بكين-لعبة الأمم
في الشكل والمضمون تكتسب الزيارة الخليجية الرفيعة الى الصين والتي بدأت اليوم وتستمر 4 أيام أهمية خاصة في الوقت الراهن، حيث يتم بحث نقل العلاقات من مستواها الاقتصادي الى مرحلة استراتيجية كاملة، وذلك في إطار تنويع الشراكات الخليجية الدولية من جهة، وربما للاحتراز من المرحلة المُقبلة حيث الضبابية الأميركية في التعاطي مع الحلفاء السابقين وفي البقاء أو الانسحاب من مناطق عربية، تطرح أكثر من علامة استفهام، ناهيك عن برودة العلاقات الأميركية مع بعض دول الخليج وفي مقدمها السعودية.
في المضمون ، لم تقل دول الخليج يوما أنها تُفضل الاتجاه شرقا على الحفاظ على التحالف التاريخي مع واشنطن، لكنها في خططها الراهنة والمُستقبلة باتت تُدرك أهمية توسيع إطار العلاقات مع الصين، وهذا منذ فترة غير قصيرة، فالجانبان يسعيان لتوسيع اطار المشاريع الكُبرى التي ينضوي بعضها في سياق طريق الحرير، وكثيرها في إطار التعاون الاقتصادي والكنولوجي والصناعي والزراعي والنفطي بحيث باتت الصين شريكا أولا في الخليج، نظرا لما لها من امكانيات كبيرة في هذا المجال وبأسعار أكثر جذبا من المشاريع الغربية، وأيضا نظرا لحاجتها الى النفط الخليج في مشاريعها الضخمة والى أسواق عربية.
في الشكل، هذا وفد خليجي كبيري يحضر الى بكين تلبية لدعوة من وزير الخارجية الصينين ومستشار الدولة وانغ يي. يرأس الوفد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربي الدكتور نايف فلاح مبارك الحجرف الذي تحدث عن ” أهمية تعزيز العلاقات الخليجية – الصينية لخدمة المصالح المشتركة”، ويرافقه كل من وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، ووزير الخارجية الكويتي ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح، ووزير الخارجية العماني السيد بدر بن حمد البوسعيدي، ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني.
تعليقا على الزيارة قال وائل خليل ياسين رئيس مركز الشرق الاوسط للدراسات والتنمية، والاستشاري المتخصص في بحوث سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا و شمال أفريقيا، :” ان ثمة روابط تاريخية بين الجانبين العربي والصيني تتجدد بقوة الآن، وأن الصين و معظم دول مجلس التعاون الخليجي مرتبطة بطريق الحرير برا وبحرا منذ أكثر من ألفي سنة، والطرفان ينشدان السلام والتعاون والانفتاح والتسامح والتدارس والتنافع والترابح”.
اضاف ياسين :” إن ثمة سعيا حثيثا في الوقت الراهن لرفع مستوى الشراكة من المجال الاقتصادي الى الشراكة الاستراتيجية الشاملة أي التعاون الوثيق في جميع المجالات والآفاق،وسوف يتم استعراض ملف مفاوضات التجارة الحرة بين مجلس التعاون والصين والتحضير لجولة المفاوضات العاشرة، وسبل تعزيز استثمار الفرص الثنائية في المجالات المشتركة، لاسيما وأن الصين تمثل الشريك التجاري الأول للمجلس”
وقد بحث الوفد الخليجي في اليوم الاول للزيارة أوجه التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك، على ضوء الاتفاقية الإطارية للتعاون الاقتصادي والاستثماري والفني الموقعة بين دول مجلس التعاون وجمهورية الصين الشعبية في يونيو 2004م، في بكين، وكذلك مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين في 2010.
وأعرب الحجرف عن تطلعه لأن تسهم الزيارة في تعزيز العلاقات الخليجية – الصينية، مشيرا إلى أن الزيارة تمثل فرصة لاستعراض مجالات التعاون الخليجي – الصيني ودفع وتعزيز علاقات الصداقة والتعاون، بما يخدم المصالح المشتركة، وجهود تعزيز الأمن والاستقرار ومواجهة التحديات.
في الحديث عن الجوانب الأمنية الإقليمية، فلا شك ان تعزيز هذا التعاون الكبير بين مجلس التعاون الخليجي والصين، يعزز قناعة بكين بسياستها المتوازنة بحيث لا تنحاز الى أي طرف في المنطقة على حساب الآخر، خصوصا بين إيران والخليج، أو بين اسرائيل والعرب وإنما تُكرر دائما سعيها للتوازن في علاقاتها الاقليمية ، ولاقامة دولة فلسطينية مستقلة ولحل سلمي يقوم على أساس الدولتين، ولعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة أو قلب أنظمة بالقوة.
كل دول الخليج اليوم في الصين لتعزيز العلاقات، بينما ثمة دول عربية أخرى ما زالت عالقة في الجدل العقيم، بين التوجه شرقا أو غربا، وكأن التوازن في العلاقات غير موجود.