالم العربي

أعلنت رئيسة معهد العالم العربي في باريس، آن-كلير لوجوندر, عن إطلاق اسم "مكتبة ليلى شهيد"…

1 week ago