ثقافة ومنوعات

لبنان: حين تختلط رائحة القهوة بدخان الحرب

د.محمد سليمان فايد

لم يكن السفر إلى لبنان مجرد رحلة عمل، بل كان حلمًا مؤجلًا، صورة ذهنية لمدينة بيروت النابضة بالحياة، والتي تعرف كيف تبتسم رغم كل شيء. لكن بيروت التي وطأتها الأقدام هذه المرة لم تكن تلك التي تسكن الذاكرة؛ كانت مدينة أخرى، ترتدي ملامح القلق، وتخفي خلف جمالها وجعًا ثقيلًا.

منذ اللحظة الأولى، بدا المشهد مختلفًا. مطار شبه خالٍ، وجوه متحفزة، وأسئلة معلقة في العيون قبل الشفاه: إلى أين نحن ذاهبون؟ استوقف عشرات اللبنانيين زميلي ورفيق الدرب سامي كليب، الإعلامي اللبناني المعروف بصدقه فيما يكتب ويحلل، وكانوا جميعًا يستوقفونه: متى تنتهي؟ كل ما كتبت وحذرت منه قد حدث! هل مصيرنا في لبنان مربوط بالإيراني؟ هل تنتهي الحرب قريبًا؟ وكان يقف ويجيب على الجميع بكل صدق. أحيانًا أقول له: إجاباتك حادة، الناس تحاول أن تطمئن منك، فيقول لي: هل أضللهم؟ لا بد أن تكون صادقًا فيما تقول، لذلك هم يثقون فيما أكتب.

فأعود وأسأل نفسي وأنا أعيش هذه التجربة الجديدة في تغطية الحروب: وهل ثمة أمان في سماء مفتوحة لكل احتمالات الموت؟ حتى الطائرة لم تكن مجرد وسيلة انتقال، بل مساحة للتأمل في هشاشة اللحظة، والخوف من صاروخ طائش أو طائرة مسيّرة تعبر دون استئذان.

في بيروت، المدينة التي كانت تضج بالحياة، بدت الشوارع هادئة على غير عادتها، كأنها تلتقط أنفاسها بين ضربة وأخرى. المقاهي أقل ازدحامًا، والمطاعم التي كانت تضيق بروادها أصبحت تستقبل القليلين، بينما يعلو في السماء صوت طائرات التجسس “الزنّانة” كجرس إنذار دائم لا يهدأ.

ورغم ذلك، ظل شيء ما يقاوم؛ شباب يجلسون حول طاولة قهوة يتابعون صور القصف، لكنهم لا يغادرون أماكنهم. هذا الشعب، الذي اعتاد التحدي، لا يزال يحاول أن يعيش، ولو على حافة الخطر.

لكن الأخطر من صوت القذائف، كان ذلك الهمس الخافت الذي يتسلل بين الأحياء: حديث الطوائف، والانقسامات، والخوف من الآخر. لبنان الذي عرفناه لم يكن يومًا مجرد طوائف متجاورة، بل كان نسيجًا إنسانيًا متداخلًا، يختلف لكنه لا ينكسر. أما اليوم، فيبدو أن هناك من ينفخ في رماد الفتنة، محاولًا إعادة رسم الحدود بين أبناء الوطن الواحد، والخوف من السيارات المارة التي قد تُقصف بلحظة لوجود مسؤول فيها من الحزب، أو الفندق الذي يتم قصف إحدى غرفه، أو البنايات التي لا تدري من فيها.

ورغم كل ما رأيته، بقي الإيمان بلبنان أقوى من المشهد، لأن تاريخ هذا الوطن ليس فقط ضاحية تُقصف، ولا شارعًا يخلو من المارة، بل هو روح لا تُهزم. هو القدرة العجيبة على النهوض، على إعادة اكتشاف الفرح، وعلى احتضان الاختلاف دون خوف… لبنان الذي نحبه هو الذي يجمع ولا يفرق، الذي يفتح أبوابه لكل أبنائه دون سؤال عن انتماءاتهم.

فلبنان، ببساطة، أكبر من أن يُختزل في حرب… وأجمل من أن تمزقه الطوائف.

عدت من لبنان تاركًا أصدقاء كرماء جددًا تعرفت عليهم في لحظات صعبة، أحببت كرم لبنان فيهم، سعدت برؤيتهم، فكانوا جميعًا من الأهل. شكرًا لهم جميعًا، لفريق التصوير ليو وعبدو والجميع، لكل المثقفين والسياسيين الذين التقيتهم، لوزير الثقافة بوجهه البشوش، ولسفير مصر على استقباله الراقي ودعمه، ولرئيس التيار الحر الذي تعامل معي بمحبة.

شكرًا لكل الوجوه التي التقيتها في شوارع بيروت، والفندق، ومطاعم لبنان الجميلة، التي أدعو الله أن تعود لها روح الإنسان مرة أخرى.وحتى نعود ونلتقي، حفظكم الله. 

lo3bat elomam

Recent Posts

Quand la bière était, juste, une affaire de femmes

Quand la bière était, juste, une affaire de femmes Nadine Sayegh - Paris On l’associe…

يومين ago

حروب إسرائيل الكبرى وأوهام وقف النار

سامي كليب  إذا كانت الحروب في العالم تنتهي عادة بالاتفاق على وقف إطلاق النار أو…

6 أيام ago

دبلوماسية تبون في زمن الحروب، لماذا اختار عريف سفيرًا في لبنان.؟

 د.ساره قوراري (كاتبة وباحثة في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية) في الوقت الذي يعيش  لبنان واحدة…

7 أيام ago

الحرب والسلام بعد الصفقة الاميركية الصينية

سامي كليب  هو الشرق إذا يعادُ رسمُه على شفير الحروب من جهة والتفاهمات والصفقات الكُبرى…

أسبوع واحد ago

الجزائر وفرنسا بعد الخصام، اعتذارٌ ووئام

حيدر حيدورة-الجزائر انتصرت لغة العقل والحوار والواقعية على لغة التهديد والقطيعة ونسيان الماضي الأليم في…

أسبوع واحد ago

كي لا ينتقل العرب من ذكرى النكبة الى نكبات

سامي كليب  عشية ذكرى يوم النكبة الفلسطينية التي هجّرت قسمًا كبيرا من الشعب الفلسطيني ودمّرت…

أسبوع واحد ago